كان اكتشاف تموُّجات في الزمكان تُعرَف باسم موجات الجاذبية -وهو الاكتشاف الذي أعلن عنه مشروع «ليجو» المشترك في فبراير 2016- كشفًا بالغ الأهمية لدرجة جعلته جديرًا بجائزة نوبل في الفيزياء لعام 2017.

والآن يقول عالم آخر حائز على جائزة نوبل أن «ليجو» (مرصد قياس تداخل موجات الجاذبية بالليزر) اكتشف دون علمٍ منه أمرًا مدهشًا آخر: موجات جاذبية ناجمة عن ثقوب سوداء مندمجة، وهي موجات ضخَّمتها جاذبيّة المجرَّات التي اعترضت مسار هذه الموجات.

هذه الظاهرة، التي يُطلق عليها التأثير العَدَسي للجاذبية (Gravitational lensing)، تُستخدَم بشكل معتاد في دراسة الضوء النابع من الأجرام الموجودة في أماكن بعيدة جدًا في الكون، إلا أن هذا الإدعاء الجديد قد يجعل من هذا الأمر -إن صحَّ- أوَّل مشاهدة من نوعها لموجات الجاذبية.

هذا الزعم المثير للجدل، الذي رفضه أعضاء من فريق عمل «ليجو»، طرحه جورج سموت الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء، والذي يعمل بجامعة هونج كونج للعلوم والتقنية، بالاشتراك مع اثنين من زملائه، يقول سموت: "نحن نُراهِن بسمعتنا العلميّة على هذا الأمر".

حتى الآن أعلن «ليجو» -المؤلَّف من محطتي رصد في الولايات المتحدة ومحطة الرصد «فيرجو» Virgo الواقعة قرب بيزا بإيطاليا- عن أرصاد لموجات جاذبية ناجمة عن اندماج عشرة أزواج من الثقوب السوداء، وزوج من النجوم النيوترونية.

إن الثقوب السوداء هي ما يُركِّز عليه سموت، ووفقًا لأحد تحليلات «ليجو» و«فيرجو»، هذه الاندماجات بين الثقوب السوداء حدثت في الكون القريب نسبيًا، أي بشكل عام على بعد بضعة مليارات من السنين الضوئية عن كوكب الأرض، كان لدى العديد من الثقوب السوداء التي اندمجت فيما بينها كتلة تعادل نحو 30 شمسًا، وكانت كتلة أحد الثقوب تعادل ما يقرب من 50 كتلة شمسيّة.

تتشكَّل مثل هذه الثقوب السوداء بفعل الانهيار التجاذبي للنجوم العملاقة، ووفقًا لسموت، تفتقر مجرّتنا -وبالتبعية الكون القريب الذي يستطلعه «ليجو»- إلى نوع النجوم (المعروفة باسم النجوم قليلة المعدنيّة) المطلوب لتشكُّل مثل هذه الثقوب السوداء الكبيرة، وإذا كان الأمر كذلك، فمن المفترض أن هذا سيؤدي إلى ندرة -في هذا الحيّز- في الثقوب السوداء التي لديها كتل تقع ضمن مدى الكُتَل التي رصدها «ليجو»، يقول سموت: "أقصى كتلة يمكن الوصول إليها هي 20 كتلة شمسيّة تقريبًا، باستثناء حالات نادرة جدًا".

ولتدعيم حجّتهم، يشير سموت وخبيرا الفيزياء الفلكيّة توم برودهيرست من جامعة إقليم الباسك في بيلباو بإسبانيا وخوسيه ماريا دييجو من جامعة كانتابريا في سانتاندير بإسبانيا، إلى مسوحات بالأشعة السينيّة لأزواج من الثقوب السوداء في درب التبانة، تشير إلى أن توزيع كتل مثل هذه الثقوب السوداء يصل إلى أقصى مدى له عند 10 كتل شمسيّة، وبافتراض صحة نفس هذا التوزيع بالنسبة للثقوب السوداء الموجودة في المساحات الفضائيّة الأكبر التي يدرسها «ليجو»، فإن سموت وزميلاه يجادلون بأن التقديرات الأعلى التي وضعها فريق «ليجو» و«فيرجو» لكتل الثقوب السوداء لا بدّ أنها كانت حسابات خاطئة.

ويقول سموت وزميلاه إن «ليجو» و«فيرجو» لا يرصدان موجات جاذبية ناجمة عن اندماجات تحدث بين ثقوب سوداء كبيرة بشكلٍ غير معتادٍ في الكون القريب، بل يرصدان في الواقع أحداثًا اندماجية أصغر حجمًا تحدث في أماكن أبعد بكثير (أبعد بعشرات المليارات من السنوات الضوئية)، وهي أحداث جعلها التأثير العَدَسي للجاذبية مُكبَّرة ومرئيّة.

تلسكوب آينشتاين الزمكاني

وفقًا للنظرية النسبيّة العامة لأينشتاين، تتشكَّل عدسات الجاذبية بسبب طيّ المجرَّات ومجموعات المجرات للزمكان بشكلٍ ملحوظ، فإذا كانت هناك مجرَّة بين الأرض وجرم آخر بعيد، ستقوم هذه المجرَّة بدور العدسة وتتسبب في انبعاج الزمكان وتكبير الضوء المنبعث من ذلك الجرم في عين المُراقِب من الأرض، ويتحتم أن تتبع موجات الجاذبية الزمكان المنبعج بدورها، وهذا يعني أن هذه الموجات قابلة للانحراف والتكبير هي الأخرى بفعل عدسات الجاذبية، إضافة لذلك، كلما كانت المسافة بين الجرم والأرض أكبر، زادت فرصة انحراف ضوء هذا الجرم -أو موجات الجاذبية الخاصة به- بالتأثير العدسي للجاذبية الناتج عن وجود مجرة متداخلة، تمثل هذه الظروف مجتمعة صيغة داعمة لزعم سموت وزميليه بأن «ليجو» و«فيرجو» يرصدان اندماجات بين ثقوب سوداء تحت التأثير العدسي للجاذبية، يقول سموت واصفًا قائمة الأرصاد الخاصة بـ«ليجو» و«فيرجو»: "ما نقوله نحن هو أن ثلثي الأحداث الفلكيّة عبارة عن أحداث واقعة تحت التأثير العدسي للجاذبية".

دانييل هولتز، أحد أعضاء مشروع «ليجو» المشترك والباحث بجامعة شيكاجو، غير مقتنع إطلاقًا بهذا الأمر، كان هولتز وزملاؤه قد تنبأوا، قبل الأرصاد التي قام بها «ليجو» و«فيرجو» بزمن، بأن المرصدين سيكشفان اندماجات بين ثقوب سوداء، كتلة الثقب الواحد منها نحو 30 كتلة شمسية، ويتفق هولتز أن عددًا أكبر من النجوم قليلة المعدنيّة كان من شأنه أن يتشكَّل في بدايات عمر الكون مقارنةً بالكون الحاليّ، ومن ثمَّ فإن عددًا أكبر من الثقوب السوداء التي تعادل كتلة الثقب الواحد منها 30 كتلة شمسيّة كان من شأنه أن يتشكَّل في هذا الوقت مقارنةً بالوقت الحاضر.

ولكن رغم أن أغلب هذه الثقوب السوداء كبيرة الكتلة تشكَّلت في حِقَب كونيّة مبكرة، فإن هولتز لا يزال واثقًا أن «ليجو» و«فيرجو» يرصدان اندماجات هذه الثقوب السوداء الآن، في الكون القريب نسبيًا، لأن الآليّة التجاذبية التي تؤدي في نهاية المطاف إلى التحام ثقبين أسودين سيّارين، هي آليّة تحدث على مدار مليارات السنوات.

ويضيف هولتز أن الاستطلاعات الأرضيّة كشفت أيضًا أن ثمة مناطق قليلة المعدنيّة توجد فعلًا في الكون القريب، وقد تأوي جميع هذه المناطق أزواجًا كتلك من الثقوب السوداء التي تعادل كتلة الثقب الواحد منها 30 كتلة شمسيّة.

يقول هولتز: "إذا جمعنا كل هذه المعلومات مع بعضها، نستطيع التنبؤ بما يُفترض أن نرصده من خلال «ليجو»"، ويضيف هولتز أن هذه الأرصاد تتفق مع التنبؤات، وهو ما يقلل بشكل كبير من رجحان أن يكون أيّ من الأحداث التي رصدها «ليجو» و«فيرجو» واقعًا تحت التأثير العدسي للجاذبية، ويتابع هولتز: "الأسس النظريّة الحاليّة المتعلقة بتكوُّن وتطور النجوم، وتكوُّن وتطور أزواج الثقوب السوداء، تبدو كافية لتفسير جميع أرصاد «ليجو» حتى اليوم بشكلٍ معقول، ولا حاجة للجوء إلى نماذج تعتمد على التخمين بشكل مفرط".

اكتشاف جديد أم سراب؟

إلا أن سموت وزميليه لم يتراجعوا عن رأيهم، فهم يعتقدون أنهم اكتشفوا على الأقل حدثًا واحدًا مؤكدًا يتضمن التأثير العدسي في بيانات «ليجو» و«فيرجو»، حينما يتعرض مصدر بعيد للتأثير العدسي للجاذبية، قد يتخذ الضوء أو موجات الجاذبية النابعة من هذا المصدر مسارات متعددة حول المجرَّة المُسبِّبة للتأثير العدسي، ويمكن لهذه المسارات أن تبلغ الأرض في أوقات مختلفة، فتكوِّن صورًا متعددة.

ووفقًا لتحليلهم، ثمة حدثان بعينهما -رصد بتاريخ 9 من أغسطس 2017 (GW170809) وآخر بعده بخمسة أيام (GW170814)- يمثلان في الواقع صورتين مختلفتين لنفس الاندماج، ويجادل الفريق بأن الإشارتين تتشاركان في عدّة خصائص مهمة، وهي خصائص تؤدي في الحالتين إلى تقديرات شبه متطابقة لكتل الثقوب السوداء المندمجة، وكذلك ثمة تداخل صغير في المواقع التقريبية لهذه الثقوب في الفضاء.

لا يتفق فريق «ليجو» مع هذا الطرح؛ فقد حلّل عضو المشروع باراميسواران آجيث الباحث بالمركز الدولي للعلوم النظرية في بينجالورو بالهند، بالاشتراك مع زملائه، جميع أحداث اندماج الثقوب السوداء العشرة التي رصدها «ليجو» و«فيرجو»، وبحث الفريق عن أوجه الاتساق بين أزواج الأحداث، وهو ما قد يلمِّح إلى حدوث تأثير عدسي.

أخذ الفريق في الحسبان سبع خصائص مختلفة لكل زوج، بما يشمل القليل منها الذي لم يأخذه فريق سموت في الاعتبار، مثل الزخم الزاوي المغزلي للثقوب السوداء واتجاه زوج الثقوب السوداء، وقد أظهر زوجان من الأحداث، أحدهما الزوج GW170809–GW170814، نقاط ارتباط أكثر مقارنةً بغيرهما.

إلا أن تحليل آجيث وزملائه كشف أنه حتى في هذين الزوجين كان هناك احتمال أكثر من 5% أن تكون نقاط الارتباط قد نشأت مصادفةً (أقل من نتيجة تُسمَّى 2-سيجما). في الفيزياء عادةً ما تتطلب مزاعم التوصُّل إلى اكتشاف وجود نتيجة 5-سيجما، أو احتمالية تقل عن 0.00006 بالمئة، لأن يكون هذا الاكتشاف مجرد مصادفة إحصائية.

يقول آجيث: "النتيجة الأقل من 2-سيجما لا تعتبر حتى نتيجة منطقية"، بعبارة أخرى، الارتباطات التي يقول سموت وزميلاه إنها ذات دلالة قد تكون مجرد سراب في البيانات.

سنعرف مع الوقت

الأرصاد التي لا خلاف عليها لموجات الجاذبية الواقعة تحت التأثير العدسي، قد توسِّع بشكل كبير من مجال الأبحاث العلمية التي يمكن إجراؤها باستخدام «ليجو» و«فيرجو»؛ فبادئ ذي بدء، التأثير العدسي يكوِّن عدة صور أو إشارات من نفس الحدث، وقد تفصل بين كل وصول وآخر لتلك الإشارات إلى الأرض ساعات أو أيام أو أسابيع.

ولأن توجيه أجهزة «ليجو» و«فيرجو» بالنسبة للمصدر سيكون قد تغيَّر بين كل رصد وآخر بسبب دوران الأرض، فإن الأمر سيكون كما لو كانت لدينا أجهزة رصد متعددة تستطلع نفس الحدث (وتُنتِج المزيد من المعلومات بشأنه)، يقول آجيث: "إذا استطعنا الجمع بين هذا والأرصاد البصرية للمجرة المسببة للتأثير العدسي، قد نتمكن في الواقع من تحديد مصدر زوج الثقوب السوداء بكفاءة كبيرة".

ولأن الأحداث الفلكية الواقعة تحت التأثير العدسي قد تكون أحداثًا من الكون المبكر، فهي أحداث من شأنها أن تسمح لعلماء الفيزياء أن يسألوا ويجيبوا المزيد من الأسئلة الدقيقة المتعلقة بأمور مثل تطور النجوم والثقوب السوداء بمرور الزمن، يقول برودهيرست: "بدلًا من ممارسة علم الفلك فقط، نمارس أيضًا علم الكونيات".

لا يزال هولتز مُصرًا على الحصول على أدلة أقوى، ولكنه متحمس مع ذلك لهذه الاحتمالية، يقول هولتز: "ألن يكون رائعًا أن نتمكن يومًا من قياس حدث فلكي واقع تحت تأثير عدسي قوي؟" ويعتقد هولتز أنه سيتعين علينا انتظار الجيل التالي من أجهزة رصد موجات الجاذبية حتى نتمكن من تحقيق رصد دقيق للاندماجات العتيقة التي حدثت بين ثقوب سوداء، والتي تعرضت التموجات الناجمة عنها، لحسن حظنا، للانحراف باتجاه الأرض بسبب مجرّات لا اسم لها كانت موجودة في طريقها.