يعرف العلماء منذ وقت طويل أن الارتفاع في درجات الحرارة على مستوى العالم يعمل على توسُّع الوجود الجغرافي للأمراض التي تنقلها الحشرات، مثل الملاريا وحمى الضنك، وذلك لأن الحيوانات التي تنقل هذه الأمراض تتكيف مع مناطق أوسع.

غير أن العلاقة بين الأمراض التنفسية -ومنها «الإنفلونزا» و«كوفيد-19»- وارتفاع حرارة الكوكب أقل وضوحًا. لكن بعض العلماء قلقون من أن بإمكان التغير المُناخي أن يغير العلاقة بين دفاعاتنا الجسمانية ومثلِ هذه العوامل المُمرِضة. وقد تتضمن هذه التغييرات تكيُّف الميكروبات مع ارتفاع حرارة العالم، وتغيرات في الكيفية التي تتفاعل بها الفيروسات والبكتيريا مع عوائلها الحيوانية، كذلك ضعف الاستجابة المناعية البشرية.

إن الجهاز المناعي هو دفاعنا الطبيعي ضد المواد الضارة. وعندما تدخل عوامل مُمْرضة -مثل فيروس سارس-كوف-2 المستجد SARS-CoV-2 الذي يسبب مرض «كوفيد-19»- عبر مجرى الهواء، فإنها تتلف الخلايا عن طريق الاستيلاء على آلياتها وصُنع نُسَخ أكثر من أنفسها. تُفرز الخلايا المصابة بروتينات إشارة تُسمى السيتوكينات، كي تتواصل مع أجزاء الجسم الأخرى بهدف تنشيط استجابة مناعية ضد الجسيمات الغازية الغريبة على الجسم.

وقد طورت الثدييات دفاعًا آخر أكثر جوهريةً ضد العوامل المُمرضة، يتمثل في درجة حرارة جسم مرتفعة نسبةً إلى حرارة البيئة المحيطة. ونتيجة لهذا التغيير، فإن الكثير من الميكروبات المتأقلمة مع درجات الحرارة المنخفضة تعجز عن تحمُّل أجسام الثدييات الدافئة.

"كثير من الكائنات في البيئة تعجز عن البقاء في درجة حرارة 37 درجة مئوية، وهي درجة الحرارة القياسية للجسم البشري الطبيعي"، هكذا يقول أرتورو كاسادفال، رئيس قسم علم المناعة والبيولوجيا الجزيئية الدقيقة في كلية جونز هوبكنز بلومبرج للصحة العامة، ويضيف: "لهذا فإن درجة حرارة أجسامنا تشبه الحاجز الحراري الذي يحمينا من الكثير من الكائنات".

ومع ذلك فإن درجة الحرارة المحيطة المرتفعة المتوقع أن تصاحب تغيُّر المناخ قد تكون في مصلحة العوامل المُمرضة، التي سيكون من الأصعب على الأجسام البشرية أن تحاربها. وفي دراسة نُشرَت في مجلة «إم بايو» mBIO في عام 2019، وصف كاسادفال وزملاؤه فِطرًا مقاومًا للعقاقير –يُسمى فِطر داء البقع البيضاء Candida auris– تم عزله للمرة الأولى من أحد الأشخاص في عام 2009، وظهر في ثلاث قارات مختلفة خلال العقد الماضي. ويقول الباحثون إن القاسم المشترك في ظهوره في تلك المناطق هو درجة الحرارة. كما يرون أن هذه النتيجة ربما تكون المثال الأول على تكيُّف أحد الفطريات مع درجة حرارة أعلى، واختراق الحاجز الحراري البشري.

إلا أن الفِطر -الذي لا يحتاج إلى عائل كي يتكاثر- يختلف اختلافًا كبيرًا عن الفيروس، مثل سارس-كوف-2. ويُعتقَد أن هذا الفيروس انتقل من الخفافيش إلى البشر -وكلاهما من العوائل ذات الدم الدافئ- عبر كائن وسيط على الأرجح. وإذا بدأت الكائنات ذات الدم البارد في التكيف مع الظروف الأدفأ، فربما تطلق عددًا وفيرًا من العوامل المُمرضة التي قد لا يمتلك البشر أي مناعة ضدها.

ويقول كاسادفال: "تخيلوا أن العالم أشد حرارةً، وأن السحالي تكيفت مع العيش في درجات حرارة قريبة بشدة من درجة حرارتنا. عندئذٍ ستتكيف فيروساتها مع درجات الحرارة الأعلى". ويستطرد قائلًا: "ترتكز دفاعاتنا على دعامتين: درجة الحرارة والمناعة المتقدمة. وفي العالم الأكثر دفئًا ربما نفقد دعامة درجة الحرارة، إذا تكيفت العوامل المُمرضة مع درجات حرارة مقاربة لدرجات حرارتنا".

وقد تتفاقم هذه المشكلة بينما تنتقل الكائنات إلى مناخات أبرد تاريخيًّا وإلى ارتفاعات أكبر، في حين ترتفع درجة حرارة العالم. وفي دراسة نُشرَت عام 2017 في دورية «ساينس» Science، قَدَّر الباحثون المتوسط الذي تتحرك به الأنواع الأرضية نحو القطبين بمعدل يبلغ 17 كيلومترًا في العَقد، بينما تفعل الأنواع البحرية ذلك بمعدل يبلغ 72 كيلومترًا في العَقد. لذا فإن إعادة تنظيم الكائنات حول الكوكب بهذا الشكل، قد تعني أن الحيوانات التي تستضيف كائناتٍ دقيقةً متفردةً مسببةً للمرض ستعيش إلى جوار تلك التي لا تستضيف هذه الكائنات في الأحوال الطبيعية، وهو ما يخلق مسارات انتقال جديدة.

وقد يؤثر ارتفاع درجة حرارة العالم أيضًا على الآلية الدفاعية الأخرى لدى البشر، وهي الجهاز المناعي. يدرك الباحثون منذ سنوات أن عوامل مثل قلة النوم والتوتر قد تُضعف الجهاز المناعي. وفي العام الماضي، وفق دراسة منشورة في دورية «بروسيدنجز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينسز يو إس إيه» Proceedings of the National Academy of Sciences USA، اكتشف علماء في طوكيو أيضًا أن الحرارة قللت من استجابة الفئران المناعية نحو فيروس الإنفلونزا. فقد أصاب الباحثون فئرانًا بالغة من الإناث، شابات صحيحات الجسد بفيروس الإنفلونزا (أ)، وهو أحد نوعين يسببان أوبئة الإنفلونزا الموسمية لدى البشر. وُضعت الفئران لمدة سبعة أيام في ثلاث غرف جرى التحكم في درجة حرارتها: بحيث كانت درجات حرارتها 4 درجات، و22 درجة، و36 درجة مئوية على الترتيب. وقد وجد الباحثون أن الأجهزة المناعية للفئران التي تعرضت لدرجات حرارة محيطة أعلى، لم تقاوم الفيروس بالفاعلية نفسها لدى المجموعتين الأخريين.

وعلى وجه التحديد، لاحظ الباحثون أن الفئران في الغرفة ذات الحرارة الأعلى كانت تأكل أقل مما تأكله الفئران في الغرفتين الأكثر برودة، كما فقدت 10 بالمئة من وزن الجسم في الـ24 ساعة الأولى التالية للتعرُّض لدرجة الحرارة الأعلى. وقال تاكيشي إيشينوه، الأستاذ المشارك بجامعة طوكيو، في بيان صحفي: "عادةً ما يفقد الناس شهيتهم عندما يشعرون بالمرض. وإذا توقف أحدهم عن الأكل مدةً كافية لإصابته بنقص في التغذية، فربما يُضعف هذا جهازه المناعي ويزيد احتمالية إصابته بالمرض مرةً أخرى". وعندما عمل إيشينوه وزميلته ميو مورياما، التي كانت تُدَرس وقتها في جامعة طوكيو، على تعزيز النظام الغذائي للفئران بالسكر أو الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة (التي تُنتَج عادةً بواسطة البكتيريا المعوية)، استطاعت هذه الحيوانات إظهار استجابة مناعية طبيعية.

وتعبر إلين إف فوكسمان -أستاذ علم التحاليل الطبية والبيولوجيا المناعية المساعد بكلية ييل للطب، والتي لم تشارك في الدراسة- عن حذرها بشأن بناء رابط مباشر بين الحرارة والاستجابة المناعية للفئران. وتقول: "كان لدرجة الحرارة تأثير على سلوك الحيوانات، وهو ما أثَّر بدوره على المناعة، ولم تشكل الفئران استجابةً مناعية جيدة مضادة للفيروسات في هذا النوع تحديدًا من عدوى الإنفلونزا". على النقيض من ذلك بينت دراسة فوكسمان نفسها، المنشورة عام 2015 في دورية «بروسيدنجز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينسز»، أن الخطوة الأولى للاستجابة المناعية نحو محاربة فيروس البرد تعزَّزت في واقع الأمر بواسطة درجات الحرارة الأعلى، وأُوهِنَت بواسطة درجات الحرارة الأدنى.

يستفسر باحثو جامعة طوكيو عما إذا كانت الاستجابة المناعية الضعيفة المرصودة في دراستهم ناتجةً عن نقص التغذية، أم أن الجهاز المناعي يُكبَح بسبب الحرارة التي تغير نشاط جينات بعينها. ويرون أن ثمة حاجة إلى مزيد من التجارب. ومع ذلك، قد يسبب التغير المناخي اختلال الاستجابة المناعية البشرية –إما بصورة مباشرة عبر درجات الحرارة الأعلى، أو بصورة غير مباشرة عبر تأثيراته على الأمن الغذائي العالمي– وهو السيناريو الذي اقترحه تقرير الفريق الحكومي الدولي المعني بتغيُّر المناخ لعام 2019.

تُقِر فوكسمان بمشروعية دراسة طوكيو للفئران، لكنها تؤمن بأنه من التسرُّع أن نَخلُص من نتائجها إلى أن الاحترار يجعل البشر أكثر عُرضةً بصورة مباشرة للعدوى الفيروسية. بَيْد أنها ترى أن التغيرات المناخية قد تغير عدد الحيوانات المضيفة، وأنشطتها، وتَعرُّض البشر لها.

وتقول فوكسمان: "أعتقد أن التغيُّر المناخي يسبب اختلال الكثير من الأنماط، أنماط السلوك البشري، والحشرات الناقلة للعدوى، وحتى الخفافيش"، والتي ظهر فيروس كوفيد-19 وغيره من الفيروسات التاجية نتيجةً لها على الأرجح. كما قد يسبب الاختلال بطريقة غير مباشرة تغيير التفاعلات بين الأمراض والدفاعات البشرية، بطرق لا يفهمها العلماء بالكامل بعد.