سوف يخبرك أي شخص يقطن في المنطقة الواقعة شرق جبال روكي أن هذا العام كان عامًا رطبًا. لم يقتصر الأمر على إغراق إعصاري "فلورنس" و"مايكل" مناطقَ من الجنوب، كما لم يقتصر على أن العواصف المدمِّرة غزيرة الأمطار كانت متعدّدة وامتدَّ أثرُها، على غير المعتاد، بعيدًا نحو الشمال (سجَّل الإعصار ألبرتو ظهورًا تاريخيًا غير مسبوق على طول الطريق وصولًا إلى ولاية ميتشيجن).

كذلك فإن باقي الساحل الشرقي ضربته الأمطار أيضًا. ففي ويلمنجتون، بولاية نورث كارولاينا، حطَّم منسوب الأمطار الذي بلغ 60 بوصة الرقم القياسي السنوي المسُجل في عام 1966. وفي المنطقة المحيطة بمدينة سكرانتون، بولاية بنسلفانيا، حطم منسوب الأمطار الرقم المسجل عام 1945. وشهدت ولايات ويسكونسن، وكولورادو، وميريلاند جميعها أمطارًا غزيرة لا تتكرِّر سوى مرة واحدة كل 1000 عام، فيما سجَّلت عشرات الأماكن الأخرى، مثل بالتيمور، وبيتسبرج، وتشارلستون، بولاية ويست فيرجينيا، ثاني أو ثالث أكثر فصول الصيف غزارة بالأمطار في تاريخها على الإطلاق.

ومع المطر يأتي العفن.

في بعض المنازل، لا تشكل جراثيم العفن أكثر من مجرد إزعاج بسيط؛ إذ تلوِّث الأثاث أو تجعل رائحة القبو غريبة، ولكن في منازل أخرى، قد تتسبّب في مرض أصحابها أو حتى قتلهم؛ إذ يرتبط العديد من أنواع العفن بأمراض الحساسية ونوبات الربو، ويرتبط بعضُها بمضاعفات خطيرة لدى الأشخاص الذين يعانون من ضعف المناعة ومرضى السرطان. ومن الصعب حتى الآن تحديد مدى تأثير السنة المطيرة الأخيرة على الأجهزة التنفسية للناس، ولكن من المؤكد أنها أضرَّت بهم ماليًا بالفعل.

يقول مايكل بِرج، مدير المختبر في شركة "إي إم لاب بي آند كيه" EMLab P&K، وهي إحدى أكبر الشركات المتخصصة في اختبارات العفن بالولايات المتحدة الأمريكية: "هذا العام، تُجرى الكثير من اختبارات العفن". ويضيف أن توظيف عاملين بالشركة أصبح تحديًا بعد أن ضرب إعصاران وعواصف عنيفة مناطق على طول الساحل الشرقي. يقول بِرج: "إننا نكافح من أجل امتلاك العدد الكافي من العاملين في عام مثل هذا".

مع استمرار تغّير المناخ وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون في تشكيل الحياة على الأرض، فإننا قد نشهد المزيد من الفيضانات، مع ارتفاع مستويات سطح البحر والمزيد من العواصف القوية، وبطريقة ما، قد يكون هذا العام لمحة عن مستقبل رطب وعفن ينتظرنا. ولكن ماذا سيعني ذلك من الناحية العملية؟

إن نمذجة تأثيرات تغيّر المناخ وارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون لأمرٌ صعب للغاية، وهو يصبح أكثر صعوبة عندما يتعلق بعالم الفطريات المتنوع، الأمر يشبه قليلًا السؤال: "كيف سيؤثر تغير المناخ على الحيوانات؟" فقد يستفيد بعضهم منه بينما يتضرّر بعضٌ آخر. ففي بعض الحالات، سوف توفر الحرارة للفطريات مرتعًا خصبًا للتكاثر، وفي حالات أخرى، قد يزعجها ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون، مما يدفعها إلى إطلاق المزيد من الجراثيم.

يقول ناريش ماجان، عالم الفطريات في جامعة كرانفيلد بإنجلترا: "إنها استجابة ضغط؛ فالفطريات تريد البقاء على قيد الحياة، ووسيلتها لذلك إنتاج المزيد من النسل، وهذا يعني المزيد من الجراثيم". يبدو أن فطر الرشاشية  الدخناء (أسبرجيلاس فوميجاتوس Aspergillus fumigatus)، وهو أحد أعضاء ما قد يكون أكثر أنواع العفن شيوعًا في إزعاج البشر، يُطلق مزيدًا من الجراثيم عندما يُنبته العلماء في حاويات أكثر دفئًا وغنية بغاز ثاني أكسيد الكربون.

وأشار باحثون آخرون إلى أن زيادة مستويات ثاني أكسيد الكربون قد تخلّف المزيد من بقايا أوراق الأشجار، إذ ينمو الكثير من أنواع العفن، عندما يكون خارج بيوت البشر، وهو ما يضيف النيتروجين الضروري بشدة للفطريات، وربما تكون الجراثيم التي تنتجها أكثر ضررًا.

وإضافة إلى عدد الجراثيم التي يُنتجها العفن، تشير الأدلة إلى أن ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون قد يُغيّر طبيعة الجراثيم ذاتها. فبعض جراثيم العفن أصبحت أكثر تسببًا في الحساسية بأكثر من 8 مرات اليوم مقارنة بما كانت عليه في أوقات ما قبل الثورة الصناعية (رغم أنه ليس من الواضح أن هذا الاتجاه سوف يتواصل مع استمرار ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون).

العلماء ليسوا متأكدين تمامًا من كيفية حدوث هذا. وعلى عكس النباتات -التي تتنفس ثاني أكسيد الكربون ويمكن أن تستفيد من زيادة مستوياته- تتنفَّس الفطريات الأكسجين، لذا فإن التغيرات في كيمياء جراثيمها قد يرجع سببها إلى نوع من أنواع الآثار الثانوية. وأشار الخبراء إلى أن المزيد من ثاني أكسيد الكربون يمكن أن يؤدّي إلى تربة أكثر حمضية أو يُغيّر -بشكل غير مباشر- من نمط تنفس الفطريات، أو قد تكون هناك آلية غير معروفة تسبب استجابات مختلفة في أنواع العفن المختلفة.

وأيًا تكن تلك الآليّة، فإن وجود مستويات مرتفعة من ثاني أكسيد الكربون يؤدِّي بطريقة ما إلى تحفيز البروتينات الأكثر إثارة للحساسية في العديد من أنواع العفن؛ وهو ما قد يُفسِّر أن عددًا أكبر بكثير من الناس لديهم حساسية من العفن اليوم أكثر من الأجيال السابقة.

لكن ليست الفطريات كلها تتفاعل بالطريقة ذاتها مع التغيرات البيئية. تشير التجارب إلى أن جراثيم ألترناريا Alternaria -نوع من العفن يسبب المتاعب للجهاز التنفسي وغالبًا ما يوجد في المحاصيل الفاسدة والمنازل- قد تخفض في الواقع مسببات الحساسية في جراثيمها في بيئة أكثر دفئًا وبها مستويات أعلى من ثاني أكسيد الكربون. وفي العديد من الحالات، ليس من الواضح ما المواد الكيميائية التي تسبب تأثيرات صحية ضارة من جراثيم العفن، ناهيك بكيفية استجابتها للجو والمناخ المتغيرين.

وعرَّض ماجان العديد من أنواع العفن لمستويات مختلفة من ثاني أكسيد الكربون، والحرارة، والرطوبة. ويقول إن أنواع العفن مثل ستاكيبوترس Stachybotrys -مجموعة خطيرة من العفن يشار إليها غالبًا باسم "العفن الأسود"- قد تصبح أقل تسببًا في الحساسية مع زيادة مستويات ثاني أكسيد الكربون، لكن عند وضع فطريات من نوع الأسبرجيلاس في بيئة ذات مستويات أعلى من ثاني أكسيد الكربون، فإنها تزيد من إنتاج "أفلاتوكسين بي 1" aflatoxin B1، وهي مادة كيميائية فعّالة تُسبب السرطان، يمكن أن يُطلقها العفن في بعض أنواع المحاصيل وأعلاف الماشية.

يقول ماجان إن بعض هذه الآثار سوف تتغيَّر مع تكيّف العفن وتحوره، وقد يعني هذا أن العفن سوف يتكيَّف مع الضغط الناتج عن تغيّر المناخ، ولكنه قد يعني أيضًا أنه سوف يتكيف مع كيفية تعاملنا معه.

إن جسم الإنسان موطنٌ ممتازٌ لنموّ العفن، لكن أجسام معظم الناس قادرة على مقاومته (رغم أننا قد نبدأ بالسعال أو تسيل أنوفنا في أثناء هذه العملية)، ولكن فطريات أسبرجيلاس قد تكون قاتلة بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من ضعف أجهزتهم المناعية -بعد العلاج بالخلايا الجذعية أو زرع الأعضاء، على سبيل المثال- وقد وثَّقت الدراسات قدرة متزايدة لدى هذه الأنواع من العفن على مقاومة العلاجات الطبية بما في ذلك عقار ترايازول triazole -أقوى مضادات الفطريات في مثل هذه الحالات- حتى مع المرضى الذين لم يتناولوا العقار من قبل قط.

ويضيف ماجان أنه توجد مشكلة أخرى مع العفن اليوم، هي أن العديد من المنازل الموفِّرة للطاقة مصممة لحبس الحرارة وحفظها؛ وهو ما يعني أنها يمكن أيضًا أن تحبس الرطوبة وتمنع التهوية، وتخلق الحرارة والرطوبة بيئة مثالية للعفن، ومن المفارقات المؤلمة أن المهندسين المعماريين الذين يحاربون الأشياء التي تشجّع على نمو العفن على نطاق واسع، ربما كانوا هم أنفسهم من يجعلونه أكثر استقرارًا في قبو منزلك.

لكن الناس الذين يعيشون في منازل حديثة ذات كفاءة عالية في استخدام الطاقة ليسوا الأكثر عرضة للمعاناة من الآثار طويلة الأمد للعفن، فكما هو الحال غالبًا مع تغير المناخ وارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون، من المرجّح أن تكون التداعيات أسوأ بين الفقراء، خاصة في الاقتصادات الضعيفة، حيث لا يستطيع العديد من الناس إزالة الرطوبة والعفن من منازلهم.

تقول مورين ليشتفلد، أستاذة الصحة العالمية في جامعة تولين، التي تعمل مع المجتمعات المهمشة في منطقة الكاريبي وجنوب شرق الولايات المتحدة: "في حالة الربو والأمراض الرئوية المزمنة، يكون الأمر عبارة عن حلقة مُفرَغة خبيثة، إذ يتلقّى [المرضى] العلاج ويشعرون أنهم أفضل قليلًا، لكنهم يعودون إلى نفس البيئة المنزلية من جديد".

تدرس ليشتفلد العديد من أشكال الأمراض التي تلي الكوارث وتغيّر المناخ، لكنها تجد أن العفن يُشكِّل مصدرًا للإحباط الشديد، لأنه يمكن الوقاية منه إلى حد كبير ومن السهل نسبيًا السيطرة عليه في المنزل، وإذا لم يُتخلَّص منه، يمكن أن يؤدي إلى تفاقم الربو المزمن وأمراض أخرى، ويعوق تعلم الأطفال ونموهم، ففي بورتو ريكو، كانت الإصابة بالربو أعلى بالفعل بنسبة 23% مقارنة بالبرّ الرئيسي -مع تضاعف عدد الوفيات المرتبطة بالربو- قبل أن يضرب إعصارا "إيرما" و"ماريا" الجزيرة في عام 2017. ويشير العديد من التقارير إلى أن النسبة ارتفعت كثيرًا منذ ذلك الحين، رغم أن الأرقام الفعلية غير متوافرة بعد.

وفي أماكن مثل ساوث فلوريدا، حيث تكثر الفيضانات الموسمية، أصبحت مشاريع علاج المواقع الملوثة بالعفن شديدة التنافسية، حسبما يقول بِرج. وفي أماكن أخرى ضربتها الأعاصير أو الأمطار الغزيرة، قد يواجه السكان مشاكل العفن لأوّل مرة، ولكن سواء أكان العفن ناجمًا عن الفيضانات، أو الإنتاج المتزايد للجراثيم، أو التغيّرات في طريقة عملها، فمن المرجّح أن يصبح العفن جزءًا أكبر من حياتنا.

نصائح * لتجنب الآثار المترتبة على جراثيم العفن المنتقلة عبر الهواء:

  • عدم قدرتك على شمِّ رائحة العفن في الهواء لا يعني أنه ليس موجودًا، لكن إن استطعت شم هذه الرائحة، فتلك علامة جيّدة على أنه ربما كانت لديك مشكلة.
  • كما هو الحال مع مسبّبات الحساسية الأخرى، لا يستجيب كل شخص لجراثيم العفن بالطريقة ذاتها. فربما يعطس أحد الأشخاص أو يسعل، بينما قد يعاني آخر من الإرهاق، فيما لن يشعر شخص ثالث بأي شيء على الإطلاق.
  • يزدهر العفنُ في الأماكن الرطبة ورديئة التهوية، فكن شديد الحذر عند استخدام الحمام، أو الوجود داخل القبو، أو في أي مكان تُعلِّق فيه ملابسك.
  • هناك الآلاف من أنواع العفن، وكلها تطلق تركيزات مختلفة من مواد كيميائية محتمل أن تكون ضارة، وبصفة عامة، فإن كاشفات العفن المتوافرة بالأسواق ليست متطورة بالقدر الكافي لقياس أنواع العفن الخطيرة بدقة، ومن الأفضل كثيرًا الاستعانة بشركة خِدمات متخصصة لأخذ عينات من العفن وتحليلها في المختبر.
  • بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من الربو، تصبح جراثيم العفن خطيرة للغاية عندما تجتمع مع غيرها من مسبّبات الحساسية مثل الصراصير، أو وبر الحيوانات.
  • رغم أن العفن قد يُصبح مقاومًا للأدوية، فإنه لا يستطيع الصمود أمام المبيضات المنزلية، التي لا تزال أفضل طريقة لإزالته من الأسطح، كما يعتبر الخلّ الأبيض خيارًا آخر، أقل ضررًا.
  • أحد أفضل الطرق للتغلب على العفن في المنزل، الحفاظ على انخفاض الرطوبة (والتي تكون في الوضع المثالي أقل من 50٪ لكن على الأقل لا تزيد على 80٪)، لكن إذا كانت لديك فترة تكون فيها الرطوبة عالية، فانتبه لظهور العفن.
  • تزيد بشدة احتمالات نمو العفن على المواد العضوية، وتعتبر السلال المجدولة والخشب والقش الأكثر شيوعًا لنمو العفن.
  • احرص على أن تكون الغُرف جيّدة التهوية، وإذا كان الطقس جافًا، افتح نافذة ووفر مسارًا للنسائم، وفي حال عدم تمكنك من ذلك، شغِّل مروحة أو مكيف هواء.
  • لا تحاول الطلاء فوق العفن، فسوف يستمر في النمو وإطلاق الجراثيم تحت الطلاء، وضع دائمًا نظارات واقية وقناعًا عند التعامل مع العفن المنزلي.
  • بمجرد إزالة العفن –عن طريق غسله باستخدام مادة التبييض، والتخلص من كرسي الخوص القديم، واستخدام فلتر للهواء- ينبغي ألا يعود العفن مُجددًا، وإذا حدث وعاد، فمن المحتمل أن تكون الرطوبة مستمرة في التسرب عبر الهواء أو هناك نوع آخر من التسرب، ابحث عن مصدر الرطوبة بدلًا من محاربة العفن إلى ما لا نهاية.

* [نصائح مقدمة من مايكل بِرج، وناريش ماجان، ومورين ليشتفلد]