هي معضلة جوهرية في حياة الإنسان، بل قد يزعم البعض أنها أكثر إلحاحًا من حتمية المعاناة والموت. لقد كنت أركز عليها وأتحدث عنها بكثرة مع طلابي طيلة سنوات، ولا شك في أنها صارت تؤرقنا أكثر من أي وقت مضى خلال هذه الحقبة الموبوءة. يطلق الفلاسفة على هذه المعضلة اسم «مشكلة العقول الأخرى»، أما أنا فأفضِّل تسميتها بمشكلة الذاتوية.

من الناحية التقنية، تمثل الذاتوية ضربًا متطرفًا من الشكوكية؛ فهي تتسم بالجنون ولا يمكن دحضها في الوقت ذاته. تنص الذاتوية على أن المرء ذاته هو الكائن الواعي الوحيد في الوجود، وأن الكون قد ظهر للوجود حين صار المرء واعيًا، وسيتلاشى حين يموت. وبقدر الجنون الذي تبدو عليه هذه الفكرة، إلا أنها تستند إلى حقيقة مُرة، مفادها أن كلًّا منا حبيس زنزانة سجن محكمة من الوعي الذاتي. فحتى محادثاتنا الأكثر حميميةً أصبحت تحدث عبر منصة «زووم».

إنك تشعر بعقلك في كل لحظة من لحظات يقظتك، غير أنك لن تستدل على وجود عقول أخرى إلا عبر وسائل غير مباشرة. فيبدو أن الآخرين لديهم تصورات وعواطف وذكريات ومقاصد واعية، مثلك تمامًا، لكنك لا تستطيع التيقن من ذلك. يمكنك أن تُخمّن كيف يبدو العالم بالنسبة لي أنا، بناءً على سلوكياتي وكلماتي، ويتضمن ذلك تلك الكلمات التي تقرأها الآن، لكنك عاجز عن الاطلاع المباشر على ما يجول في ذهني؛ فلربما كنت مجرد إنسان آلي أحمق بالنسبة لك.

لقد غرس الانتخاب الطبيعي في البشر القدرة على ما يسمى بـ«نظرية العقل»، وهي الموهبة التي تتيح لنا تخمين مشاعر الآخرين ونواياهم. إلا أن لدينا أيضًا نزعةً مضادة لخداع بعضنا بعضًا، وللخوف من خداع الآخرين لنا. ويحدث أقصى خداع حين تتظاهر بأنك واعٍ بينما لستَ كذلك.

وتُعرقل مشكلة الذاتوية الجهود المبذولة لتفسير الوعي؛ إذ اقترح العلماء والفلاسفة فرضياتٍ متناقضةً لا حصر لها حول ماهية الوعي وكيفية نشأته. يرى أتباع الفلسفة الروحية الشاملة أن جميع المخلوقات بما فيها المادة الجامدة -حتى البروتونات!– لديها وعي. وعلى النقيض من ذلك، يُصر الماديون المتشددون على أن جميع المخلوقات -بما فيها البشر أنفسهم- لا يمتلكون قدرًا كبيرًا من الوعي.

وتمنعنا مشكلة الذاتوية من التحقق من هذه الادعاءات وغيرها أو تفنيدها؛ فأنا لا أستطيع أن أكون متيقنًا من كونك أنت واعيًا، ناهيك بقناديل البحر، أو روبوتات الجنس، أو مقابض الأبواب. وطالما أننا لا نملك ما سماه عالم الأعصاب كريستوف كوخ «مقياس الوعي» -وهو أداة لقياس درجة الوعي كما يقيس الترمومتر درجة الحرارة- فستظل نظريات الوعي حبيسةَ عالَم التكهنات.

غير أن مشكلة الذاتوية أكبر بكثير من أن تكون مسألةً فلسفيةً تقنية؛ فهي حالة من حالات جنون العظمة، بيد أنها تشكل استجابةً مفهومةً لمشاعر الوحدة الكامنة فينا جميعًا. فحتى لو أنك رفضت الذاتوية باعتبارها موقفًا فكريًّا، فإنك تشعر بها، وجدانيًّا، كلما شعرت بالاغتراب عن الآخرين، وكلما واجهت الحقيقة المفزعة التي تقول إنك لا يمكنك أن تعرف شخصًا آخر معرفةً حقيقية، ولا أحد يمكنه أن يعرفك حقًّا معرفةً حقيقية.

يمثل الدين أحد الحلول لمشكلة الذاتوية؛ إذ تَصوَّر أسلافنا وجود ذاتٍ خارقة للطبيعة مطَّلعة على أعمق مخاوفنا ورغباتنا. ومهما بلغ مدى شعورنا بالوحدة، ومدى اغترابنا عن إخواننا من البشر، فإن الله موجود دائمًا يراقبنا ويرعانا. إنه يرى ما في أنفسنا، ويطَّلع على مكنونات صدورنا، ويحبنا على أي حال. أليس من الجميل أن نظن ذلك؟!

كذلك قد يُنظر إلى الفنون على أنها محاولات للتغلب على مشكلة الذاتوية؛ فترى الرسام، والموسيقي، والشاعر، والروائي يقول بلسان الحال: هذا ما أشعر به في حياتي، أو هذا ما قد يشعر به شخصٌ آخر في حياته. فهذه فنانة تساعدنا على تخيُّل شعور امرأة سوداء تحاول إنقاذ أطفالها من العبودية، وذاك آخر يساعدنا على تخيُّل شعور بائع يهودي يتجول في دبلن وهو يتساءل عما إذا كانت زوجته تخونه. غير أن التخيل شيء والمعرفة شيءٌ آخر مختلف تمامًا.

ثمة بعض الأعمال الفنية التي أفضِّلها والتي تقوم على مشكلة الذاتوية. ففي فيلم «أفكر في إنهاء الأمور» I’m thinking of ending things، وأفلام أخرى سبقته، إلى جانب الرواية الجديدة Antkind، يصوّر تشارلي كوفمان الآخرين على أنهم إسقاطات لبطل مضطرب. ولا شك في أن كوفمان يحاول مساعدتنا، ومساعدة نفسه، على حل مشكلة الذاتوية بالتنفيس عن قلقه بشأنها، لكنني أرى أن أعماله الدرامية تكاد تكون مثيرةً للمشاعر أكثر مما ينبغي.

إن الحب -في صورته المثالية- يوهمنا بأننا نتجاوز مشكلة الذاتوية؛ فأنت تشعر بأنك تعرف شخصًا آخر حق المعرفة، وهو يعرفك بالقدر نفسه. وفي لحظات النشوة الجنسية، أو في ساعات الصفاء –في أثناء تناول البيتزا أو مشاهدة مسلسل مثلًا- تندمج مع محبوبتك، وتبدو الحواجز بينكما وكأنها قد تلاشت.

غير أن محبوبتك قد تخيِّب أملك، أو تخدعك، أو تخونك؛ أو -على الأقل- قد يحدث قدر من التحول المعرفي الحيوي الدقيق. فتنظر إليها وهي تأكل البيتزا، وتتساءل: مَن هذا المخلوق الغريب؟ حينئذٍ تكون مشكلة الذاتوية قد ظهرت مرةً أخرى، على نحوٍ أكثر إيلامًا وتعذيبًا من أي وقت مضى.

بل قد يزداد الأمر سوءًا. فإضافةً إلى مشكلة العقول الأخرى، هناك مشكلة عقولنا نحن. فكما أوضح عالِم النفس التطوري، روبرت تريفرز، فإننا نخدع أنفسنا بالفاعلية نفسها التي نخدع بها الآخرين، على أقل تقدير. والنتيجة الحتمية لهذه الحقيقة المفزعة هي أننا نعرف أنفسنا بقدرٍ أقل من معرفتنا للآخرين.

يقول فيتجنشتاين إنه لو أمكن للأسد أن يتحدث، فإننا ما كنا لنفهمه. وأظن أن الأمر نفسه ينطبق على أعمق أعماق ذواتنا. فلو أنك استطعت أن تنصت لعقلك الباطن، فلن تسمع شيئًا سوى همهمات، وهدير، وأنين، ونحيب، ولربما سمعت صريرًا عاليًا لبيانات لغة آلة تمر عبر إحدى القنوات.

أما بالنسبة للمصابين بأمراض عقلية، فقد تصبح الذاتوية واضحةً وضوحًا مخيفًا. فالمصابون بمتلازمة كابجراس يعتقدون أن ثمة محتالين حلوا محل أحبائهم. أما المصابون بمتلازمة وهم كوتار، الذي يُعرف أيضًا باسم متلازمة الجثة المتحركة، فهم على قناعة بأنهم موتى. ولعل الاضطراب الأكثر شيوعًا هو اضطراب الاغتراب عن الواقع، الذي يجعلك تشعر بأن كل شيء -متضمنًا نفسَك، والآخرين، والواقع كله من حولك- غريبٌ، وزائفٌ، ومصطنَع.

لقد أُصبت باضطراب الاغتراب عن الواقع طوال سنوات شبابي، وقد تسببت بنفسي في إحدى نوباته. كنت أتسكع مع بعض الأصدقاء في المدرسة العليا، وظننت أنه سيكون ممتعًا أن أفرط في التنفس، فحبست أنفاسي وجعلت أحد الأصدقاء يضغط على صدري حتى غبت عن الوعي. وحين أفقت، لم أتعرف على رفاقي، بل رأيتهم في صورة شياطين يستهزئون بي. ولمدة أسابيع بعد خفوت هذا الإحساس المرعب، ظل كل شيء يبدو لي غير واقعي، كما لو كنت في فيلم رعب رهيب.

فماذا لو أن هؤلاء المصابين بهذه الأوهام المزعومة هم مَن يرون الواقع بوضوح؟ فوفقًا لعقيدة «أناتا» البوذية، فإن الذات لا وجود لها حقًّا. فعندما تحاول أن تحدد جوهر ذاتك، أن تدركه، تجده يراوغك ويفلت من بين يديك.

لقد ابتكرنا طرقًا للارتقاء بمعرفة الذات وتهدئة مخاوفنا، مثل التأمل والعلاج النفسي. لكن هذه الممارسات تبدو لي بمنزلة أشكال من غسيل الدماغ الذاتي. فعندما نمارس التأمُّل أو نلجأ إلى معالج، فإننا لا نحل مشكلة الذاتوية، بل ندرب أنفسنا فقط على تجاهلها، وعلى كبت الرعب واليأس الذي تسببه.

كما أننا اخترعنا أيضًا أماكنَ خرافيةً تتلاشى فيها مشكلة الذاتوية. فنحن نسمو فوق وحدتنا ونندمج مع الآخرين في كيانٍ كلِّي واحد. ونطلق على هذه الأماكن مسميات مثل الجنة، أو النيرفانا، أو المتفردة. غير أن الذاتوية بمنزلة كهف لا يمكننا الهروب منه، إلا لو تظاهرنا بأنه لا وجود له، أو واجهناه بطريقة تشارلي كوفمان، برغم ما ينطوي عليه ذلك من تناقض. إن إدراكنا بأننا داخل الكهف قد يكون هو أقرب سبيل إلى الهروب منه.

وقد نتصور أن التكنولوجيا قد تحررنا من مشكلة الذاتوية. ويقترح كريستوف كوخ أن نحظى جميعًا بغرسات دماغية متصلة بشبكة واي فاي، لنتمكن من دمج العقول من خلال تخاطُر عالي التقنية. ويقترح الفيلسوف كولين ماكجين تقنيةً تتضمن «ربط الأدمغة» عبر نقل أجزاء من دماغ شخصٍ ما إلى دماغ آخر، والعكس.

لكن هل نريد حقًّا الهروب من سجن ذواتنا؟ لقد كان الأعداء في مسلسل «ستار تريك: الجيل القادم» هم «البورج»، وهم مجموعة من الكائنات البشرية المعززة تقنيًّا، اندمجت في كيان واحد ضخم. لم يعد أفراد البورج منفصلين بعضهم عن بعض، ومن ثم فقدوا فرديتهم. وحين كانوا يقابلون بشرًا عاديين، يتمتمون بنبرة رتيبة مخيفة: "ستندمج معنا. لا جدوى من المقاومة".

وبقدر المشقة التي أجدها في الوحدة، إلا أنني لا أريد الاندماج. ولئن كانت الذاتوية تزعجني، فكذلك يزعجني التوحد، أي الاندماج الكامل الذي يقضي على ذاتي الفانية الضعيفة. ولعل أفضل طريقة للتعامل مع مشكلة الذاتوية في هذا الزمن الغريب الذي نشعر فيه بالوحدة والعزلة، هي أن نتخيل عالمًا اختفت منه الذاتوية.