عندما بدأ المصابون بمرض «كوفيد-19» الجديد في التوافد إلى المستشفى التي يعمل فيها بلال جليل، طبيب أمراض الرئة والرعاية الحرجة، وجد نفسه يلجأ إلى جهازٍ بحجم الجيب كان يستخدمه في عيادته الخاصة لفحص وظائف القلب لدى مرضاه سريعًا، وهو جهازٌ محمول باليد للفحص بالموجات فوق الصوتية في نقاط الرعاية، يشار إليه اختصارًا باسم «بوكاس» POCUS. يتكوَّن الجهاز من مجسٍّ بسيط، بإمكانه عرض صور الموجات فوق الصوتية على جهازٍ لوحي أو هاتفٍ محمول. وقد تبيَّن أنَّ له فائدةً كبيرةً للغاية في اتخاذ القرارات الحرجة المتعلقة بفرز الإصابات بناءً على مدى حدتها، إذ كان يُمكِّن "جليل" -الذي يعمل في وحدة الرعاية المركزة بمنظومة «بايلور سكوت ووايت هيلث» للرعاية الصحية في ولاية تكساس الأمريكية- من أن يعرف في غضون دقائق ما إذا كانت رئتا المريض مُتضررتين للدرجة التي تستدعي إيداعه الرعاية المركزة.

وقد بدأ الكثير من أطباء الطوارئ حول العالم في الاعتماد على أجهزة «بوكاس» باعتبارها خطَّ دفاعٍ أول في مواجهة مرض «كوفيد-19». إذ تستغرق فحوصات الدم أحيانًا 24 ساعة، وينتظر المرضى طويلًا للخضوع لفحوصات الأشعة المقطعية بسبب أعدادهم الكبيرة، لكن بإمكان تلك الأدوات الصغيرة للفحص بالموجات فوق الصوتية أن تكشف عن تضرُّر الرئتين في التو واللحظة، مبينةً للأطباء ما إذا كان بوُسْع المرضى التنفس دون مساعدة، أم أنَّهم يحتاجون فورًا إلى أجهزة التنفس الصناعي.

وعن ذلك تقول أليكساندرا جونسالفيس، كبيرة المسؤولين الطبيين للشؤون الإستراتيجية والشراكات في شركة «فيليبس» Philips، التي تُنتج جهازًا محمولًا باليد للفحص بالموجات فوق الصوتية يُسمَّى «لوميفاي» Lumify: "إنَّ بعض المرضى لم تكن تظهر عليهم أعراضٌ بالغة الخطورة، لكنَّ الموجات فوق الصوتية كشفت تعرُّض رئاتهم لضررٍ كبير". وأضافت أنَّ هناك دراسةً واحدةً على الأقل وجدت أنَّ أحد أجهزة «بوكاس» الأخرى يُشخِّص عدوى «كوفيد-19» بدقةٍ أكبر من فحوصات المسحات الأنفية، التي تُستخدم في المعتاد. وحتى في الحالات التي عجزت فيها فحوصات المسحات الأنفية عن كشف إصابة المريض بالعدوى، وأتت نتائجها سلبيةً كاذبة، كان بمقدور الموجات فوق الصوتية إثبات وجود التهابٍ بالرئتين. ولذا يقول الأطباء إنَّ تلك الأجهزة المحمولة باليد لن تحل محل أساليب التشخيص المعتادة المستخدمة حاليًّا، لكن ينبغي لها أن تصير جزءًا من مجموعة الأدوات المتاحة.

كذلك يمكن لتلك الأجهزة الصغيرة أن تساعد الأطباء في متابعة المرضى الذين اكتُشفت بالفعل إصابتهم بعدوى «كوفيد-19». إذ إنَّ جلب المرضى شديدي العدوى إلى أقسام الأشعة من أجل إخضاعهم للفحص يعني اصطحابهم إلى طوابق مختلفة بمنشآت الرعاية الصحية، وبالتالي زيادة فرص نشر العدوى في أنحائها. كما أنَّ النقَّالات المُستخدمة في هذا الإجراء ينبغي تغطيتها، وكذلك لا بد من تعقيم أجهزة الأشعة بعد كل استخدام، وهو ما يتسبب في تأخير الفحوصات. وبينما يُمكن نقل الوحدات الكبيرة للفحص بالموجات فوق الصوتية بين غُرف المرضى، فإنَّ تطهيرها يتطلب كذلك وقتًا طويلًا نسبيًّا. لكن، على الجانب الآخر، يمكن لطواقم الرعاية الصحية تغليف مجسات تلك الأجهزة المحمولة والأجهزة اللوحية بأغطيةٍ بلاستيكية، مما يسرِّع إجراء تلك الفحوصات بانتظام ويُسهِّلها. ونتيجةً لذلك، يصير بإمكان الأطباء مقارنة صور الفحوصات التي تُلتَقط في يومٍ ما بتلك التي التُقطت في سابقه أو قبل ساعات، وذلك لمتابعة تطورات عدوى «كوفيد-19» التي كثيرًا ما يتعذَّر التنبؤ بها.

تاريخٌ موجز لأجهزة الفحص بالموجات فوق الصوتية

لطالما كانت أجهزة الفحص بالموجات فوق الصوتية أداةً أساسية في عمليات تشخيص الأمراض. ترسل تلك الأجهزة موجاتٍ صوتية عالية التردد، ترتد عن الأنسجة الرخوة للأعضاء الداخلية، مثل القلب والكبد، وكذلك عن الأجنة داخل الرحم في مراحل الحمل المبكرة أو المتقدمة، لإنتاج صورٍ لها. ويقول ييل تونج تشين، أخصائي الأشعة بمستشفى جامعة لاباز في العاصمة الإسبانية مدريد: "إنَّه على عكس الإشعاع المؤيِّن الصادر عن أجهزة الفحص بالأشعة السينية أو المقطعية، فإنَّ الموجات فوق الصوتية ليس لها آثارٌ جانبية". وأضاف كذلك أنَّه كان يتابع حالة رئتيه يوميًّا بعدما أصابته عدوى «كوفيد-19» في المستشفى.

عندما بدأ الأطباء في استخدام تلك التقنية لأوّل مرّة في منتصف القرن العشرين، لم تكن تبدو كأداةٍ مقبولة لفحص الرئتين. إذ عادةً ما تتبدد الموجات الصوتية في الهواء داخل الرئة، ولا تُنتج صورةً لحالتها. لكن بعدها بفترة، أدرك العلماء أنَّه في ظروفٍ بعينها، يمكن للموجات فوق الصوتية إنتاج صورةٍ كافية ليُدرك الأطباء وجود مشكلةٍ صحية ما. وقد أشارت ورقةٌ بحثية نُشرت عام 2008 في دورية «شيست» CHEST الأمريكية إلى إمكانية استخدام تلك الموجات لتشخيص ضيق التنفس الحاد. وذكرت ورقةٌ نُشرت بعدها في دورية «كارديوفاسكولار ألتراساوند» Cardiovascular Ultrasound أنَّها يمكنها أيضًا الكشف عن السوائل المتراكمة في الرئتين، أو الكتل الصلبة فيها مثل الأورام.

يتراوح حجم الأجهزة الكبيرة للفحص بالموجات فوق الصوتية بين حجم أجهزة الحواسيب الكبيرة وخزانات الملابس الصغيرة ذات العجلات. ولم تظهر أولى الأجهزة المحمولة باليد منها في الأسواق إلا قبل سنواتٍ قليلة، حين أسس العالِم ورائد الأعمال جوناثان روثبرج شركة «بترفلاي نتوورك» Butterfly Network في عام 2011، بعدما أُصيبت ابنته بورمٍ في الكُلى. إذ كانت متابعة ذلك الورم تتطلب زيارة منشأةٍ للفحص بالأشعة، لذا طورت الشركة جهاز «بترفلاي آي كيو» Butterfly iQ، وهو جهازٌ من أجهزة «بوكاس» يعرض صور الفحص على الهواتف الذكية الخاصة بالأطباء عبر تطبيقٍ آمن. وعلى مدار العقد الماضي، بدأت العديد من الشركات الأخرى أيضًا في بيع الوحدات صغيرة الحجم للفحص بالموجات فوق الصوتية.

ويقول جان جاك روبي، الأستاذ الفخري بمستشفى بيتي سالبتريير وجامعة السوربون، اللذَين يقعان في باريس: إنَّ جودة تلك الأجهزة قد تحسنت كثيرًا منذ ذلك الحين. وأضاف أنَّه استخدم التصوير بالموجات فوق الصوتية لمدة 15 عامًا، وقارن بين الأجهزة القديمة والجديدة، وتبيَّن له أنَّ "شاشات الأجهزة الجديدة أصغر بطبيعة الحال، لكنَّ جودة صورها أفضل".

الجائحة زادت من شعبيتها

مثل الأجهزة الأكبر للفحص بالموجات فوق الصوتية، يمكن للأجهزة المحمولة باليد أن تُظهر علاماتٍ على اعتلال الرئتين. وللتحقُّق من وجود هذه العلامات في صور الفحوصات، ينظر الأطباء إلى غشاء الجنب، وهو الغشاء الذي يغلف كلتا الرئتين. وفي الظروف العادية، يبدو انعكاس الغشاء بالنسبة للناظر في صورة سلسلة من الخطوط الأفقية البعيد بعضها عن بعضٍ بمسافاتٍ متساوية، تُعرف باسم «الخطوط إيه»، وتظهر في جميع أجزاء الرئتين. ويوضح جون مارتن، كبير المسؤولين الطبيين لدى شركة «بترفلاي نتوورك»: "عندما تفحص رئتين سليمتين، فإنَّك ترى خطوطًا جذابة جميلة من «الخطوط إيه» مصطفةً في تماثلٍ شديد". أمَّا في حالة تراكم السوائل في الرئتين، فتظهر خطوطٌ عمودية تسمى «الخطوط بي». وعندما تزداد الحالة سوءًا وتفقد الرئتان الهواء، تبدأ أنسجتهما تبدو مضغوطةً وكثيفة. ويشرح مارتن: "في المراحل المبكرة، ترى خطوطًا متفرقة من «الخطوط بي»، ولاحقًا يبدو خط غشاء الجنب متقطعًا وغير منتظم، وترى تجمعًا من السوائل أسفل الغشاء".

وملاحظة تلك السوائل المتراكمة يمكنها أن تساعد مُستخدمي أدوات الفحص بالموجات فوق الصوتية في تشخيص الالتهاب الرئوي المصاحب لمرض «كوفيد-19»، وهو أحد المضاعفات الشائعة التي قد تفتك بالمصابين بالعدوى، وتُعد علامةً على حدتها. لذا، قبل ظهور المرض، كان اعتماد تقنية الفحص بالموجات فوق الصوتية في نقاط الرعاية يتسم بالبطء نسبيًّا، ثم عصفت الجائحة بالعالم، وزاد الطلب عليها.

إذ تقول شركة «فيليبس» إنَّها شهدت زيادةً في الطلب على أجهزة «لوميفاي». وينظم مارتن منذ فترة ندواتٍ عبر الإنترنت يحضرها مئات العاملين في القطاع الطبي، ممن يرغبون في تعلُّم كيفية استخدام جهاز «بترفلاي آي كيو» وغيره من أجهزة «بوكاس». وتوفر أيضًا شركةٌ للتعلم الإلكتروني تُدعى «آي تيتش يو» iTeachU دورةً تدريبية مجانية للأطباء، وأطقم التمريض، والمُسعفين، تتناول فحص الرئتين بالموجات فوق الصوتية في حالة مرض «كوفيد-19». وقد طرح روبي فكرة اعتماد تلك الوحدات المحمولة للفحص بالموجات فوق الصوتية في مستشفاه ضمن المعدات القياسية لأول مرة قبل ست سنوات، لكن حسبما يوضح فإنَّ "الفكرة كانت سابقةً لأوانها. واشترينا للتو 14 جهازًا منها".

وقد بدأت زيادة شعبية تلك التقنية من قاعدة القطاع الطبي، إذ يقول أخصائي الأشعة راسو شريستا، كبير المسؤولين الإستراتيجيين ونائب الرئيس التنفيذي في شبكة «أتريوم هيلث» Atrium Health للرعاية الصحية، التي تضم مستشفياتٍ ومراكز للرعاية العاجلة في ولايات كارولينا الشمالية وكارولينا الجنوبية وجورجيا: "إنَّ المهتمين بتلك الأجهزة من الأطباء ومقدمي خدمات الرعاية الصحية يشترونها من تلقاء أنفسهم". والآن تحذو حذوهم أنظمة الرعاية الصحية الأكبر، إذ يقول شريستا إنَّ شبكة «أتريوم هيلث» قد اشترت للتو أكثر من 60 جهازًا من أجهزة «بترفلاي آي كيو»، لاستخدامها في 30 موقعًا تابعًا لها. وأضاف: "إنَّنا حقًّا أول منظومة صحية في البلاد تنشر هذه التقنية على نطاقٍ واسع".

اختارت الشركة ذلك الطراز من الأجهزة لسهولة استخدامه وانخفاض تكلفته نسبيًّا، إذ يبلغ ثمن الواحد منها حوالي ألفي دولارٍ أمريكي، في حين قد تبلغ تكلفة الأنظمة الكبيرة للفحص بالموجات فوق الصوتية 50 ألف دولارٍ أمريكي أو أكثر. ويقول جليل إنَّه يحب استخدام جهازٍ يُدعى «جي إي في سكان» GE Vscan، وهو جهازٌ يأتي مُزوّدًا بشاشةٍ خاصة. ويُشبِّه جليل أجهزة «بوكاس» هذه بسماعاتٍ طبية، تتيح لمقدمي الرعاية رؤية ما بداخل الجسم، وليس الاستماع له فقط.