يفيد أحد المبادئ الأساسية التي يقوم عليها الحلم الأمريكي الكلاسيكي بأنَّ الأبناء يستطيعون تسلّق السلم الاجتماعي والوصول إلى مكانة أعلى من التي يحتلها آباؤهم، إذا ما بذلوا جهدًا كافيًا في سبيل تحقيق ذلك. وفيما يبدو وكأنه معالجة جامحة لإحدى مسرحيات الكاتب آرثر ميلر، توصلت دراسة جديدة صادرة عن جامعة نورث إيسترن الأمريكية إلى وجود ارتباط عكسي بين الحراك الاجتماعي ومعدلات جرائم القتل بالأسلحة النارية؛ ففي المقاطعات الأمريكية التي شهدت ارتفاع معدلات الحراك الاجتماعي، كانت معدلات جرائم القتل بالأسلحة النارية أقل بصورة ملحوظة عن المقاطعات؛ حيث يعاني الحراك لأعلى السلم الاجتماعي حالةً من الجمود.

نُشرت الدراسة في دورية »بي إل أو إس ميديسن« PLOS Medicine، وتناولت تفاعُل العنف المسلح مع الحراك الاجتماعي، وكذلك مع مجموعة من العوامل التي تُعرف باعتبارها المحدّدات الاجتماعية للصحة، منها عدم المساواة في الدخل، والثقة بالمؤسسات، والإنفاق على الرعاية الاجتماعية، والفصل العرقي والاقتصادي.

قال دانيال كيم، مؤلف الدراسة والأستاذ المساعد لعلم الأوبئة الاجتماعي في كلية بوفيه للعلوم الصحية بجامعة نورث إيسترن: "إنَّ دراستي تشير إلى أنَّ العنف المسلح له أسباب اجتماعية جذرية، مثل قدرتنا على تسلّق السلم الاقتصادي. هذه الأسباب الجذرية يمكن تعديلها من خلال السياسات، ويمكن لهذا البحث والأبحاث المستقبلية المرتبطة به أن يزوّد صنّاع السياسات بأدوات إضافية في سبيل التصدي لوباء العنف المسلح المتفشي في أمريكا".

درس كيم الوفيات الناجمة عن الأسلحة النارية البالغ عددها 13,060 حالة من جَرَّاء 11,244 حادثة إطلاق نار غير جماعي و141 حادثة إطلاق نار جماعي –خلّفت ثلاث ضحايا أو أكثر– وقعت في 48 ولاية من الولايات المتحدة المتجاورة في عام 2015. كانت صحيفة »ذا جارديان« Guardian قد أجرت تحليلًا لتلك الوفيات بمناطق إحصاء سكاني محددة في عام 2010. وفي حين وقعت هذه الوفيات في 8,811 منطقة إحصاء سكاني مختلفة، فإنَّ تحليل كيم غطى ما مجموعه 70,579 منطقة إحصاء سكاني، تضم أكثر من 314 مليون شخص في عام 2015، أي 98% من سكان الولايات المتحدة آنذاك.

لإجراء الدراسة، حلل كيم المحدّدات الاجتماعية للصحة التي وقع عليها الاختيار على مستوى الولايات والمقاطعات والأحياء السكنية، وراعى الاختلافات في قوانين الأسلحة النارية وسياساتها المعمول بها في الولايات. أبرز الاستنتاجات الواردة في ورقته البحثية تمثَّل في انخفاض معدلات جرائم القتل بالأسلحة النارية بنسبة 25% مع حدوث زيادة في الحراك الاجتماعي، وحدوث انخفاض بنسبة 19% مرتبط بزيادة الثقة بالحكومة ووسائل الإعلام والمؤسسات والشركات، وحدوث تراجُع بنسبة 14% مرتبط بحدوث زيادة في الإنفاق على الرعاية الاجتماعية، مثل برامج المساعدة الحكومية والتأمين ضد البطالة.

على الجانب السلبي، من الممكن أن تنطوي المعيشة في فقر على مخاطر إضافية؛ فقد اكتشفت الدراسة أنَّ "الزيادات في نسب الأحياء السكنية حيث يقيم سكان فقراء" ارتبطت بارتفاع بنسبة 27% في معدل جرائم القتل بالأسلحة النارية. وكان هناك عاملٌ آخرُ مثيرٌ للقلق أيضًا، وهو أنَّ الأحياء السكنية التي تضم أعدادًا أكبر من الذكور الذين يعيشون بمفردهم شهدت زيادةً في تلك المعدلات قدرها 12%. أمَّا فيما يتعلق بالفصل العرقي والاقتصادي، فقد أشارت الورقة البحثية إلى "محدودية الأدلة" حول علاقتهما بمعدلات جرائم القتل بالأسلحة النارية على مستوى مناطق الإحصاء السكاني.

كانت النتائج التي توصل إليها كيم حول دور عدم المساواة في العنف المسلح هي ما صدم كايليان هنتر، نائب الرئيس المسؤول عن البرامج في »حملة برادي لمكافحة العنف المسلح« Brady Campaign to Prevent Gun Violence، إذ قالت: "نسمع كثيرًا عن عدم المساواة، سواءٌ في المناظرات السياسية أو في المناقشات الاقتصادية والاجتماعية. ولكن أن نقرأ أنَّه كلما زادت نسبة عدم المساواة، ارتفعت احتمالية تعرُّضك لإطلاق النار، فهذا صادم للغاية. إنَّ عدم المساواة لا يتعلق بكسب المال أو عدمه وحسب، بل إنَّه يتعلق في الواقع باحتمالات استمرارك على قيد الحياة".

بما أنَّ كيم هو المؤلف الوحيد للورقة البحثية، فقد جمع كميات كبيرة من البيانات عن كل محدِّد من المحددات الاجتماعية التي تناولها بالبحث وكل منطقة إحصاء سكاني شملها. ولحساب الثقة بالمؤسسات على مستوى المقاطعات مثلًا، استخدم بيانات جَمعت بين المعلومات الخاصة بمعدلات إقبال الناخبين على الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعامَي 2012 و2016 ومعدلات الاستجابة عبر البريد للإحصاء السكاني لعام 2010 وبيانات الاستبانات حول مستوى ثقة الناس بالمؤسسات. أمَّا بشأن الحراك الاجتماعي، فقد كتب كيم أنه استعان بالبحث الذي أجراه الاقتصادي راج شيتي وزملاؤه، بالاعتماد -جزئيًّا- على "بيانات حصيلة ضريبة الدخل للأعوام 2010-2012 لما يزيد على 10 ملايين فرد من مواليد 1980-1982".

بالنسبة لبيتر ماسياكوس -جرّاح رضوح الأطفال والمؤسس المشارك لمركز مكافحة العنف المسلح بمستشفى ماساتشوستس العام، والذي لم يشارك في الدراسة التي أجراها كيم- فيرى أنَّ بحث كيم "يقدّم للأطباء الإكلينيكيين أدلةً إضافيةً ينبغي مراعاتها عند تقييمنا لكيفية مناقشة سلامة التعامل مع الأسلحة النارية ومكافحة العنف مع مرضانا، كما نفعل مع أي قضية من قضايا الصحة العامة. وحتى يكون للمجتمع الطبي دورٌ في تخفيف الإصابات الناجمة عن الأسلحة النارية، يجب أن نكرِّس أنفسنا لتحديد الأسباب الجذرية وراء تلك الإصابات".

يلفت ماسياكوس الانتباه إلى أنَّ الورقة البحثية التي أعدّها كيم نُشرت في اليوم التالي لإعلان الكونغرس تخصيص بند في الميزانية بقيمة 25 مليون دولار أمريكي لصالح مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها ومعاهد الصحة الوطنية الأمريكية من أجل تمويل مشاريع بحثية لمكافحة العنف المسلح. يقول ماسياكوس في هذا الصدد: "إنَّ مبلغ الـ25 مليون دولار بداية طيبة، لكن لا بد من توفير مزيد من التمويل الفيدرالي حتى يمكننا العمل على تقليل عبء الإصابات الذي أدى إلى خفض متوسط العمر المتوقع في الولايات المتحدة، وهذا هو الغرض من بحث الدكتور كيم".

أمَّا فيما يتعلق بموقف ذلك البحث من الجدل الذي لا ينتهي حول تشريعات ملكية الأسلحة النارية والموضوعات على غرار تفسير التعديل الثاني من الدستور الأمريكي، فيرى كيم أنَّه مكمل لها؛ إذ يقول: "بصفتي باحثًا في مجال الصحة العامة وعالِمًا بالأوبئة، هدفي هو تحسين صحة السكان. إنَّنا منقسمون بشدة سياسيًّا إلى حدٍّ لا يسمح بإنجاز ما نحتاج إليه. حسبما أرى، هذا البحث هو بمنزلة مجموعة أدوات إضافية للتصدي لوباء العنف المسلح".