داخل النجم النيوتروني -ذلك الجمر المنطفئ فائق الكثافة الذي يبلغ حجمه حجم مدينة وتُخلِّفه السوبرنوفا- تخرج الفيزياء الحديثة عن كل ما هو مألوف. وهناك، تعصر الجاذبية المادة إلى كثافات أعلى بعدة أضعاف من تلك الموجودة داخل نواة الذرة، فتخلق ما يعتقد علماء الفيزياء النظرية أنه يمكن أن يكون أرضًا خصبة لجسيمات وتفاعلات غريبة لم تسبق رؤيتها قَط. إلا أن مثل هذه الكثافات العالية لا يمكن فحصها عبر التجارب المعملية، ولا يزال التصدي لها يمثل تحديًا كبيرًا، حتى بالنسبة لأكثر أجهزة الحاسوب المعاصرة قوة.

ولذا عندما تعطَّف الكون بتقديم المساعدة، هبّ علماء الفلك لانتهاز الفرصة. في أغسطس الماضي التقط مرصد قياس تداخُل موجات الجاذبية بالليزر ’ليجو‘ (LIGO)، جنبًا إلى جنب مع مكشاف أوروبي يُسمَّى ’فيرجو‘ VIRGO، موجات تجاذبية تتردد أصداؤها عبر الزمكان صادرة عن اندماج بين نجمين نيوترونيين يبعد حوالي 130 مليون سنة ضوئية عن الأرض. توفر هذه الموجات -والتي جرت إعادة تحليلها مؤخرًا في ورقة بحثية جديدة بواسطة فريق عمل ليجو-فيرجو- بعضًا من أفضل الإشارات حتى الآن حول طبيعة أصل الاندماج، وعن الماهية الحقيقية لمادة النجوم النيوترونية.

وفي الوقت الذي فيه أخذ النجمان يدوران نحو هلاكهما المتبادل وهما يذرفان الطاقة المدارية في صورة موجات تجاذبية، فإنهما بدآ كذلك في إثارة التيارات المدّية الجزرية على سطحيهما. استنفدت تلك التفاعلات المدّية الجزرية المزيد من الطاقة المدارية، فضيَّقت مدار النجمين النيوترونيين وعجلت باصطدامهما. اعتمدت قوة تلك التيارات المدّية الجزرية، المُدمجة داخل موجات الجاذبية التي رُصدت بواسطة ليجو-فيرجو، على البنية الداخلية لكل نجم من النجمين النيوترونيين، والتي يحاكيها الفيزيائيون في شكل نموذج باستخدام ’’معادلة للحالة‘‘. بالنسبة للنجم النيوتروني، تصف معادلة الحالة رياضيًّا كيفية استجابة أحشاء النجم للتغيرات في الكثافة، والضغط، ودرجة الحرارة.

تواصل الدراسة الجديدة العمل اللاحق لحسابات أولية أصدرها الفريق نفسه في أكتوبر الماضي، وكانت هذه الحسابات قد فشلت بشكل مطلق في الكشف عن هذه التيارات في إشارة موجات الجاذبية. تقول جوسلين ريد من جامعة ولاية كاليفورنيا في فولرتون، والتي تقود فريق ’’المادة القصوى‘‘ التابع لليجو: ’’أجرينا تحليلاتنا الأولى بقدر ملائم من التركيز، ولجأنا إلى القليل جدًّا من الافتراضات‘‘.

ومع هذا، في الجولة الثانية أخذ الفريق في الاعتبار مدارات أكثر للجرمين السماويين، وأضاف بعض القيود الأخرى. تحديدًا، عيَّن الفريق معادلتي حالة متطابقتين لكلا الجرمين -وهو افتراض منطقي بالنظر إلى أن جميع البيانات المتاحة حول الاندماج تجعل الأمر شبه مؤكد أن مصدر التصادم كان زوجًا من النجوم النيوترونية.

بعدها، اختبر الباحثون عددًا من معادلات الحالة الممكنة التي يمكنها تفسير البيانات، وأضافوا متطلبات منطقية وواقعية أخرى. على سبيل المثال، لم تتمكن التغيرات في الضغط والكثافة من خلق موجات صوتية تتحرك بسرعة أكبر من سرعة الضوء داخل نجم نيوتروني (أو أي جرم آخر، بالنسبة لهذه المادة). وكان متعينًا أن تتناسب معادلة الحالة أيضًا مع أثقل نجم نيوتروني تم تأكيد وجوده، وهو نجم يزن 1.97 كتلة شمسية تقريبًا. وإذا لم يكن في استطاعة مادة النجم النيوتروني الإبقاء على ضغوط عالية بما يكفي، فإن مثل هذا الجرم لا يمكن أن يكون نجمًا نيوترونيًّا على الإطلاق؛ فعندها كان سينهار منذ وقت طويل مكونًا ثقبًا أسود.

وبأخذ كل ذلك في الحسبان، يجد التحليل الجديد أن النجمين النيوترونيين المتسببين في الاندماج (ربما كان وزن النجم الواحد منهما 1.4 كتلة شمسية) كانا صغيرين نسبيًّا بالنسبة لذلك الوزن: نصف قطر يبلغ حوالي 12 كيلومترًا. قد يكون هذا متفقًا مع قياسات سابقة بالأشعة السينية لأنصاف أقطار النجوم النيوترونية، وهي قياسات كانت مثارًا للخلاف. ويشير الأمر إلى أن النجوم النيوترونية متوسطة الحجم تنطوي على ضغوط داخلية منخفضة نسبيًّا مقارنةً بالأجرام ذات الأوزان الثقيلة التي يبلغ وزن الواحد منها 1.97 كتلة شمسية، والتي يجب أن تكون منطويةً على ضغوط أعلى كي توفر ركيزةً قويةً ضد مثل هذه الجاذبية الساحقة.

ومقارنةً بقياسات معملية للمادة عند كثافات أقل بكثير، تُظهر البيانات الجديدة إشارات مبدئية إلى وجود منحنى تصاعدي فيما يتعلق بكيفية تزايُد الضغط في المواد التي تزيد كثافتها أكثر فأكثر. وليس من المتوقع وجود مثل هذا المنحنى في حالة ما إذا كانت النجوم النيوترونية تتكوَّن من النيوترونات والبروتونات فقط؛ ففي تلك الحالة من المنتظر أن يزداد الضغط بطريقة سلسة فحسب. تقول ريد: ’’قد تكون هناك بنية ما مثيرة للاهتمام في معادلة الحالة الناشئة‘‘. وتضيف ريد تنبيهًا مفاده أن البيانات لا تزال أيضًا متسقةً مع وجود نمو ثابت في الضغط، بما ينسجم مع حالة النجم النيوتروني ’’الباعث على الملل‘‘ المُكوَّن من بروتونات ونيوترونات فقط. ومع ذلك، إذا استطاع الفيزيائيون تأكيد وجود منحنى كهذا في معادلة الحالة، فقد يكون هذا دليلًا على أن المادة تُغيِّر من طورها عند الكثافات العالية جدًّا، بشكل يشبه كثيرًا تغيُّر الماء من الحالة السائلة إلى الحالة الصلبة عند درجات حرارة منخفضة بما يكفي. في النجوم النيوترونية، قد ينشأ مثل هذا التحول في الأطوار عن تكسُّر النيوترونات إلى حساء من الجسيمات المُكوِّنة لها: الكواركات.

تتسم هذه الدراسة الجديدة بترديدها -بدقة مضاعفة- لنتائج تحليل سابق للحدث نفسه، نُشر في أبريل الماضي بواسطة فريق تقوده طالبة الدراسات العليا سومي دي بجامعة سيراكيوز. يقول جيمس لاتيمر عالم الفيزياء الفلكية بجامعة ستوني بروك والمؤلف المشارك في الورقة البحثية السالف ذكرها: ’’هذا أمر مشجع؛ ذلك أن هذا الحدث بعينه لم يجرِ استغلاله بالكامل بعد‘‘.

يخطط كلٌّ من فريقي لاتيمر وريد للاستمرار في إعادة تحليل إشارة أغسطس الماضي. تقول ريد: ’’لم نستخلص بعدُ كل ما يمكننا استخلاصه من هذا الأمر‘‘، قريبًا يُحتمل أن تظهر إشارات من كواشف موجات الجاذبية بشأن اندماجات إضافية لنجوم نيوترونية، وهو ما سيوفر مزيدًا من البيانات لعلماء الفيزياء الفلكية الذين يتطلعون إلى الوصول لتحديد واضح لمعادلة الحالة الخاصة بهذه الأجرام الغريبة.

في غضون ذلك، ثمة نتيجة أخرى مفيدة نُشرت الأسبوع الماضي في "ذي آستروفيزيكال جورنال ليترز" The Astrophysical Journal Letters. إثر اندماج النجمين النيوترونيين في أغسطس الماضي، مشط علماء فلك آخرون حطام هذا الاندماج بواسطة مرصد تشاندرا للأشعة السينية، على أمل إلقاء نظرة خاطفة على المحصلة النهائية له: نجم نيوتروني واحد أثقل، أو ثقب أسود.

إن وجود نجم نيوتروني عملاق واحد يزن حوالي 2.7 كتلة شمسية من شأنه أن يمثل تفوقًا كبيرًا من حيث الوزن على الحامل السابق للرقم القياسي، وسيكون من شأنه إرغام معادلة الحالة الخاصة بالنجم النيوتروني على استيعاب قيدٍ أشد صرامة. إلا أن هذا لم يكن مقدرًا له أن يحدث؛ إذ كشفت بيانات مرصد تشاندرا عن أشعة سينية قليلة نسبيًّا صادرة عن حطام الاندماج، ويتسق هذا الرصد مع ما يحدث عند تكوُّن ثقب أسود.

ووفقًا للاتيمر، يُعَد هذا الأمر مثيرًا للاهتمام في حد ذاته؛ ففي الوقت الحالي يدرك علماء الفلك أن مادة النجوم النيوترونية لا يمكنها تحمُّل وزنٍ كبيرٍ لهذه الدرجة. يقول لاتيمر: ’’لا أعتقد أنني فكرت بشكل إبداعي بما يكفي في كل الأشياء التي ستكون الاندماجات قادرةً على إخبارنا إياها‘‘.