بدأ السباق لبناء أول حاسوب كميّ ذي جدوى في العالم، حاسوب بوسعه إتاحة القدرة الخاصة بالتقنية التي طالما جرى التعهُّد بها لمساعدة العلماء على إنجاز أشياء مثل تطوير مواد جديدة مُعجزة، وتشفير البيانات بمستوى أمان شبه كامل، والتنبؤ الدقيق بالطريقة التي سيتغير بها مناخ الأرض مستقبلًا. هذا الجهاز قد يفصلنا عنه ما يزيد على عقد من الزمان، غير أن شركات آي بي إم، ومايكروسوفت، وجوجل، وإنتل، وغيرها من الشركات التي لها ثقلها في مجال هذه التقنية، تسارع لاهثةً في استعراض أي إنجاز لأبسط الخطوات التدرُّجية على الطريق إلى تحقيق هذا. أغلب معالم هذا الطريق تنطوي على تكديس المزيد والمزيد من البِتات الكميَّة على شريحة المُعالج (البِتات الكميَّة يُطلق عليها qubits بالإنجليزية، والبِت الكمّي هو الوحدة الأساسية للمعلومات في الحاسوب الكمّي). إلا أن الطريق المؤدية إلى الحوسبة الكمِّيَّة تنطوي على ما يتجاوز بكثير مجرد التحصل على مجموعة جسيمات دون ذرية.

من الممكن أن يُمثل البِت الكميّ 0 و1 في الوقت عينه، وهي ظاهرة كميّة متفردة تُعرف في الفيزياء بالتراكب Superposition. تسمح هذه الظاهرة للبِتات الكمية بإجراء عدد ضخم من الحسابات دُفعةً واحدة، مما يزيد من سرعة الحوسبة وقدرتها زيادةً هائلة. ولكن هناك أنواعًا مختلفة من البتات الكميّة، فليست جميعها على قدم المساواة. على سبيل المثال، في شريحة واحدة من شرائح السيليكون الكميّة القابلة للبرمجة، تعتمد مسألة ما إذا كان البِت 1 أو 0 على اتجاه دوران إلكترونها. إلا أن البِتات الكميّة جميعها لها سمعة سيئة تتمثل في هشاشتها، والبعض منها يتطلب درجات حرارة تبلغ حوالي 20 ملّي كلفن (أي أبرد 250 مرة من الفضاء السحيق) كي يبقى مستقرًّا.

وبطبيعة الحال، تتجاوز ماهية الحاسوب الكميّ مجرد المُعالج في حد ذاته؛ فهذه النُّظُم التي تنتمي إلى الجيل التالي ستكون بحاجة أيضًا إلى خوارزميات، وبرمجيات، ووصلات بينية، وعدد من التقنيات الأخرى التي لم تُخترع بعد، والمصممة خصيصًى لاستغلال قوة المُعالجة المهولة للنظام، وكذلك السماح بمشاركة النتائج الخاصة بالحاسوب أو تخزينها. يقول جيم كلارك، مدير مجموعة العتاد الكمّي البحثية في معامل شركة إنتل (pdf): "لو لم يكن الأمر بهذا التعقيد لكنّا قد توصَّلنا إلى إنتاج أحد هذه الحواسيب الآن بالفعل". في فترة سابقة من العام الجاري خلال "المعرض الأمريكي لإلكترونيات المستهلكين" U.S. Consumer Electronics Show، طرحت شركة إنتل معالجًا بقدرة 49 بِتًا كمّيًّا أُطلق عليه الاسم الرمزي "تانجل ليك" Tangle Lake. ومنذ سنوات قليلة مضت، أنشأت هذه الشركة بيئةً للاختبار الافتراضي لبرمجيات الحوسبة الكميّة، وتستغل هذه البيئة الحاسوب الفائق ذا القدرات الكبيرة "ستامبيد" Stampede (الموجود بجامعة تكساس في أوستن) لمحاكاة مُعالج تصل قدرته إلى 42 بِتًا كمّيًّا. إلا أنهم سيحتاجون -للوصول إلى استيعاب حقيقي لكيفية تصنيع برمجيات للحواسيب الكمِّيَّة- إلى أن يكونوا قادرين على محاكاة المئات أو حتى الآلاف من البِتات الكميّة، وذلك وفق كلارك.

تحدثت مجلة "ساينتفك أمريكان" Scientific American مع كلارك حول المنهجيات المختلفة التي تُتَّبَع لبناء حاسوب كمّي، وحول السبب الذي يجعل من هذه الحواسيب شديدة الهشاشة، وسبب استغراق الأمر كله لهذه المدة الطويلة جدًّا.

[فيما يلي تفريغ مُحرر لنص المقابلة]

ما وجه الشبه بين الحوسبة الكميّة والحوسبة التقليدية؟

أحد المجازات الشائعة التي تُستخدم للمقارنة بين الاثنتين هو العملة المعدنية. في معالج الحاسوب التقليدي، يكون وضع الترانزستور إما لأعلى أو لأسفل -طرّة أو نقش [كما في حالة العملة المعدنية]. ولكن، إن سألتك عمّا إذا كانت العملة على وجه الطرّة أم النقش حين تكون في حالة الدوران، فربما يمكنك القول إن الإجابة هي كلاهما. هذا هو المبدأ الذي يُبنى عليه الحاسوب الكمّي؛ فبدلًا من البِت التقليدي الذي إما أن يكون 0 أو 1، تجد لديك بِتًا كميًّا يمثل 0 و1 على نحوٍ متزامن، وذلك وصولًا إلى توقُّف هذا البِت الكمّي عن الدوران ودخوله في حالة سكون.

في حالة الحاسوب الكمّي، يتسم فضاء الحالة -أو القدرة على حصد عينات عدد كبير جدًّا من التراكيب المحتملة- بالزيادة المطردة الأسِّيَّة. وإذا استخدمنا مجاز العملة المعدنية لأبعد من هذا، فلنتخيل أن لديّ عملتين معدنيتين في يدي، وأنني ألقيت بهما في الهواء في الوقت ذاته. بينما هما يدوران، يمكن لهما أن يُمثلا أربع حالات ممكنة. وإذا ألقيت ثلاث عملات معدنية في الهواء، فإنها ستمثل ثماني حالات محتملة. وإذا كان لديّ 50 عملة معدنية وألقيت بجميعها في الهواء وسألتك عن عدد الحالات التي تمثلها، فستكون إجابتك: عدد من الحالات يتجاوز ما هو ممكن مع أضخم الحواسيب الفائقة الموجودة في عالمنا حاليًّا. ولو كان لدينا ثلاثمئة عملة معدنية -وهو لا يزال رقمًا صغيرًا نسبيًّا- فإن هذا سيمثل حالات تتجاوز عدد الذرات الموجودة في الكون كله.

ما السر وراء هشاشة البِتات الكميّة؟

الواقع أن العملات المعدنية، أو البِتات الكميّة، تتوقف عن الدوران في نهاية المطاف، وينتهي بها الأمر إلى الاستقرار على حالةٍ بعينها، سواء على الطرّة أو النقش. ويتمثل الهدف في الحوسبة الكميَّة في الإبقاء على دوران البِتات في تراكُب للعديد من الحالات لفترة طويلة. تخيل أن لديّ عملة تدور على طاولة، وأحدهم يهزّ هذه الطاولة. من الممكن أن يؤدي ذلك إلى سقوط العملة المعدنية على نحوٍ أسرع. إن الضوضاء، أو التغيُّر في درجة الحرارة، أو التذبذب الكهربائي، أو الاهتزاز يمكنها جميعًا أن تُحدث خللًا في عمل البِت الكمّي وأن تتسبب في فقدانه لبياناته. إحدى طرق الإبقاء على استقرار أنواع بعينها من البِتات الكميّة هي إبقاؤها على درجة حرارة منخفضة جدًّا. تعمل بتاتنا الكميّة داخل ثلاجة تخفيف يبلغ حجمها تقريبًا حجم أسطوانة سعتها 55 جالونًا، ويُستخدم لهذه البِتات نظيرٌ للهيليوم ذو طبيعة خاصة لتبريدها بمقدار كسر من الدرجة فوق الصفر المطلق (أي حوالي -273 درجة مئوية).

ما أوجه اختلاف أنواع البِتات الكميّة بعضها عن بعض؟

قد يكون هناك ما لا يقل عن ستة أو سبعة أنواع مختلفة من البِتات الكميّة، ويُحتمل أن ثلاثة أو أربعة منها يجري أخذها في الاعتبار بشكل جاد تمهيدًا لاستعمالها في الحوسبة الكميّة. وتكمن الفروق في الطريقة التي نتلاعب بها في البتات الكميّة، والطريقة التي نستخدمها لجعل البتات يخاطب بعضها بعضًا. نحن في حاجة إلى أن يخاطب اثنان من البِتات الكمّية بعضهما بعضًا لإجراء عمليات حسابية كبيرة "متشابكة"، وللأنواع المختلفة من البِتات الكميّة طرائق مختلفة للتشابك. والنوع الذي سبق أن وصفته بأنه بحاجة إلى تبريد شديد جدًّا يُعرف بالنظام فائق التوصيل، وهو ما يشمل المعالج "تانجل ليك"، وكذلك الحواسيب الكميّة التي تعكف شركتا جوجل وآي بي إم وغيرهما من الشركات على بنائها حاليًّا. ثمة منهجية أخرى تَستخدم الشحنات المُتذبذبة للأيونات المُحْتَجزة (المُستقرة في مكانها في حجرة مفرغة بفعل أشعة الليزر)، بحيث تعمل كبِتات كميَّة. ولا تُطور شركة إنتل نُظُمًا للأيونات المُحْتَجزة؛ لأن تلك النُّظم تتطلب معرفةً عميقةً بأشعة الليزر والبصريات، وهي معرفة ليست متوافقة بالضرورة مع نقاط قوتنا.

وعليه، فإننا بصدد دراسة نوع ثالث نُطلق عليه اسم "البِتات الكميّة السيليكونية الدوَّارَة"، وهذه البِتات تشبه تمامًا الترانزستور السيليكوني التقليدي، غير أنها تعمل باستخدام إلكترون وحيد. وتستخدم البِتات الكميَّة الدوَّارَة النبضات الميكروية للتحكم في دوران هذا الإلكترون حتى تستخرج قوتها الكميَّة. في يومنا هذا تُعتبر هذه التقنية أقل نضجًا ببضع سنوات من تقنية البِتات الكميّة فائقة التوصيل، ولكنها يُحتمل أن يكون لها إمكانيات أكبر بكثير من حيث قابليتها للتطوير وقابلية طرحها في الأسواق.

وكيف يمكنكم الوصول إلى غايتكم انطلاقًا من المرحلة الراهنة؟

تتمثل الخطوة الأولى في صناعة هذه الرقائق الكميَّة. في الوقت نفسه، نحن قمنا بالفعل بصناعة مُحاكٍ على أحد الحواسيب الفائقة. عندما نشغِّل محاكي إنتل الكمّي، يحتاج الأمر إلى حوالي 5 تريليونات ترانزستور لمُحاكاة 42 بِتًا كمّيًّا. وقد يتطلب الأمر مليون بِت كمّي أو أكثر لتحقيق القابلية للتسويق بشكل تجاري، ولكن عند البدء بمُحاكٍ كهذا سيكون بوسعنا إنشاء البنية الأساسية والمحولات البرمجية والخوارزميات. وإلى أن نصل إلى امتلاك أنظمة مادية تتراوح قدرتها من بضع مئات إلى ألف بِت كمّي، سيبقى نوع البرمجيات أو التطبيقات التي سنتمكن من تشغيلها غير واضح على وجه الدقة. لدينا اثنان من المسارات التي يمكن اتباعها لزيادة حجم النظام، أحدهما عبر إضافة المزيد من البِتات الكميّة، الأمر الذي من شأنه أن يشغل مساحة مادية أكبر. وتكمن المشكلة في أنه إذا كانت غايتنا هي التوصُّل إلى حواسيب قدرة الواحد منها مليون بِت كميّ، فحينها لن تكون هذه الحسابات تسير على نحوٍ مُرضٍ من حيث التحديث والتطوير. ويعمل المسار الثاني من خلال تقليص الأبعاد الداخلية للدائرة المُدمجة، غير أن هذا النهج غير وارد مع النظام فائق التوصيل، إذ يميل هذا النظام إلى أن يكون كبير الحجم. إن البِتات الدوَّارَة أصغر بمليون مرة، وهذا هو أحد الأسباب التي تدعونا لدراستها بوصفها خيارًا آخر.

وبخلاف ذلك، نحن نرغب في تحسين جودة البِتات الكميّة، الأمر الذي سيساعدنا على اختبار الخوارزميات وبناء نظامنا. ويشير مصطلح الجودة إلى الدقة التي يتم بها تمرير المعلومات بمرور الوقت. ورغم أن الكثير من أجزاء النظام سيُحَسِّن الجودة، فإن التطورات الأكبر على الإطلاق ستحدث عن طريق هندسة المواد، وأيضًا التحسينات التي تجري على دقة النبضات الميكروية وغيرها من إلكترونيات التحكم.

عقدت اللجنة الفرعية المختصة بالتجارة الرقمية وحماية المستهلك، التابعة لمجلس النواب الأمريكي، جلسة استماع مؤخرًا حول الحوسبة الكميَّة. فما الذي يود المشرِّعون معرفته بخصوص هذه التقنية؟

هناك عدد من جلسات الاستماع المقبلة مع عدد من اللجان المختلفة. إذا ألقينا نظرةً على الحوسبة الكميَّة، فسيقول البعض إن هذه هي التقنية الحوسبية التي ستسود خلال المئة عام المقبلة، فمن الطبيعي أن تسعى الحكومة الأمريكية وغيرها من الحكومات إلى امتلاكها. ولدى الاتحاد الأوروبي مشروع رائد تقدَّر قيمته بمليار دولار من المخطط أن يقوم بتمويل أبحاث الكمّ في أرجاء الاتحاد الأوروبي. وأعلنت الصين في الخريف الماضي عن منشأة بحثية بقيمة 10 مليارات دولار، ينصبُّ تركيزها على علوم المعلومات الكميَّة. والسؤال هو: ما الذي يمكننا أن نفعله كدولة على المستوى القومي؟ قد يؤدي وجود استراتيجية قومية للحوسبة الكميّة إلى تشجيع الجامعات والحكومة والشركات العاملة في المجال على التآزر معًا من أجل تطوير جوانب مختلفة من هذه التقنية. ولا شك في أن المعايير تُعَدُّ أمرًا منطقيًّا للغاية من منظور هندسة الاتصالات أو البرمجيات. وكذلك تمثل قوة العمل اللازمة إحدى المشكلات؛ فعندما أعرض –في الوقت الحالي- منصبًا شاغرًا لخبير في الحوسبة الكميّة، فإن ثُلثي المتقدمين للوظيفة يأتون على الأرجح من خارج الولايات المتحدة.

ما أثر الحوسبة الكميَّة على تطوير الذكاء الاصطناعي، إذا كان لها أي أثر في هذا الصدد؟

في الحالة النموذجية، تكون أولى الخوارزميات الكميّة التي يتم اقتراحها هي تلك المستخدَمة في أغراض الأمان (كالتشفير) أو النمذجة الكيميائية ونمذجة المواد. وبشكل أساسي تُعَد هذه المشكلات عصيّةً على الحل باستخدام الحواسيب التقليدية. وبالتالي، ثمة عدد كبير من الأوراق البحثية والشركات الناشئة والمجموعات البحثية الجامعية المنشغلة بالبحث في مجالات كالتعلم الآلي والذكاء الاصطناعي باستخدام الحواسيب الكميّة. وبالنظر إلى الإطار الزمني لتطور الذكاء الاصطناعي، أتوقع أن يكون للرقائق التقليدية التي تم تطويرها تحديدًا لأغراض خوارزميات الذكاء الاصطناعي أثرٌ أكبر على هذه التقنية مقارنةً بالرقائق الكميّة. ومع ذلك، يُعَد الذكاء الاصطناعي بلا شك من مستهدفات الحوسبة الكميَّة.

متى سنرى حواسيب كميَّة فعَّالة تعمل على حل مشكلات واقعية؟

ظهر أول ترانزستور عام 1947، وتبعته أول دائرة مُدمجة عام 1958. وأول مُعالج دقيق من شركة إنتل -الذي اشتمل على حوالي 2,500 ترانزستور فقط- لم يظهر سوى عام 1971. لقد كان يفصل بين كل اثنتين من هذه العلامات البارزة على الطريق أكثر من عقدٍ كامل. يُخيَّل للناس أننا قاب قوسين أو أدنى من إنتاج الحواسيب الكميَّة، لكن التاريخ يثبت لنا أن حالات كتلك من التقدم المُحرَز تستغرق وقتًا طويلًا. إذا امتلكنا بعد 10 سنوات من الآن حاسوبًا كميًّا يحوي بضعة آلاف من البِتات الكميّة، فإن هذا كفيل بلا شك بتغيير العالم، بالطريقة نفسها التي غيَّر بها أول مُعالج دقيق عالمنا. لقد قلنا دائمًا -وقال آخرون- إن 10 سنوات هي ما يفصلنا عن الحواسيب الكميَّة. والبعض يقول إن الأمر يحتاج إلى ثلاث سنوات فحسب للتوصل إليها، أما أنا فأزعم أن هؤلاء ليس لديهم تفهُّم دقيق لمدى تعقيد هذه التقنية