في عام 1955 أصيب الممثل الراحل كريستوفر ريف –والذي اكتسب شهرته الواسعة من أداء دور سوبرمان في الأفلام– بشلل كلي بدءًا من العنق نزولًا إلى الأسفل، وذلك بعد حادثة تعرض لها في أثناء ركوب الخيل. تسببت السقطة في إصابته بقَطْعٍ كاملٍ في الحبل الشوكي عند العنق، وهو ما منع مخه من التواصل مع أي عضو واقع أسفله. تُعَد الحالات المشابهة لحالة ريف إصابات مستعصية على الشفاء في ظل غياب أي طريقة لسد الفجوة التي أحدثتها الوصلات التي تمزقت، وبالتالي لا يمكن علاج هذه الحالة.

عندما تُوفِّي ريف في عام 2004، كان العالم لا يزال في انتظار طريقة لإعادة توصيل الحبل الشوكي المنقطع. والآن، وبعد 14 عامًا، تمكَّن باحثون من إغراء خلايا عصبية بإقامة جسر عبر الفجوة التي يُخَلِّفها القطْع الكامل للحبل الشوكي. تتعلق النتائج التي توصل إليها هؤلاء الباحثون –والتي وُصِفت في بحث نُشر يوم 29 أغسطس في دورية Nature– بنوع واحد فقط من الخلايا العصبية، ولا يزال هناك الكثير من العمل الذي يجب عمله قبل تطبيق طريقة التوصيل هذه على المرضى، إلا أن هذه النتائج تبقى نتائج مثيرة للإعجاب. يقول يو-شانج لي الأستاذ المساعد في الطب بمعهد ليرنر للبحوث التابع لمستوصف كليڨلاند، والذي لم يكن ضمن المشاركين في الدراسة: "من المنظور العلمي، يُعَد هذا الاكتشاف اكتشافًا مهمًّا إلى حد كبير. أما من حيث تأثيره العلمي، فيُعَد قفزةً جيدةً إلى الأمام".

استندت هذه القفزة عبر فجوة القطع الكامل للحبل الشوكي إلى دراسات أُجريت على الجرذان والفئران. كان الفريق البحثي يعلم أن هناك خلايا عصبية من نوع معين تساعد أحيانًا في استعادة الإشارات الصادرة عن الحبل الشوكي في حالات الإصابة الجزئية لهذا الحبل. ووفق مايكل سوفرونيو أستاذ البيولوجيا العصبية بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس وأحد الباحثين الرئيسيين الذين أجروا هذه الدراسة، تستطيع هذه الخلايا –حتى في وجود تعطُّل كامل لكل الوصلات المباشرة مع المخ– أن تساعد في الإبقاء على قدرة محدودة على المشي. اعتمد سوفرونيو وزملاؤه على فكرة مفادها أن هذه الخلايا –والتي تُسمَّى "الخلايا العصبية الشوكية المخصوصة" (Propriospinal neurons)– قد تتمكن من فعل الشيء نفسه إذا كان لها أن تنمو في منطقة القطع الكامل لدى حيوانات التجارب. ومن ثم حاول الباحثون جعل هذه الخلايا تبسط أليافها التي تقوم بالتوصيل الكهربي –أي المحاور العصبية– إلى داخل القطع الحادث في الحبل الشوكي.

مُنِيَت الجهود الأولى للباحثين بالفشل. كان الباحثون قد حاولوا إسكات نشاط جين يُدعى PTEN؛ لأن هذه المناورة سبق لها تحقيق نجاح مع بعض الأنواع الأخرى من الخلايا العصبية غير الشوكية. ولِدَهشتهم لم تنجح هذه الإستراتيجية مع الخلايا العصبية الشوكية المخصوصة. وبعدها تحوَّل الباحثون إلى مجموعة من المواد الكيميائية التي تعزِّز نمو الخلايا العصبية، وتحفِّز إنتاجَ بروتين بنْيَوي معروف يُدعى »لامينين« (laminin)، وهو بروتين يُستخدم على نطاق واسع للقيام بدور السِّقالة في عمليات هندسة الأنسجة. بعض من مُحسِّنات النمو تلك يقوم بدور فعال في تطور الجنين، إلا أن هذه المُحسِّنات لا تُنتَج عادةً لدى البالغين. الجدير بالذكر أن الجهود السابقة التي حاولت إغراء المحاور العصبية بالتمدد عبر فجوة القطع باستخدام ما يُطلق عليه "عوامل النمو" وحدها لم تسفر عن أية نتيجة، وقد أرجع العلماء هذا الفشل إلى وجود كيماويات مُثَبِّطة تعوق وظيفة عوامل النمو.

في الدراسة الحالية، تَحقَّق النجاح المنشود بتوصيل هذه المواد الكيميائية إلى الخلايا العصبية الشوكية المخصوصة عبر استخدام البروتين »لامينين« كمادة داعمة، بالتوازي مع استخدام محفزات كيميائية لتوجيه المحاور العصبية الآخذة في التجدد إلى المكان الصحيح. وأخيرًا نجح الفريق في إغراء "كمية غير مسبوقة" من ألياف الخلايا العصبية لسد الفجوة، وفق التعبير الذي استخدمه مارك أندرسون، أحد باحثي الدراسة الرئيسيين، وهو أيضًا باحث متخصص في البيولوجيا العصبية بالكلية الاتحادية متعددة التقنيات في لوزان وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس. الأكثر من هذا أن هذه المحاور كانت قادرةً قدرة كاملة على تمرير الإشارات الكهربية التي أثارها الباحثون عبر فجوة القطع. يقول أندرسون: "الآن نفهم ما يتطلبه الأمر"، وذلك في إشارة إلى التأثير الثلاثي لعوامل نمو المحاور العصبية، والبروتين »لامينين«، والمحفِّزات الكيميائية، وهو التأثير الذي يتم استخدامه بنسق معين وصولًا إلى تحقيق التحفيز المطلوب لمحاور الخلايا العصبية. وتتمخض هذه النتائج عن هدف بعيد المدى يتمثل في التوصل إلى طريقة يمكن من خلالها تطويع هذا البروتوكول الثلاثي المعقد للخروج بنهج يفيد في تقديم العلاج اللازم للمصابين.

غير أن سوفرونيو يحذر من أن الحديث عن علاجات فعلية هو أمر سابق لأوانه، ويتابع سوفرونيو قائلًا إن هذه الدراسة ليست إلا خطوة أولى، وإنها مجرد أداة توضِّح أن هذه المنهجية الثلاثية قد تنجح. ومن الوارد أيضًا ألا يكون البروتوكول الذي ابتكره الباحثون للتعامل مع الخلايا العصبية الشوكية المخصوصة قابلًا للتنفيذ مع أنواع أخرى من الخلايا العصبية المكوِّنة للحبل الشوكي. بالأخذ في الاعتبار ما حدث عندما فشلت الحيل الأولى التي جربها الباحثون مع الخلايا العصبية الشوكية المخصوصة، يقول سوفرونيو: "لديَّ اعتقاد كبير أننا قد نحتاج إلى توليفات مختلفة، أو توليفات من أشياء مختلفة، للتعامل مع الأنواع المختلفة من الخلايا العصبية". وينوِّه سوفرونيو بأن الخلايا العصبية التي تضمنتها الدراسة "ستكون قادرة على استعادة بعض الوظائف، مثل التحكم في عملية الخَطْو، لكنها قد لا تنجح في استعادة وظائف أخرى. سننتظر لنرى ما سيحدث".

إن سَدّ فجوة القطع هو في الحقيقة الأمر مجرد بداية؛ فالمحاور المتجددة للخلايا العصبية يجب أن تتواصل مع مسارات حول الإصابة لتسهيل حركة السريان الانسيابي لإشارات تنتقل من المخ والحبل الشوكي عبر الوصلات المُستعادة في موضع القطع. ويقترح الباحثون أن تكون الطريقة المستخدمة لاستعادة هذا السريان هي إجراء إعادة تأهيل يستهدف المحاور الناشئة بإخضاعها للبروتوكول الذي ابتكروه.

لقد تأكدت الحاجة إلى إعادة التأهيل عندما توصل الباحثون إلى أن الحيوانات التي خضعت لدراستهم لم تتمكن من استعادة قدراتها الحركية بشكل فوري بمجرد سد محاور الخلايا للفجوة الناجمة عن الإصابة. إن إعادة التأهيل تستلزم تدريبَ المحاور حديثة التكوين على تنفيذ مهماتها الجديدة. يقول أندرسون إن الأمر أشبه بطفل يتعلَّم المشي، ويتابع قائلًا: "هذا الطفل لن يقف ويمشي من تلقاء نفسه". وكما يحدث مع تمَكُّن الطفل من القيام بخطواته الأولى، فإن إعادة التأهيل -وفق أندرسون- "تتطلب تدريبًا، وتحتاج إلى التكرار، وإلى توظيف المحاور المتجددة وجَعْلها منهمكةً في تأدية وظيفتها".

ووفق سوفرونيو، يمكن لإعادة التأهيل أن تتخذ أشكالًا كثيرة، بدءًا من التكرار البسيط للحركات في وجود الدعم الذي يقدمه المُعالِج، وحتى اتباع أساليب التنشيط الكهربي الفسيولوجي والتدريب على الحركة. ويخطط أعضاء الفريق للمضي قدمًا ببروتوكول إصلاح قطع الحبل الشوكي الذي ابتكروه واستخدامه جنبًا إلى جنب مع أنواع مختلفة من إعادة التأهيل كخطوة مستقبلية.

ومن المتوقع أن يستغرق وضع البروتوكولات المطلوبة في هذا الشأن بعضًا من الوقت. يقول يو-شانج لِي من مستوصف كليڨلاند: "يجب الاهتمام ببعض الأمور قبل البدء في التطبيق السريري"، ويتابع لِي قائلًا: إن الجمع بين إصلاح المحاور وإعادة التأهيل يجب أخذه بعين الاعتبار، "بغض النظر عن إستراتيجية الإصلاح التي يتم استخدامها".

ويُبدي سوفرونيو ملحوظة يقول فيها: "بالنظر إلى الأمر كمجالٍ بحثي، يُعتبر ما حدث مجرد بداية لفهم كيف يمكن تسهيل التعافي المطلوب من خلال عملية إعادةِ تأهيل موجَّهة بشكل صحيح لتحقيق الأهداف المطلوبة". ويضيف سوفرونيو أن فريقه يرغب الآن في أن يكتشف "ما إذا كان بمقدورنا استعادة القدرة الوظيفية للنظام بأكمله عبر تدريبات إعادة التأهيل".