تحسَّنت نوعية خدمات تحديد تسلسل الجينات كثيرًا، وانخفضت أسعارها إلى درجة أن شركة ناشئة تزعم الآن أن بإمكانها تقديم الخدمة مجانًا.

تستهدف شركة "نبيولا جينومكس" (Nebula Genomics) تحديد تسلسل الجينوم الكامل لعملائها، حسبما صرَّح دِنِيس جريشِن، المسؤول العلمي الأول بالشركة. في المقابل تتيح الخدمات التجارية الحالية تحديد الطراز الجيني، والذي يركّز على الاختلافات بين جينوم الشخص وجينومٍ مرجعي، أما الخدمة الجديدة، والتي أُتيحت رسميًّا يوم الخميس 15 من نوفمبر، فسوف توفّر بياناتٍ تزيد ألفي مرَّة عن البيانات التي تتيحها الخدمات الموجودة حاليًّا، لكنّها لن تكون دقيقة بما يكفي للاستخدام كقاعدة تبنى عليها النصيحة الطبية، على حد قول جريشِن.

يقول جريشن أيضًا إن "نبيولا" تحاول مواجهة نوعين من المخاوف التي لا تزال تنتاب الأفراد حيال تحديد تسلسل جيناتهم، وهما التكلفة والخصوصية. سوف يتحمَّل الباحثون تكلفة تحديد التسلسل الجيني نظير موافقة العملاء على منح الباحثين البيانات الجينومية والطبية الخاصة بهم. يستطيع العملاء بعد ذلك مشاركة تسلسلاتهم الجينية مع باحثين آخرين على أساس كل حالة على حدة، بدلا من إعطاء موافقة شاملة، مثلما يحدث في الاختبارات الوراثية التقليدية الحالية، تَستخدِم خدمات نبيولا سِلسِلة الكتل Blockchain، وهو نظام أشبه بكشف مراجعة يُخزّن المعلومات في شبكة موزّعة بدلًا من شبكة مركزية، لضمان أمن البيانات. ويستطيع كل من يرغب في معرفة تسلسل جينومه -دون أن يسهم في خدمة البحث العلمي- أن يفعل ذلك مقابل 99 دولارًا.

وستتحصّل الشركة على بيانات أعلى جودةً قريبًا جدًا -حسب جريشن- عبر اختبار يُكلِّف ألف دولار سوف يُتاح أيضًا مجانًا في مقابل المشاركة في البحث العلمي. يقول جريشن إنه بدلًا من السعي للحصول على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على إجراء اختبار يمكن أن يتيح الإرشاد الطبي، يتطلع إلى أن يرى الأطباء يصفون للمريض خدمة تحديد التسلسل للتعامل مع المسائل الطبية، إذا كان المريض لديه استعداد وراثي للإصابة بأمراض معينة.

ستكون الخدمة جذَّابة بالتحديد للأشخاص الذين يريدون إفادة العلم بقدر إفادتهم لأنفسهم، حسبما توضح  لورا هيرشر، أستاذة الوراثة البشرية في كلية سارة لورنس بولاية نيويورك، والتي لا تربطها صلة بشركة "نبيولا جينومكس"، مضيفةً: "إذا كنتَ مهتمًا بمساعدة بحوث الجينوم، فإن هذه الصورة الشاملة تبدو منطقية، لأنها ستُمكّنك من تقديم المساعدة دون أن تتحمل أي تكلفة".

في الوقت الحاليّ حتى الاختبار الذي يُكلِّف ألف دولار لن يوفِّر معلومات كاشفة تفوق ما توفره المنتجات المتاحة اليوم عبر عدد من الخدمات التجارية، مثل خدمة "23 آند مي" (23andMe) والتي توفِّر معلومات عن بضعة جينات مرتبطة بالصحة ارتباطًا وثيقًا، وكذلك لن يتيح الاختبار للأشخاص إمكانية إعادة الاتصال بأفراد عائلاتهم، على غرار موقع "أنسستري دوت كوم" (Ancestry.com). لكن جريشن يتوقّع أنه بمرور الزمن، ومع استمرار العلماء في التعرف على وظيفة الجينات ودورها في المرض، سيحصل المشاركون على معلومات أكثر فائدة، ولم يعلِّق "أنسستري" أو"23 آند مي" على شركة "نبيولا" أو الخدمة التي تقدِّمها.

تأسستْ شركة "نبيولا" في عام 2017، بمساهمة جريشن وجورج تشيرش عالِم الوراثة بكلية طب هارفارد، ورائد الأعمال كمال أوباد، الذي يشغل حاليًا منصب المدير التنفيذي للشركة. وفي وقت مبكر من هذا العام، أعلنت الشركة، والتي لها مقر في سان فرانسسكو وآخر في بوسطن، أنها رصدت 4.3 مليون دولار لبدء خدماتها التجارية.

سيكون على المتعاملين مع الشركة أن يقدِّموا لها بعض المعلومات الطبية الأساسية في البداية، مثل التاريخ المرضي لعائلاتهم، ثم في كل مرة يريد الباحثون شخصًا له ذلك التاريخ المرضي العائلي، يمكنهم الاستعانة ببيانات جميع المتعاملين الذين يلائمون احتياجاتهم.

ستصبح قاعدة البيانات أكثر فائدة للباحثين كلما وافق المزيد من الأشخاص على تحديد تسلسل جينوماتهم، "إذا كنت باحثًا وتريد مجموعة ضابطة للمقارنة قوامها 10 آلاف شخص لا يعانون من مرض الربو، فمن الصعب أن تعثر عليهم"، هكذا تقول هيرشر، مضيفةً: "لكن هذه طريقة جيّدة لتحقيق ذلك"، فأغلب مجموعات البيانات حاليًا تتضمّن إما معلومات طبية فقط وإما تسلسلات جينية فقط، لا الاثنتين معًا، حسبما تنوِّه.

عبر الاختبار الذي يكلف 99 دولارًا سيُحدد تسلسل كل حرف في الحمض النووي بشكل صحيح في 99.8% من الحالات، وفقًا لجريشن، لكن ذلك يعني أيضًا وجود آلاف الأخطاء، وهذا هو السبب الذي يدفعه للقول إنه لا ينبغي استخدام الاختبار لاتخاذ القرارات الطبية، ربما لا تشكّل هذه الأخطاء أهمية إذا كانت ستحدّد أن شخصًا ما ينحدر أسلافه من فنلندا بدلًا من النرويج، لكن الوضع سيكون مختلفا كثيرًا لو أدَّت هذه الأخطاء إلى اعتقاد أحدهم بأنه سيصاب بمرض ألزهايمر.

أما الاختبار الذي يُكلِّف ألفَ دولار، طبقًا لجريشن، فسيتضمّن مراجعة كل حرف في الحمض النووي ثلاثين مرة، ما سيقلّص كثيرًا من معدل الخطأ ويجعل البيانات أكثر فائدة للبحث العلمي ولفهم خطر الإصابة بالأمراض على حدٍ سواء. وتُعرب هيرشر عن أملها في أن تشرح الشركة بوضوح شديد عيوب التحليل الذي يُكلّف 99 دولارًا: "إذا كنتَ ستقدّم التحليل إلى أشخاص (ليس لديهم) أي خبرة، فيجب أن تكون واضحًا بشكل قاطع بشأن مدى الجدّية التي ينبغي لهم التعامل بها مع النتائج" التي سيحصلون عليها من تحديد التسلسل.

تَعِدُ الخدمة أيضًا بتبني منهج من الشفافية الكاملة، إذ صرَّحت شركة "نبيولا" أن علاقاتها الاقتصادية ستكون معلنة بوضوح وتفصيل، وستظل مقادير الحكم بين أيدي العملاء لا الشركة، ونظرًا لأن الخدمة تستخدم سِلسِلة الكتل، فلن تحتاج إلى وسيط بين الباحثين والأفراد، الذين يمكنهم إعطاء موافقتهم فوريًّا في الواقع، وسيوفِّر ذلك -على الأرجح- الكثير من الوقت للباحثين، عبر تَجنُّب الحاجة إلى التفاوض بخصوص عقود متعدّدة مع الشركات أو المعاهد التي تمتلك مجموعات ضخمة من البيانات، بحسب ما يقول جريشن.

أما الخصوصية فمن المرجّح أن تظل القضية الأهم لدى بعض الناس، في رسالة عبر البريد الإلكتروني، يقول هنري جريلي، عالم الأخلاقيات البيولوجية ومدير مركز القانون والعلوم الحيوية بجامعة ستانفورد، إن الطريقة التي تتبعها الشركة لن تبدّد كل المخاوف المحتملة بشأن الخصوصية، سيُحسّن استخدام سِلسِلة الكتل من تشفير وسرّية البيانات، بحسب ما يقول، غير أنه يضيف: "ولكن هذه ليست إلا طريقة من الطرق التي يمكن من خلالها انتهاك الخصوصية الجينومية".

ويشير جريلي إلى أنه سيظل مُمكنًا نظريًّا إعادة تحديد هوية الأشخاص من شفرتهم الوراثية، ويمكن أن تُصدر سلطات إنفاذ القانون أمرَ تحرٍ لفحص البيانات أو مذكرة إحضار تستخدم البيانات بموجبها في إجراءات التقاضي.

كان المدافعون عن الخصوصية قلقين للغاية في وقت مبكر من العام الحاليّ، عندما استُخدمت البيانات الوراثية في تعقّب المجرم الذي أُطلق عليه "سفاح الولاية الذهبية"، في ولاية واشنطن. في هذه الحالة كان أقارب القاتل قد أتاحوا معلوماتهم الوراثية للجميع طوعًا، دون دراية بالصلة البعيدة التي تربطهم بأحد المتهمين بالقتل، أو بأن بياناتهم قد تُستخدَم في تعقبه.

إضافة إلى ذلك، يحذِّر جريلي، من أن معظم المعلومات التي يتلقاها المشاركون، خصوصًا في حالة اختبار التسلسل الذي يُكلِّف مئة دولار، ستكون بلا قيمة، بل وقد تكون مكلِّفة إذا سبّبت التباسًا. يقول جريلي إن "معظم الناس لا يريدون ذلك، ولا يحتاجون إليه" مضيفًا: "وربما تُعجِب الطريقة بعض المتحمسين".