أدى انفجار هائل وقع في منطقة مرفأ بيروت هذا الأسبوع إلى تدمير العديد من المباني المجاورة وإحداث أضرار جسيمة وتحطُّم النوافذ في جميع أنحاء المدينة، مما أسفر عن مقتل أعداد كبيرة من الأشخاص وإصابة آلاف غيرهم. ومع انتشار مقاطع الفيديو المُصوَّرة التي عرضت لقطات للكارثة على مواقع التواصل الاجتماعي، سرعان ما بدأ الناس في جميع أنحاء العالم في التكهُّن بالأسباب التي أدت إلى وقوع الكارثة.

صرحت مصادر تابعة للحكومة اللبنانية في نهاية الأمر أن الانفجار كان سببه نحو 2750 طنًّا من نترات الأمونيوم، وهي مادة كيميائية عادةً ما تُستخدَم كسماد زراعي، وعند امتزاجها بالنفط، يمكن استخدامها كمتفجرات في المناجم. ظل ذلك المخزون قابعًا في أحد المستودعات بميناء بيروت منذ عام 2014، عندما تخلى مُلاك السفينة التي حملت الشحنة إلى الميناء عنها. ولا تُعد هذه الواقعة هي الأولى التي تُسبِّب فيها مادة نترات الأمونيوم مثل هذا الدمار. ففي عام 2013، على سبيل المثال، أدت كمية مخزونة يبلغ مقدارها عُشر المخزون الذي كان موجودًا في ميناء بيروت إلى تدمير منشأة تابعة لشركة «ويست كيميكال أند فيرتيلايزر» West Chemical and Fertilizer في ولاية تكساس.

يتولى خبراء مثل المهندسَين سوزان سميث وراسل أوجل التحقيق في أسباب مثل هذه النوعية من الحرائق والانفجارات ومصادرها، في محاولة لمنع وقوع كوارث مستقبلية مماثلة. وجدير بالذكر أن سميث تعمل في منصب المهندسة المسؤولة، أما أوجل فيعمل مديرًا للممارسة في شركة «إكسبوننت» Exponent، وهي شركة استشارات هندسية وعلمية أمريكية متعددة التخصصات. وقد حاورت مجلة «ساينتفك أمريكان» الخبيرين حول الكيفية التي يتوصل بها محققو الانفجارات إلى الأسباب الجذرية لحادثةٍ ما، والظروف التي يمكن أن تؤدي إلى انفجار نترات الأمونيوم.

[فيما يلي نسخة مُحرَّرة من المقابلة]

كيف يمكننا التحقيق لمعرفة السبب وراء وقوع انفجار أو حريق معين؟

سميث: نعتمد في الأساس على استخدام المنهج العلمي؛ إذ نذهب إلى موقع الحادثة ونجمع مجموعة من البيانات، التي يمكن أن تتنوع مصادرها بين مقاطع الفيديو، والوثائق، والمقابلات، والبحث عن الأدلة على الأرض. وبمجرد أن نحصل على هذه البيانات، نبدأ في وضع الفرضيات. ومن الأمور التي نحاول توخي الحذر الشديد بشأنها عدم وضع الفرضيات في مرحلة مبكرة للغاية من عملية التحقيق. ليس لدينا الكثير من المعلومات [بشأن حادثة بيروت]، لكننا شاهدنا مقاطع الفيديو المصورة للانفجار. لقد رأينا الموجة الصدمية، وفي الحقيقة من النادر جدًّا رؤية مشهد كهذا. ما نقصده هو ذلك الشكل الدائري الأبيض الرقيق للغاية وهو يتحرك بعيدًا عن موقع الانفجار. وما نراه في الواقع هو بخار الماء المتكثف الناتج من الهواء بسبب الضغط المنخفض للغاية الواقع خلف الموجة التصادمية ذات الضغط العالي مباشرة. ومن ثمَّ رأيناه يختفي على الفور؛ لأنه يتبخر بمجرد أن يتعادل الضغط. يمكننا أن نرى موجة الصدمة الفعلية، ومن ثَمَّ نعرف أن الانفجار قد وقع بالفعل، وثمة أشياء معينة فحسب هي التي يمكن أن تُحدث الانفجار.

ما المقصود بالانفجار؟

أوجل: تنتقل موجة الصدمة بسرعة تفوق سرعة الصوت، وهذه هي السمة المميزة للانفجار. ثمة نوعان من تفاعلات التحلل التي تُميِّز نترات الأمونيوم حين تكون بصدد البدء في اكتساب ضغطٍ كافٍ لإحداث الدمار. يُسمَّى النوع الأول بالاشتعال، وهو عبارة عن موجة -موجة تفاعل كيميائي حقيقية- تنتقل عبر المادة بسرعة أبطأ من سرعة الصوت. ومع استمرار تلك الموجة في الحركة، تبدأ في التسارع. وإذا وصلت إلى النقطة التي تبلغ فيها سرعة الصوت، فهذا ما نسميه بالانفجار. وينتج عن الانفجار آثار تُلحق ضررًا أكبر بالأشياء مثل الهياكل الإنشائية والمباني.

ما الذي يمكن اكتشافه أيضًا من لقطات الفيديو التي تُصوِّر حادثة بيروت؟

سميث: في أغلب الأحيان، عندما نحلل مقطع فيديو مُصورًا، نبحث عن تسلسل الأحداث وتوقيتها. وعندما نحقق في انفجار وقع، عادةً ما تكون هناك أضرار ناتجة عن الانفجار وأضرار أخرى ناتجة عن الحريق. ودائمًا ما نضع نصب أعيننا أن نكتشف هل بدأت الأمور بحريق أعقبه انفجار أم بانفجار تلاه حريق؟ ومقطع الفيديو الذي شاهدناه، والذي يُظهر حدوث حريق قبل الانفجار كان مفيدًا للغاية.

أوجل: ثمَّة سحابة مُميَّزة للغاية ذات لون بني مائل إلى الاحمرار تصاعدت بعد الانفجار. الأمر لا يعادل بالتأكيد إجراء تحليل كيميائي، ولكن [السحابة] مُميَّزة للغاية ومتسقة تمامًا مع نواتج تحلُّل نترات الأمونيوم؛ والناتج الأساسي عن هذا التحلل هو أكسيد النيتروجين. أعتقد -من خلال الرؤية البصرية على الأقل- أن ثمة إمكانية لتأكيد إسهام نترات الأمونيوم في التفاعل الكلي.

ما الذي يمكن أن يُسبِّب انفجار نترات الأمونيوم؟

أوجل: تتميز نترات الأمونيوم بالاستقرار في ظل الظروف العادية، ولكن ثمَّة أمورًا يمكن أن تؤدي إلى اختلال هذا الاستقرار. ولعل المحرك الرئيسي لذلك هو مصدر حرارة خارجي. ويمكننا إحصاء ما يتراوح بين عشرين إلى ثلاثين انفجارًا كارثيًّا كبيرًا كانت نترات الأمونيوم ضالعةً فيه منذ ظهورها على الساحة في صورة مُنتَج تجاري في عشرينيات القرن الماضي، ويعتمد العدد الدقيق على الطريقة التي ستستخدمها في العد. وكثيرًا ما تكون النار هي المحرك الرئيسي؛ فالحرارة المنبعثة من النار هي التي تؤدي إلى تسخين نترات الأمونيوم، وهو ما يمكن أن يسبب مشكلة. إذا تعرضت نترات الأمونيوم للتسخين بواسطة مصدر حراري كبير مثل حريق، فإنها تبدأ في التحلل، وقد يكون هذا التحلل خفيفًا وغير ضار، كما يمكن أن يكون كارثيًّا.

يتمثل الفارق بين الحالتين فيما إذا كانت نترات الأمونيوم مُكدَّسةً معًا أم لا. فكِّر في الأمر كما لو أنك أشعلت نارًا في الهواء الطلق باستخدام كومة من الأخشاب. حين تُشعل تلك النار، فإن الأخشاب المحيطة بها تحبس الحرارة، مما يؤدي إلى تسريع عملية الاحتراق وجعل النار تشتعل بصورة أكبر. أما إذا وزَّعت تلك الأخشاب، فإن الحرارة تتسرب إلى الجو المحيط دون إحداث ضرر. ينطبق الشيء نفسه على نترات الأمونيوم إذا جرى تكديسها مثلًا فيما يُسمَّى بالأجولة الفائقة (وهي حاويات مرنة يمكن للواحدة منها [في الغالب] استيعاب كمية تُقدَّر بطن [متري] واحد). فإذا كدَّست تلك الأجولة بعضها فوق بعض من دون السماح بتدفق الهواء بينها، فإن الحرارة التي تتولد في أثناء التحلل تُحبس ولا تتمكن من الخروج. وهذه الحرارة ترفع من درجة الحرارة وتُسرِّع من وتيرة التحلُّل، ولا يوجد ما يمكن أن يوقف ذلك.

مع وجود ذلك المخزون من نترات الأمونيوم في بيروت، ما الاحتياطات التي كان يجب اتخاذها؟

أوجل: في الولايات المتحدة، نلجأ إلى منظمة [غير ربحية] تُسمَّى «الجمعية الوطنية للحماية من الحرائق» لتزويدنا بالإرشادات حول كيفية التعامل بأمان مع أشياء مثل المواد الخطرة. فإذا تجاوزت حدًّا معينًا لكمية المواد المخزونة -مثل نصف طن [متري] [من نترات الأمونيوم]- فإنك بحاجة إلى اتباع نهج أكثر دقةً وتعقيدًا فيما يتعلق بكيفية تخزين المادة والتعامل معها للحفاظ على سلامتها. أما إذا كان لديك 2750 طنًّا [متريًّا]، فإن أول شيء يجب عليك فعله على الإطلاق هو أن تنقل تلك المواد بعيدًا عن السكان؛ إذ إنها تمثل خطرًا هائلًا.

عند التحقيق في وقوع انفجار، ما الأدلة الأخرى التي تبحثون عنها؟

سميث: إن وجود حفرة تشبه الفوهة البركانية هو مؤشر آخر على حجم الانفجار وما يمكن أن يكون ضالعًا في حدوثه. وكذلك محيط الضرر، فمثلًا: ما المدى الذي وقعت فيه أضرار إنشائية بسيطة؟ وما المدى الذي تحطمت فيه النوافذ؟ وما مدى الأضرار الإنشائية الفادحة؟ يمكنك من خلال النظر إلى مدى الضرر الذي حل بالأشياء تقدير كمية الطاقة أو القوة المنبعثة من الانفجار. ويمكن استخدام هذه النوعية من المعلومات لتأكيد ما حدث بالتحديد. أما إذا كنت تنظر في انفجار صغير حدث داخل مبنى، فيمكنك البحث عن الدلائل والمؤشرات المتعلقة بالاتجاهات، فمثلًا هذا الجدار انهار باتجاه الشمال، أما ذلك الجدار فقد انهار باتجاه الشرق. يمكنك أيضًا أن تُلقي نظرةً على القطع والأجزاء الصغيرة المتناثرة أو القذائف أو الشظايا التي انطلقت في أثناء الانفجار؛ لتقدير مقدار القوة المطلوبة لتحريك تلك الشظية، وكذلك من أين أتت. وفي كثير من الأحيان، نبحث عن شظايا من أجزاء معينة من المعدات لإعادة تجميعها معًا مثل لعبة الأحجية المقطعة؛ فقد نتمكن من إلقاء نظرة على تلك الأجزاء وفهم السبب وراء تحطُّمها بتلك الطريقة. وبطبيعة الحال فإن الأطر الزمنية في غاية الأهمية في مجال عملنا. ويتضمن ذلك على سبيل المثال معرفة المدة التي تعرَّض فيها شيءٌ ما للنار، ومتى وُجَد آخر شخص في الغرفة [و] لاحظ أن كل شيء طبيعي تمامًا، ومتى رأى الناس الدخان لأول مرة، فمن الممكن أن يكون ذلك النوع من [إنشاء] الجداول الزمنية مفيدًا جدًّا لمساعدتنا في [وضع حدود] لما يحدث، إضافة إلى احتمالية استبعاد فرضيات مختلفة.

أوجل: إننا كمَن يبحث عن شذرات صغيرة من الذهب وسط كومة من مواد أخرى من الزغب. لكن ذلك يتطلب إجراء العديد من المقابلات والبحث في الوثائق. ومن بين تلك الأمور، على سبيل المثال، أنه كان ثمة حديث في وسائل الإعلام حول ما إذا كانت هناك ألعاب نارية مُخزَّنة بالقرب من المستودع [الذي جرى تخزين نترات الأمونيوم فيه في العاصمة بيروت] أو ربما في داخل المستودع نفسه. وبالنظر إلى حجم الدمار الذي نراه، فسيكون من الصعب على الأرجح العثور على دليل مادي يدعم ذلك الافتراض. وعلينا حينها أن نعتمد على الأشخاص، وربما المستندات، التي يمكن أن تساعد في تحديد ما إذا كان ثمة مواد أخرى مخزنة في مستودعات مجاورة أو في المستودع نفسه أم لا.