تعتمد جهود الصحة العامة اعتمادًا كبيرًا على التنبؤ باحتمالات انتشار الأمراض حول العالم، مثل ذلك المرض الذي يسببه فيروس كورونا الجديد «سارس-كوف-2»، الذي سمَّته منظمة الصحة العالمية «كوفيد-19» COVID-19. ففي الأيام الأولى لانتشار فيروسٍ جديد، حين تكون البيانات الموثوق بها لا تزال شحيحةً، يلجأ الباحثون إلى النماذج الرياضية التي يمكنها توقُّع الأماكن التي سيذهب إليها الأشخاص المحتمَل إصابتهم بالمرض، واحتمالية نقلهم له إلى تلك الأماكن. وتستخدم هذه النماذج الحوسبية معادلاتٍ إحصائيةً معروفة، تحسب احتمالية انتقال المرض من المصابين إلى غيرهم.

ومن خلال القدرات الحوسبية الحديثة، يستطيع الباحثون سريعًا تضمين مدخلاتٍ متعددةٍ في هذه النماذج، مثل قدرة مرضٍ معين على الانتقال من إنسانٍ إلى آخر، وأنماط الحركة الخاصة بالمسافرين جوًّا وبرًّا من بين الأشخاص المحتمل إصابتهم بالمرض. وتتضمن هذه العملية أحيانًا وضع افتراضاتٍ بشأن عوامل مجهولة، مثل الأنماط الدقيقة لسفر الأفراد. لكن من خلال إدخال نسخٍ مختلفة محتملة من كل مُدخَل في هذه النماذج، يستطيع الباحثون تحديثها مع توافر أي معلوماتٍ جديدة، ومقارنة نتائجهم بالأنماط الملاحَظة لانتشار المرض. على سبيل المثال، إذا أراد الباحثون دراسة التأثير المحتمل لإغلاق مطارٍ معين على انتشار مرضٍ ما حول العالم، تستطيع الحواسيب التي يستخدمونها أن تعيد سريعًا حساب احتمالية ورود الحالات عبر المطارات الأخرى، وكل ما يحتاج البشر إلى فعله هو تحديث شبكة خطوط الطيران وأنماط السفر الدولية.

لكن عند استخدام بياناتٍ ناقصة، قد يؤثر أيُّ خطأٍ بسيط في أحد العوامل تأثيرًا ضخمًا على النتائج. فقد تختل نتائج النماذج عند غياب القيم الدقيقة لعاملٍ مثل عدد التكاثر الأساسي (R0) لمرض «كوفيد-19»، والذي هو متوسط عدد الحالات الجديدة التي يُعديها كل فردٍ مصاب بالمرض. وعن ذلك يقول ديرك بروكمان، الفيزيائي بمعهد البيولوجيا النظرية في جامعة هومبولت ببرلين، ومعهد روبرت كوخ في ألمانيا: "إذا كنتَ مخطئًا بشأن هذا العدد، سيصبح هناك خطأٌ ضخم في تقديراتك". وتتراوح التقديرات الحالية لعدد التكاثر الأساسي (R0) لفيروس كورونا الجديد بين 2 و3، ليقترب بهذا من عدد التكاثر الأساسي لفيروس «سارس»، الذي تراوح بين 2 و4 في عام 2003، لكنَّه في الوقت نفسه يُعَد أقل بكثيرٍ من عدد التكاثر الأساسي لفيروس الحصبة، الذي يتراوح بين 12 و18.

وكلما زاد عدد العوامل المجهولة في النموذج، زاد الشك في دقة نتائجه. لذا يفضل بروكمان وبعض الباحثين الآخرين التركيز على استخدام نموذجٍ محدود بدرجةٍ أكبر، يعتمد على عاملٍ أساسي واحد فقط. وقد ركزت مجموعته البحثية على استخدام بيانات الرحلات الجوية الدولية، لتوقُّع أي المطارات يُعد أكثر احتمالًا لانتشار فيروس كورونا عبره إلى جميع أنحاء العالم، ولم يتضمن نموذج المجموعة احتمالات انتقال المرض من إنسانٍ إلى آخر. ويوضح بروكمان قائلًا: "تتوقع هذه الاحتمالات التسلسل المتوقع للبلدان التي سنرصد فيها حالات إصابة بالمرض. والطريقة التي انتشر بها المرض تتفق إلى حدٍّ كبير مع توقعات نموذج الحركة خاصتنا".

من الممكن أن تُوفَّر بيانات الرحلات الجوية هذه من خلال قواعد البيانات الرسمية الخاصة بالملاحة الجوية، وهو ما يجعلها موثوقًا بها إلى حدٍّ ما. لكنَّ تلك البيانات لا تتضمن تحركات الأشخاص على الأرض. وللحصول على معلوماتٍ بشأن تلك التحركات، يستخدم الباحثون مصادر مختلفة. فعلى سبيل المثال، يقود الفيزيائي أليساندرو فيسبينياني -الذي يدير مختبر نمذجة النظم البيولوجية والاجتماعية التقنية في جامعة نورث إيسترن- فريقًا يعمل على وضع نموذج لانتشار فيروس كورونا الجديد، باستخدام البيانات الرسمية للرحلات الجوية، وأنماط الانتقال المتوقعة للمجموعات السكانية المشمولة في النموذج. ورغم أنَّ تلك النماذج التي تركز على أنماط السفر لم تأخذ في الاعتبار احتمالية انتقال المرض من إنسانٍ إلى آخر، وتجاهلت عامل عدد التكاثر الأساسي، فإنَّها على ما يبدو تمكنت في كل مرةٍ من وضع توقعاتٍ دقيقة للبلدان الأكثر احتمالًا لاستقبال حالاتٍ جديدة من المصابين بمرض «كوفيد-19». ويقول فيسبينياني: "إذا أشارت نماذج مختلفة إلى النتائج ذاتها، تزيد ثقتك في وجود مستوى ما من الواقعية في نتائجها".

وهناك جهودٌ أخرى تجري مؤخرًا لتقدير الكيفية التي ينتشر بها فيروس كورونا داخل الصين وكذلك حول العالم، وتتضمن تلك الجهود بياناتٍ عن حركة الأفراد، مأخوذةً من أنماط الرحلات الجوية والتنقلات البرية خلال فترة عطلة رأس السنة القمرية، التي وافقت يوم الخامس والعشرين من يناير هذا العام، عندما كانت وتيرة انتشار الفيروس قد بدأت في التسارع. ففي ورقةٍ بحثية نُشرت في دورية «ذا لانسيت» The Lancet في الحادي والثلاثين من يناير، وضع باحثون مقيمون في هونج كونج تقديراتٍ لأنماط السفر في عطلة العام الحالي، استنادًا إلى بياناتٍ من عطلة رأس السنة القمرية لعام 2019، تخص رحلات سفر ملايين الأشخاص ممن استخدموا تطبيق «وي تشات» WeChat، وغيره من الخدمات المملوكة لشركة «تينسنت» Tencent التكنولوجية الصينية العملاقة. لكن خلافًا للنماذج التي تركز فقط على أنماط السفر، تضمنت هذه الدراسة أيضًا تقديراتٍ لاحتمالية انتقال الفيروس من شخصٍ إلى آخر، إضافةً إلى أنماط السفر المبنية على كلٍّ من بيانات الرحلات الجوية الرسمية وبيانات حركة الأفراد التي وفرتها شركة «تينسنت». وقد أشارت نتائج الدراسة إلى أنَّ مرض «كوفيد-19» كان قد انتشر بالفعل في عديدٍ من المدن الصينية الكبرى بحلول يوم الخامس والعشرين من يناير، وأنَّ المطارات الدولية بتلك المدن ساعدت في نشر الفيروس حول العالم.

وبالإضافة إلى الجمع بين العوامل المعروفة وغير اليقينية من العوامل المتعلقة بكلٍّ من حركة السفر وانتقال المرض من شخصٍ إلى آخر، يتعين على النماذج أن تأخذ في الاعتبار تأثير تدخلات الصحة العامة، مثل ارتداء الكمامات وإغلاق المدارس، أو التدابير الحكومية الأوسع نطاقًا مثل قرار الصين بفرض الحجر الصحي على مدنٍ بأكملها، وأيضًا تأثير حظر السفر الدولي والقيود المفروضة عليه. وقد قدَّر الباحثون في هونج كونج أنَّ الحجر الصحي الذي فرضته الصين على مدينة ووهان، والذي بدأ في الثالث والعشرين من يناير، لم يُحدث إلا فارقًا طفيفًا، نظرًا إلى أنَّ المرض كان قد انتشر على الأرجح إلى مدنٍ أخرى داخل البلاد. ومع هذا فقد أوصى الباحثون بأنَّه "من الضروري التفكير على الفور وبجدية في تطبيق تدابير مشددة، تحد من حركة السكان في المناطق التي ينتشر فيها الفيروس". لكنَّ خبراء الصحة العامة يبدون غير واثقين بفاعلية مثل هذه القيود على السفر داخل المدن وبينها. إذ تشير دراساتٌ أخرى أُجريت على أوبئةٍ سابقة إلى أنَّ القيود الصارمة على الحركة ليس لها سوى تأثيرٍ محدود في تأخير انتشار الأمراض حول العالم.

ويعمل بعض الباحثين على وضع نماذج لنتائج التغيرات في السلوك العام والإجراءات الحكومية، قبل حدوث تلك التغيرات. من هؤلاء لورين جاردنر، المهندسة المدنية والمديرة المشاركة لمركز علم الأنظمة وهندستها بجامعة جونز هوبكنز، والتي تعمل على تنقيح نموذج مصمم لمساعدة مسؤولي الحكومة الأمريكية في تحديد أي المطارات ينبغي أن يفحص المسافرين الوافدين، عن طريق قياس درجات حرارة أجسامهم وتوجيه الأسئلة إليهم، وأيها من المستبعد أن يستقبل حالاتٍ جديدةً مصابة بالفيروس. ومن الممكن لهذه المعلومات أن تتيح للحكومات المحلية توزيع الموارد على المناطق التي من المحتمل أن تكون أشد احتياجًا إليها. وتقول جاردنر عن تلك المعلومات: "كان هناك قدرٌ كبير من الاهتمام من جانب عديدٍ من مكاتب الصحة العامة الإقليمية باستخدام هذه النتائج، من أجل تحديد أولويات جهود الرصد والمتابعة".

وما هذه إلا بضع فرق فقط من تلك التي تعمل على وضع توقعاتٍ لانتشار مرض «كوفيد-19» في المستقبل. وتوضح الطبيبة إليزابيث هالوران -مديرة مركز استدلالات الأمراض المُعدية ودينامياتها، الذي يقع مقره في مركز فريد هتشينسون لبحوث السرطان في سياتل- أنَّه خلال ثمانينيات القرن العشرين لم يكن هناك سوى عددٍ قليل للغاية من المجموعات البحثية التي تعمل على وضع مثل هذه النماذج. والآن هناك المئات منها. وعن هذا تقول: "كنا نجري مكالمةً هاتفية نظمها معهد مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة منذ بضعة أيام، وكانت هناك 80 مداخلة هاتفية من مجموعاتٍ بحثية. فهناك الكثير من المجموعات المتميزة، ونحن نعمل معًا كشبكةٍ كبيرة". فلا أحد يمتلك كل البيانات الضرورية للوصول إلى يقينٍ بنسبة 100% بشأن مستقبل انتشار الفيروس.

لكن رغم تنوُّع النماذج، فإنَّ كثيرًا منها يتفق في نهاية المطاف على نقاطٍ أساسية. فعلى سبيل المثال، بين يومي الرابع والخامس من فبراير، ارتفع عدد حالات الإصابة المؤكدة من أقل من 25 ألف حالة إلى أكثر من 28 ألف حالة في غضون يومٍ واحد فقط. لكن فيسبينياني يوضح أنَّه في ذلك الوقت اتفقت نماذج عديدة على أنَّ عدد الإصابات الفعلي أكبر بكثير من ذلك. وأضاف: "أعتقد أنَّ كل مقاربات النمذجة كانت تشير إلى وجود ما يزيد على 100 ألف حالة في أفضل الحالات". وجديرٌ بالذكر أنَّه في وقت مثول هذا المقال للطبع في النسخة الإنجليزية، كان عدد حالات الإصابة المؤكدة يزيد على 45 ألف حالة.