ملحوظة من المحرر (13/4/2021): أعلنت اليوم إدارة الغذاء والدواء الأمريكية ومراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، توصيتهما بوقف استخدام لقاح "جونسون آند جونسون" Johnson & Johnson المضاد لـ"كوفيد-19" في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك حتى ينتهي العلماء من دراسة علاقة محتملة، وإن كانت نادرة، بين تلقي هذا اللقاح وحدوث جلطات مصحوبة بانخفاض في أعداد الصفائح الدموية، ظهرت الحالة على ستة أشخاص من أصل سبعة ملايين شخص تقريبًا تلقوا هذا اللقاح في الولايات المتحدة الأمريكية، ويبدو أن هذه الحالة تشبه تلك التي شوهدت عند أعداد قليلة ممن تلقوا لقاح "أسترازينيكا" AstraZeneca في أوروبا، وهو ما جاء وصفه في الخبر أدناه، يتكوَّن اللقاحان من فيروس غداني بوصفه ناقلًا للحمض النووي لإنتاج البروتين الشوكي الخاص بفيروس كورونا الجديد، وقد شدد مسؤولون أمريكيون على أن هذه الظاهرة شديدة الندرة، وأنهم أوقفوا استخدام لقاح "جونسون آند جونسون" بدافع الحرص الزائد وفق تعبيرهم، أما اللقاحات الأخرى المصرح باستخدامها في البلاد، مثل ذلك الذي أنتجته شركة "فايزر" Pfizer، والذي تنتجه شركة "موديرنا" Moderna، فهي لا تزال آمنةً وفعالة.

الوقائع شديدة الندرة لاضطراب تجلط الدم الغامض بين بعض متلقي لقاح "أوكسفورد أسترازينيكا" المضاد لـ"كوفيد-19" دفعت الباحثين لمحاولة معرفة ما إذا كان يمكن للقاح أن يتسبب في حدوث تفاعل غريب كهذا، والآلية التي تتحكم في ذلك.

بعد أسابيع من الدراسة، أعلنت وكالة الأدوية الأوروبية (EMA) في السابع من أبريل عن وجود علاقة محتملة بين الجلطات وتلقِّي اللقاح، وبالرغم من ذلك، فقد صرحت إمير كوك، المديرة التنفيذية للوكالة، في حديثها للصحفيين بأن اضطراب التجلُّط، الوارد وصفه في دورية "ذا نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسين" The New England Journal of Medicine، هو اضطراب شديد الندرة، وبشكل يجعل فوائد اللقاح تتفوق على مخاطره، وقالت كوك: "هذه الأعراض الجانبية نادرة للغاية؛ فخطر الوفاة بسبب "كوفيد" يتجاوز بمراحل خطر الوفاة من هذه الأعراض الجانبية".

على الناحية الأخرى، فإن هذه النتائج جعلت الباحثين في حالة استنفار لحل هذا اللغز الطبي، بغرض معرفة السبب الذي يجعل اللقاح سببًا في حالة غريبة كهذه؟ تقول سابيني إيشنجر، عالِمة أمراض الدم بجامعة فيينا الطبية: "بطبيعة الحال لدينا بعض الفرضيات؛ فقد يكون للأمر علاقة بالناقل، أو ربما بأحد مكونات اللقاح، أو بشيء خاص بعملية التصنيع... لا أعلم قد يكون أيًّا من تلك الأسباب".

مواقع غير معتادة

كانت إيشنجر ضمن أوائل مَن لاحظوا اضطراب التجلط، الذي يتضمن مزيجًا غريبًا من الجلطات الدموية الخطيرة التي قد تسبب الوفاة إذا سدت تدفُّق الدم إلى المخ أو الرئتين، إلى جانب ظهور نقص غير متوقع في خلايا صغيرة تُسَمَّى الصفائح الدموية تُسهم في عملية التجلُّط نفسها، كما حدثت التجلطات في أماكن غير معتادة في الجسم، مثل المخ ومنطقة البطن بدلًا من الساقين اللذين تتشكل فيهما أغلب التجلطات الدموية الوريدية العميقة.

لفت هذا الأمر انتباه إيشنجر، التي كانت قد صادفت في السابق ظاهرةً مماثلةً عند عدد قليل من المرضى الذين عولجوا بدواء الهيبارين المضاد للتجلط، يُستخدم الهيبارين في العادة لمنع حدوث تجلطات، ولكن في حالات شديدة الندرة، قد يتسبب في حدوث متلازمة تسمى نقص الصفائح الدموية الناتج عن الهيبارين (HIT)، التي تتسبب في حدوث تجلطات دموية بالتزامن مع انخفاض في مستويات الصفائح الدموية.

وبحلول الثاني والعشرين من مارس، جمعت وكالة الأدوية الأوروبية 86 تقريرًا لأشخاص أصيبوا بجلطات دموية في المخ أو البطن، خلال أسبوعين من تلقِّي جرعة من لقاح "أسترازينيكا" الذي طورته شركة "أسترازينيكا" في كامبريدج بالتعاون مع جامعة أوكسفورد في بريطانيا، وتأكد ظهور العلامات الخاصة بمتلازمة نقص الصفائح الدموية الناتج عن الهيبارين في بعض الحالات، على الرغم من أن هؤلاء الأشخاص لم يتلقوا عقار الهيبارين.

عوامل خطورة

طلبت وكالة الأدوية الأوروبية من شركة "أسترازينيكا" إجراء مجموعة من الدراسات، من بينها أبحاث مختبرية لمعرفة تأثير اللقاح على تجلط الدم، وكذلك إجراء تقييم لبيانات من تجارب إكلينيكية في محاولة للحصول على المزيد من المعلومات بشأن عوامل الخطورة، وعلى الرغم من وجود تقارير تفيد بأن المتلازمة تحدث في النساء أكثر منها في الرجال، وعلى وجه التحديد فيمن تقل أعمارهن عن 60 عامًا، فلم تتمكن وكالة الأدوية الأوروبية من إثبات أن النساء أكثر تعرُّضًا للإصابة بها، جدير بالذكر أن دولًا كثيرة أعطت الأولوية للعاملين بالقطاع الطبي للحصول على اللقاح، وتشكل النساء الشريحة الكبرى من القوى العاملة بهذا القطاع.

تدعم الوكالة كذلك دراساتٍ يُجريها ائتلافان أكاديميان في هولندا، أحدهما يقوده المركز الطبي التابع لجامعة إيراسموس في روتردام، والآخر يقوده باحثون من جامعة أوتريخت والمركز الطبي التابع لجامعة أوتريخت.

قائمة الفريق الذي سيتولى المشروع البحثي طموحة؛ فالائتلاف الذي يشارك في رئاسته عالِم الفيروسات إيريك سي إم فان جورب في إيراسموس يتألف من 22 مستشفى كانت تعمل معًا لدراسة تأثيرات فيروس كورونا على تجلط الدم، سيبحث الفريق عن حالات إصابة محتملة بمتلازمة نقص الصفائح الدموية الناتج عن الهيبارين بين المصابين بالتجلطات الدموية عقب تلقِّي لقاح "أوكسفورد أسترازينيكا" وغيره من لقاحات "كوفيد-19"، كما سيُجري الائتلاف أبحاثًا مختبرية للبحث عن أدلة على أنه بالإمكان تخفيض نسبة الخطورة الصغيرة تلك، عن طريقة تقليل كمية اللقاح الذي يتلقاه الشخص في كل مرة.

ويقول بيتر أرليت، رئيس فريق عمل تحليل البيانات والمناهج Data Analytics and Methods التابع لوكالة الأدوية الأوروبية: إن الوكالة تتوقع الحصول على بعض النتائج من المشروعين في غضون الشهرين المقبلين، كما سيحاول الفريق كذلك معرفة ما إذا كانت هذه المشكلة مقتصرةً على شعوب معينة، يقول فان جورب: "ما نشهده في غرب أوروبا ليس من الضروري أن نراه في أمريكا الجنوبية أو أيٍّ من الشعوب الأخرى، هذه مشكلة عالمية، والجميع يشعرون بالقلق".

سيسعى فان جورب وزملاؤه حثيثًا لإجراء المزيد من الدراسات لمعرفة ما إذا كانت العلاقة المحتملة بين اللقاح والمتلازمة حقيقية، ومن المعروف أنه يصعب تأكيد ما إذا كان أحد الآثار النادرة المشتبه فيها للقاحٍ ما مرتبطًا به بالفعل، خاصةً حينما يكون اللقاح قد استُخدِمَ بالفعل في حالة عشرات الملايين من الأشخاص، ووفق قول طبيب القلب بيهنود بيكديلي من مستشفى بريجهام آند وومين في بوسطن بولاية ماساتشوستس: "قد يصاب أحد متلقي اللقاح بجلطة أو أزمة قلبية بعد حصوله على اللقاح بأسبوع لأنه كان سيصاب بالفعل بجلطة أو أزمة قلبية سواء تلقى اللقاح أم لا"، ويضيف قائلًا: "من الجيد أن ننتبه إلى هذه الأشياء بينما نمضي قدمًا في جمع البيانات، ولكن عدد الحالات ومعدلات حدوثها منخفضة على نحو ملحوظ".

أسباب خفية

يُعرب بيكديلي عن أمله في أن يجمع الباحثون ويتشاركون مزيدًا من البيانات حول معدلات حدوث متلازمة التجلُّط هذه في الفئات غير الملقحة، ويقول إن الوعي الزائد بشأن العلاقة المحتملة بين اللقاح والمتلازمة يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع معدلات الإبلاغ عن هذه الحالة بين مَن تلقوا اللقاح مقارنةً بمَن لم يتلقوه، مما قد يضخم بالخطأ من تقدير معدلات حدوث المتلازمة، وقد تشمل هذه المخاوف اللقاحات الأخرى لفيروس كورونا.

يحرص باحثون آخرون على فهم ما الذي يسبب المتلازمة، كان يُعتَقَد أن متلازمة نقص الصفائح الدموية الناتج عن الهيبارين ناجمة عن رد فعل مناعي ضد المركَّبات التي تتشكل نتيجةً لاتحاد جزيئات الهيبارين سالبة الشحنة مع جزيئات البروتين موجبة الشحنة المسماة عامل الصفيحات 4، والتي تؤدي دورًا مهمًّا في عملية التجلط، ونتيجةً لذلك تنشط الصفائح الدموية، مما يؤدي إلى انطلاق سلسلة من التفاعلات، ويقول جون كيلتون، طبيب أمراض الدم بجامعة ماك ماستر في هاميلتون في كندا، الذي درس متلازمة نقص الصفائح الدموية الناتج عن الهيبارين على مدار 40 عامًا: "بمجرد أن تنشط الصفائح الدموية، يصبح الوضع وكأنك وضعت عود كبريت مشتعلًا في كومة قش؛ فهي توظف المزيد والمزيد من الصفائح الدموية التي تنفجر عندما تنشط مُنتجةً مادةً مثيرةً للتجلط، متلازمة نقص الصفائح الدموية الناتجة عن الهيبارين تشبه حرائق الغابات؛ إنها تستمر ذاتيًّا".

على الرغم من أنه سبق تسجيل حالات شديدة الندرة لمتلازمة نقص الصفائح الدموية الناتجة عن الهيبارين في غياب العلاج بالهيبارين، ولكن ذلك كان يحدث بالتزامن مع محفزات يُشتبه في وجود دور لها، مثل الإصابة بعدوى، أو الخضوع لجراحة استبدال الركبة مع تلقِّي علاج بأدوية سالبة الشحنة شأنها في ذلك شأن الهيبارين، يتذكر كيلتون حالة عمل عليها قبل أعوام لسيدة أربعينية تعاني جلطات كارثية وكانت هذه السيدة لا تتلقى الهيبارين، ويقول كيلتون: "أجرينا اختبارات على دمها، ووجدنا تفاعلات تشبه تمامًا تلك التي سُجِّلت للقاح أسترازينيكا".

يعمل مختبر كيلتون حاليًّا على مدار الساعة لمعرفة السبب الذي قد يكون وراء ظهور أعراض تشبه متلازمة نقص الصفائح الدموية الناتجة عن الهيبارين في الأشخاص الذين تلقوا اللقاح، ويثق بأن مختبرات أخرى تفعل الأمر ذاته، ويقول كيلتون إنها ظاهرة صعبة في الدراسة؛ فندرتها تجعل الحصول على عينات من المرضى أمرًا صعبًا، كما لا توجد نماذج حيوانية جيدة يمكن دراستها.

ويقول فان جورب إن من نتائج هذا النشاط زيادة التركيز على العلاقة بين النظام المناعي وتجلُّط الدم، مما قد يقدم معلومات تساعد على المزيد من التطوير للقاحات، ويقول: "سنشهد ظهور سلالات جديدة من فيروس كورونا، وسنطور لقاحات جديدة، نحتاج إلى الحصول على إجابات من أجل المستقبل.

أُعيد إنتاج هذه المقالة بعد الحصول على إذن بذلك، وقد نُشِرَت لأول مرة في 9 أبريل 2021.