في الجدول الدوري، لا يتسم أي عنصر بأهمية أكبر من عنصر آخر. لكن في النموذج القياسي -وهي نظرية تفسر أصغر مكونات الكون والقوى التي تحكمها، باستثناء الجاذبية- يمكن القول إن بوزون هيجز يشغل مكانةً محورية. مثل البوزونات الأولية الأخرى -كالفوتونات، وهي جسيمات الضوء- يُعَد بوزون هيجز «حامل قوة»، لكنه بدلًا من أن يحمل القوة الكهرومغناطيسية، الشديدة أو الضعيفة، فإنه يحمل الكتلة لكل الجسيمات الأولية عن طريق المجال المُسمى مجال هيجز، الذي يتخلل الكون.

الجسيمات التي تتفاعل -أو «تقترن»- بقوة مع مجال هيجز لها كتلة ضخمة، والجسيمات التي تقترن معه اقترانًا ضعيفًا تكون أخف كتلة، أما الفوتونات فلا تتفاعل مع مجال هيجز على الإطلاق، ونتيجةً لذلك فهي عديمة الكتلة.

لكن ظل من الصعب أن نثبت تجريبيًّا أن كل الجسيمات الأولية التي تمتلك كتلة حصلت على كتلتها من خلال مجال هيجز. والآن وجد علماء فيزياء الجسيمات، للمرة الأولى، أدلةً مباشرةً تفيد أن هذا المجال هو الآلية التي تمنح الكتلة للميونات، وهي بمنزلة الأقارب للإلكترونات لكنها أثقل كتلةً منها. وقد بينت التحليلات المستقاة من تجربة أطلس (ATLAS) ولولب مركب للميون (CMS) -وهما تجربتان أُجريتا في مصادم الهدرونات الكبير في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (سيرن) بالقرب من جنيف- أن بوزون هيجز يمكن أن يضمحل إلى اثنين من الميونات، وهو ما يثبت أن الميونات تقترن مع مجال هيجز، وتحصل منه على كتلتها.

لم يُفاجأ علماء فيزياء الجسيمات بهذه النتيجة؛ فالنموذج القياسي، الذي يتسم بدقة بالغة، يتنبأ بأن مجال هيجز يمنح الكتلة لكل الجسيمات الأولية، لكن من أجل التحقُّق الفعلي من تلك الفكرة، يحتاج العلماء إلى أدلة تجريبية لكل نوع من الجسيمات، وذلك وفق قول ستيفانيا جوري، عالِمة الفيزياء النظرية بجامعة كاليفورنيا في سانتا كروز، التي لم تشارك في البحث.

وعن هذا تقول جوري: "لا شك في أن النموذج القياسي يُعَد نظريةً عظيمة، غير أن رؤيته [مجال هيجز وهو يتفاعل] في الطبيعة لها ثقل مختلف بشدة عن مجرد افتراض ذلك استنادًا إلى النظرية".

عندما اكتُشف جُسيم جديد بواسطة تجربة أطلس ولولب مركب للميون في عام 2012، وُصف هذا الجسيم في البداية بأنه جُسيم «شبيه بجسيم هيجز»؛ لأنه لم يكن أحد يعلم كم من الخواص سيتشاركها مع بوزون هيجز، الذي افترضت وجوده مجموعةٌ من علماء الفيزياء في أوائل ستينيات القرن العشرين. "لا أعتقد أنه نظرًا إلى أنهم كتبوا شيئًا ما عام 1964 أن كل الأشياء الأخرى ستتوالى على الفور من عملية قياس واحدة"، هكذا يقول تريستان دو بري، وهو عالِم فيزياء تجريبية مشارك في تجربة أطلس. ويضيف دو بري قائلًا: "لهذا السبب أرى أن [اضمحلال جسيم هيجز إلى اثنين من الميونات] كان اختبارًا شديد الأهمية، وكان من الممكن أن يؤدي إلى نتيجة مختلفة".

وبينما اجتاز بوزون هيجز المزيد من الاختبارات وصار أقرب إلى «الجسيم الشبيه بهيجز»، جرى التخلي في هدوء عن الصفة «شبيه»، لكن ازدادت الجهود الرامية إلى فهم خواص الجسيم.

كيف نعثر على جسيم هيجز

من أجل تخليق بوزون هيجز من الصفر، يدفع علماء الفيزياء الجسيمات إلى التصادم معًا على نحوٍ يشبه اختبارات تصادم السيارات لكن على المستوى دون الذري. يقدم مصادم الهدرونات الكبير الطاقة الضرورية لذلك؛ إذ يسرِّع البروتونات إلى سرعات تناهز سرعة الضوء، ويمنح كل بروتون منها طاقة مقدارها 6500 جيجا إلكترون فولت (تمتلك البروتونات في حالة السكون طاقةً تناهز 1 جيجا إلكترون فولت). وهذه البروتونات التي جرى تسريعها تدور داخل نفق المصادم البالغ طوله 26.7 كيلومترًا إلى أن تتصادم معًا، وتخلق هذه التصادمات رذاذًا من حطام الجسيمات، وفي بعض الأحيان النادرة تؤدي إلى تخليق بوزون هيجز الذي يصعب رصده.

ليس ممكنًا في واقع الأمر رصد بوزون هيجز؛ لأنه لا يستمر في البقاء إلا لنحو جزء من سكستليون من الثانية، لكن يستطيع العلماء رؤية ما يضمحل الجسيم إليه، فقد وردت الأدلة المبدئية على جسيمات هيجز من اضمحلاله إلى بوزونات أخرى.

إن عمليات اضمحلال الجسيمات هي عملية عشوائية تصفها النسب المسماة بالنسب المتفرعة. فكل عملية من عمليات الاضمحلال العديدة الممكنة عبارة عن "فرع" له احتمالية معينة، وهذا الأمر يشبه إلقاء النرد لاختيار أي طريق تسلكه عند مفترق طرق متشعب. وبصفة عامة، فإن جسيم هيجز -الذي يمتلك طاقة مقدارها 125 جيجا إلكترون فولت- يضمحل بسهولة أكبر إلى الجسيمات الثقيلة مقارنةً باضمحلاله إلى الجسيمات الخفيفة. فعلى سبيل المثال، احتمال أن يتسبب اضمحلاله في تخليق رذاذ من الكواركات القعرية ذات الطاقة البالغة 4 جيجا إلكترون فولت أكثر بعشر مرات من احتمال أن يؤدي إلى تخليق وابل من الكواركات الساحرة ذات الطاقة البالغة 1 جيجا إلكترون فولت. يُعد اضمحلال بوزون هيجز إلى اثنين من الميونات (يزن كلٌّ منهما 0.17 جيجا إلكترون فولت) نادرًا نسبيًّا؛ إذ لا يحدث إلا مرةً كل 5000 مرة. وعندما يحدث مثل هذا الاضمحلال بالفعل، ترصد تجربة أطلس ولولب مركب للميون اثنين من الميونات لهما طاقة مجمعة مقدارها 125 جيجا إلكترون فولت، يندفعان في اتجاهين متعاكسين.

إن القياسات المجمعة الأخيرة لها دلالة إحصائية تناهز أربعة انحرافات معيارية، وهو ما يعني أنه توجد احتمالية بنسبة 1 في الـ15000 تقريبًا بأن تكون النتيجة محض صدفة عشوائية، وهو ما يفترض أن جسيم هيجز لا يضمحل إلى ميونات. بالرغم من أن هذا دليل قوي، لكنه لا يصل إلى معيار الانحرافات المعيارية الخمسة (أي احتمالية بنسبة 1 في الـ3.5 ملايين) الذي يفضله علماء الفيزياء.

فيما سبق، كانت الأدلة على اضمحلال جسيم هيجز إلى اثنين من الميونات ضعيفةً للغاية، بحيث كانت جهود علماء الفيزياء النظرية الرامية إلى بناء نماذج تحصل فيها الميونات على كتلتها من مكان آخر مسوَّغةً تمامًا. وعلى سبيل المثال، فإن ثمة مقترحًا قدمه عالِم فيزياء آخر، وصفه دو بري بفظاظة بـ"النموذج القياسي الثلاثي"، استخدم ثلاثة أنواع مختلفة من بوزون هيجز؛ كي يمنح الكتلة لكل جيل من أجيال الجسيمات.

ينص العُرف المتفق عليه على أن الفرميونات الـ12 (أي جسيمات المادة) في النموذج القياسي مُقسمة إلى ثلاثة أجيال، والجسيمات الموجودة في كل جيل لها جسيمات مناظرة في الجيلين الآخرين تتطابق في خواصها وكتلتها -بقدر حدود معرفتنا- فيما عدا كتلتها. وبموجب هذه السمة العامة، تُعد التاوونات نسخًا أثقل في الكتلة من الميونات، التي هي نسخ أثقل في الكتلة من الإلكترونات. ونظرًا إلى أن الخاصية التي نطلق عليها اسم "الكتلة" ما هي إلا نتيجة للمقدار الذي يتفاعل به الجسيم مع مجال هيجز، فإن الاختلاف بين كل جيل وآخر ربما يتمثل فقط في المقدار الذي يقترن به كل جسيم مع بوزون هيجز. لكن إلى الآن لم تكن هناك أي أدلة على اقتران جسيم هيجز مع فرميونات خارج الجيل الثالث.

"كانت هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها تفاعُل بين مجال هيجز والجيل الثاني"، هكذا يقول مارك شير، عالِم الفيزياء النظرية بكلية ويليام وماري، الذي لم يشارك في البحث. ويستطرد شير بقوله: "إنه بالفعل اختبار خاص لهذه السمة العامة؛ لأنه إذا كان هناك شيء مختلف بين الأجيال، فربما يكون هذا هو المكان الأول الذي سنراه فيه".

ولسوء حظ علماء الفيزياء المتطلعين إلى الابتعاد عن تنبؤات النموذج القياسي، يبدو أن الميونات تحصل على كتلتها من المكان نفسه الذي تحصل منه التاوونات على كتلتها. لكن بطرق عدة، لا يزال البحث عن قوانين فيزيائية جديدة قائمة على مجال هيجز في بداياته وحسب.

وفي يونيو، نص تقرير عام 2020 الصادر عن المجموعة الإستراتيجية الأوروبية -وهي اتحاد لعلماء فيزياء الجسيمات الذين يجتمعون دوريًّا بهدف تحديد أولويات أوروبا البحثية- على أن أهداف المجموعة ذات الأولوية القصوى هي دراسة خواص مجال هيجز. وورد في التقرير ما يلي: "إن بوزون هيجز جسيم فريد، يثير تساؤلات عميقة حول القوانين الجوهرية للطبيعة، كما يقدم، علاوًة على ذلك، أداة تجريبية فعالة لدراسة هذه التساؤلات".