أودت جائحةُ "كوفيد-19" بحياة أكثر من نصف مليون شخص في الولايات المتحدة الأمريكية، وتسبَّبت في حدوث أكبر أزمة اقتصادية منذ الكساد الكبير، وإذا كان ثمة درسٌ تعلمناه من هذه الجائحة، فهو أننا لم نكنْ على استعدادٍ لها؛ فالمجتمع العلمي والطبي لم يكن متأهبًا لها، وكذلك كان حال الحكومة والجيش والصناعة، كما أن أغلبنا لم يكونوا على استعدادٍ في منازلهم لهذه الجائحة، فاندفعوا مهرولين للتزود بالاحتياجات الأساسية، وشعروا بالندم لعدم امتلاكهم حجرةً أكبر لتخزين المؤن، وخاضوا غمار أزمة مالية.

غير أن الاستعداد لمواجهة الجوائح لا يقتصر على تعزيز نظم رصد الأمراض العالمية، أو تحسين مستوى الاستجابة الحكومية لها، أو تشييد البنى التحتية للمستشفيات، بل يشمل أيضًا التأكد من توافر احتياجات الأفراد والأُسر، هذا ليس معناه إعفاء الحكومات من المسؤولية وإلقاءها على عاتق الأفراد، بل يدل على أن الحكومات بحاجةٍ إلى بدء حملةٍ لمساعدة الأُسر عبر تزويدهم بالمعلومات والموارد اللازمة تحسُّبًا للجائحة القادمة قبل وقوعها.

فالاستعداد معناه التأهُّب لشيءٍ ما قبل وقوعه؛ إذ إنه عندما تحلُّ الكارثة، لا يبقى أمامك سوى ما أعددته لها، وعندما يخفق الناس في الاستعداد على النحو الملائم، سيتدافعون للتزود باحتياجاتهم وقت حلول الكارثة، ما يؤدي إلى نقص الموارد وإرهاق سلاسل التوريد، فلو أن الأُسر كانت قد استعدت الاستعداد الملائم، لكان بمقدورنا تجنُّب ما حدث من نقصٍ في اللوازم الأساسية التي يحتاج إليها المواطنون والمستشفيات، إذ كان سيتوافر لدى الأُسر الاحتياجات الأساسية كجزءٍ من استعداداتهم لمواجهة الجائحة؛ فاستعدادُ الأُسر يحد دون شكٍّ من إجهاد المنظومة على نحوٍ يُتيح للمجتمع الصمود وقت الصدمات.

لدينا منظومةٌ قائمةٌ بالفعل، بمقدورها أن تنهض بهذا الدور لو حظيت بمزيدٍ من الاستثمار؛ فبرامج الإرشاد التعاوني بالجامعات والكليات، التي تأسَّست منذ زمنٍ طويلٍ في الولايات المتحدة الأمريكية ثم اتخذت الطابع الرسمي في هيئة شراكات عُقدت مع وزارة الزراعة الأمريكية في أوائل القرن العشرين، تتمتع بتاريخ حافل من تعليم الأُسر مهارات الاستعداد وأساليب النجاة، بما يشمل المعرفة الطبية الأساسية، وطرق حفظ الطعام وإستراتيجيات بناء الأمن المادي والاقتصادي، وقد واجه الأمريكيون مخاطرَ عِدَّة شملت الأمراض، والكوارث، والخطر المادي، وانعدام الأمن الغذائي، واستجابةً لذلك، طلبت الحكومة من كليات الزراعة إنشاء شبكاتٍ لتثقيف الأفراد حول سُبل النجاة والازدهار في تلك البيئة المحفوفة بالمخاطر في الغرب الأمريكي القديم، ومع أن الغرب الأمريكي لم يعد منطقةً موحشة تحفُّها الأخطار كما كان عهده في السابق، لا تزال مهمات الإرشاد التعاوني مستمرةً حتى وقتنا هذا، رغم أنها لم تكفّ عن التغير والتطور، يولي الإرشاد التعاوني حاليًّا جُل اهتمامه لشؤون الزراعة والفِلاحة، إلا أن ثمة مكاسب جمَّة يمكن أن نجنيها إذا ما استعدنا الدور الأصلي للإرشاد التعاوني في مساعدة الأُسر على التعامل مع المخاطر.    

خلال جائحة الإنفلونزا الإسبانية عام 1918، كانت برامج الإرشاد التعاوني، مُمثَّلةً في مجموعات التوجيه المنزلي، قد أعانت الأُسرَ على مواجهة ذلك الظرف العصيب، فقد درَّبت الأُسر على التمريض المنزلي (أي كيفية اعتناء المرء بالمرضى وفي الوقت ذاته حماية نفسه من العدوى)، وطُرق تجهيز الطعام وحفظه، كما قدَّمت هذه البرامج حلولًا لمشكلات لوجيستية تتعلق بتوزيع المؤن والطعام لضمان تلبية متطلبات الأشخاص الأشد احتياجًا وعدم التغافل عنهم؛ ففي عام 1919، أشار تقريرٌ صادرٌ عن البرنامج الإرشادي بمدينة رالي بولاية نورث كارولاينا إلى أن "مجموعات التوجيه المنزلي المنظمة كانت الوسيلة التي أمكننا من خلالها اجتياز ]جائحة إنفلونزا عام 1918[ بأقل الخسائر"، ولذا فإن تعزيز هذا الجانب المتعلق بالاستعداد والاستجابة للجوائح، والذي تضطلع به برامج الإرشاد التعاوني، قد يعيننا على اجتياز جائحة مستقبلية بخسائر تقلُّ كثيرًا عن تلك التي تكبدناها من جرَّاء "كوفيد-19".

لو أنه كان لدينا برنامجٌ مُفعَّلٌ للإرشاد التعاوني يهدف إلى الاستعداد للجائحة قبل تفشي "كوفيد-19"، لكانت هناك حملة راسخة الدعائم تُعلِّم الأُسر وتثقفها بشأن الموارد التي تحتاج إليها، وتساعدها في الحصول على ما يلزمها من مؤنٍ، كما كان بمقدور تلك الحملة أن تُرشد الأُسر بشأن الكيفية التي يتم بها تدبير المستلزمات الضرورية مثل الكمامات، ومعقمات الأيدي، والمناديل المُطهِّرة، وغير ذلك من مواد الرعاية الصحية الأساسية؛ فتدبيرُ تلك المستلزمات بشكلٍ مسبقٍ أمرٌ بالغ الأهمية، إذ يُساعد في تقليل حصيلة حالات الوفاة الناجمة عن الجوائح المستقبلية وتحجيم تبعاتها الصحية والاقتصادية. 

وإضافةً إلى ذلك، كان من شأن نظم الإرشاد التعاوني أن تُساعد الأُسر على تخزين ما تحتاج إليه من مؤنٍ؛ فمعاييرنا الحالية بشأن المخزون الذي نحتفظ به (ما يكفي من الطعام لمدة أسبوع أو اثنين) ببساطة ليست كافية للاستعداد العام، سواء أكان هذا الاستعداد لجائحةٍ أم غير ذلك، هذا ليس معناه أن تبالغ في الاستعداد كما لو أن القيامة على وشك أن تقوم، بل بوسعك أن تفعل أمرًا بسيطًا كالاحتفاظ بمخزونٍ إضافي من البضائع الجافة والمعلبة التي يستهلكها أفراد أسرتك أكثر من غيرها، وإذا أردت أن تنتقل إلى المستوى التالي من الاستعداد بأن تزرع طعامك بنفسك، فإن برامج الإرشاد التعاوني لها باعٌ طويل في مساعدة الأُسر على اكتساب المهارات والمعرفة الخاصة بزراعة الطعام وحفظه.

كانت الضغوط الاقتصادية من المشكلات الكبرى التي أثقلت كاهل الأُسر على مدار عامٍ ونصف منذ بدأت الجائحة، وقد ظلت نظم الإرشاد توفر المعرفة الأساسية بالشؤون المالية على مدار عقودٍ، بما يشمل كيفية إعداد ميزانية، والإنفاق الفعَّال، والادخار، وتجنُّب الإسراف، وهناك أسرٌ عديدة لا تقدر على الادخار تحسُّبًا لأي طارئ بسبب متطلبات أفرادها اليومية من مأكلٍ ورعاية، وتلك مشكلةٌ عامة أوسع نطاقًا ينبغي حلُّها، غير أن برامج الإرشاد بمقدورها أن تُسهِم في سد بعض الثغرات عن طريق إتاحة التثقيف والموارد بهدف مساعدة جميع الأُسر على تحقيق قدرٍ أكبر من الأمن المالي.

إن التركيز من جديدٍ على منظومة الإرشاد والاستثمار فيه جنبًا إلى جنب مع التأهب للجائحة على مستوى الأُسرة من شأنه أن يقلل كثيرًا من تبعات الجائحة القادمة، وستكون تكلفة ذلك منخفضةً نسبيًّا؛ لأن المنظومة قائمةٌ بالفعل، وهذه المنظومة أُدمجت بالفعل على عدة مستويات مختلفة بكل مقاطعة في الولايات المتحدة وصولًا إلى الحكومة الفيدرالية؛ فبجزءٍ ضئيل من كلفة حزمة التحفيز المخصَّصة لجائحة "كوفيد-19" والبالغ مقدارها 1.9 تريليون دولار أمريكي، يمكننا معالجة نقاط الضعف الجماعية لدينا عن طريق الاستثمار في منظومةٍ من شأنها أن تساعد الأُسر على التعامل مع الجوانب غير اليقينية التي تكتنف باستمرار الجائحة الحالية، وأن نصبح أكثر جاهزيةً لمواجهة الجوائح المستقبلية.