في أواخر عام 1956 وصل إلفيس بريسلي إلى عتبة النجومية العالمية؛ فقد احتلت أغنيته «Heartbreak Hotel» المرتبة الأولى على القوائم في فترة مبكرة من ذلك العام، كما عُرِض فيلمه الأول «Love Me Tender» في نوفمبر من العام نفسه، وفي سياق هذا المسار، استضافه البرنامج التلفزيوني الأكثر شعبيةً في ذلك الوقت: «The Ed Sullivan Show»، لكنه لم يذهب لأداء أغانيه الشهيرة فقط، فقبل أن يبدأ البرنامج، وأمام الصحافة وإد سوليفان نفسه، ابتسم بريسلي ابتسامته الساحرة، وشمّر عن ساعِده، ومد ذراعه كي يحقنه مسؤول في ولاية نيويورك بلقاح شلل الأطفال.

في ذلك الوقت، كان فيروس شلل الأطفال يعصف بالمشهد الأمريكي سنوات؛ إذ كان يُصاب به ما يقرب من 60 ألف طفل سنويًّا، وقد تجسد الأمل عام 1955 في اللقاح الشهير الذي توصل إليه جوناس سولك، مع ذلك، وعلى الرغم من آثار الفيروس العائقة للحركة حرفيًّا، ونتائج التطعيم الواعدة، لم يتلقَّ العديد من الأمريكيين اللقاح؛ ففي واقع الأمر، عندما ظهر بريسلي في برنامج سوليفان، كانت مستويات التحصين بين المراهقين الأمريكيين سيئةً للغاية، إذ بلغت 0.6%.

قد يعتقد البعض أن التهديدات التي تتعرض لها صحة الأطفال، فضلًا عن مدة العمر المتوقعة، تكفي لحفز الناس على تلقِّي اللقاح، على أن إقناع الناس بتلقي اللقاح يُعد هدفًا عسيرًا، وبدهيًّا، قد يبدو من الحكمة أن يتولى الأطباء وغيرهم من مسؤولي الصحة الحديث عن الحاجة إلى تلقِّي اللقاح، أو ربما نحتاج فقط -في حالة فشل ذلك- إلى إمداد الناس بالمزيد من المعلومات حول فاعلية اللقاح نفسه.

ومع ذلك، يبدو واضحًا أن هذه الإستراتيجيات لا تحقق نجاحًا اليوم، ولم تحقق أي نجاح في عام 1956، ما أثبت نجاحه هو تلقِّي إلفيس اللقاح أمام الملايين؛ فبعد أن فعل ذلك علنًا، ارتفعت في الواقع معدلات تلقِّي الشباب الأمريكي للقاح إلى 80% بعد ستة أشهر فقط، لماذا الوضع على هذا النحو، وهل هناك دروس مستفادة يمكن تطبيقها لبدء تلقِّي لقاح كوفيد-19؟

إن أداء إلفيس العلني احتوى على ثلاثة مكونات حاسمة، متأصلة في العديد من حملات التغيير السلوكي الأكثر فاعلية، وهي: التأثير الاجتماعي، والمعايير الاجتماعية، والأمثلة الحية.

نحن نتطلع إلى مَن حولنا لتوجيه سلوكنا، لكننا نتطلع بوجه خاص إلى الآخرين الذين يتمتعون بمكانة محترمة، وعلى سبيل المثال، عندما أمد الباحثون بضع عشرات من طلاب المدارس الثانوية ذوي التأثير بسبل لمكافحة التنمر، انخفضت معدلات الشجار بحوالي 30%، وهي نسبة تزيد كثيرًا عن معدلات المدارس الأخرى التي لم تشارك في هذا التدريب، ومثل أطفال المدارس الثانوية المحبوبين اليوم، كان لإلفيس تأثيرٌ كبيرٌ على المراهقين في خمسينيات القرن العشرين، بما أسهم بلا شك في نجاح عرضه.

وإلى جانب التأثير الاجتماعي، نحن نتأثر بالمعايير الاجتماعية، أو التصورات حول ما يفعله الآخرون وما يعتقدون أن علينا فعله، وعلى سبيل المثال، عندما يتعرف نزلاء الفندق على معايير الحفاظ على الطاقة -وتحديدًا، عندما يطلعون على النسبة المئوية من الضيوف السابقين الذين أعادوا تدوير المناشف- يزداد ترشيدهم للطاقة بدرجة كبيرة، ومشاهدة إلفيس وهو يتلقى لقاح شلل الأطفال قد أشار بالمثل إلى قاعدة اجتماعية واضحة: أن تلقي اللقاح هو سلوك متوقع ومُقبول للمراهقين على المستوى الوطني.

وأخيرًا، يمكن أن تؤثر الأحداث الحية التي تركز على فرد واحد تأثيرًا عميقًا على الوعي والسلوك؛ فالتقارير التي تتناول آلاف الوفيات الناجمة عن أزمة اللاجئين السوريين لم تستحوذ على القلوب والعقول مثل قصة صبي واحد غرق وجرفته المياه إلى الشاطئ، كذلك، وبعد تشخيص إصابة كايلي مينوج بسرطان الثدي، حدثت زيادة بنسبة 101% في حجز مواعيد تصوير الثدي بالأشعة السينية للنساء اللاتي تتراوح أعمارهن بين 40 و69 سنة ولم يخضعن للفحص بالأشعة من قبل، كانت مشاهدة إلفيس وهو يتلقى اللقاح أقوى بكثير من أي إحصائية، ذلك أن المشهد كان أيضًا شخصيًّا وعاطفيًّا ونابضًا بالحياة.

لن يحقق لقاح كوفيد-19 هدفه إلا إذا تلقَّى اللقاح عددٌ كافٍ من الناس، والخبر السار هو أن أكثر من 60% من الأمريكيين يؤيدون حاليًّا تلقِّي اللقاح، مع ذلك، وفي ظل ظهور أنواع جديدة من كوفيد-19، يؤكد بعض مسؤولي الصحة العامة أن أكثر من 90% من السكان يحتاجون إلى تلقِّي اللقاح، بغية التوصل إلى مناعة القطيع، ليت إلفيس كان حيًّا لممارسة التأثير الاجتماعي، وتجسيد المعايير الاجتماعية، وتقديم مثال حي.

ولكن، حتى لو كان حيًّا، هل كان سيُحدِث فارقًا؟ الحقيقة أن النجومية والتأثير لا يحتلان موقع المركز في عام 2020 مثلما كان وضعهما عندما كان ملك الروك أند رول متربعًا على عرشه منذ أكثر من 60 عامًا، فهناك الآن، بالأحرى، المئات، إن لم يكن الآلاف، من أمثال "إلفيس"، بدءًا من المؤثرين على نطاقات أصغر في العالم (nanoinfluencers) الذين يتبعهم عددٌ صغيرٌ من المعجبين المخلصين، وصولًا إلى مشاهير مثل كيم كارداشيان، وكريسي تايجنس، ودريكس، فضلًا عن أمثال دونالد ترامب، وكلٌّ منهم لديه عشرات الملايين من المتابعين.

إن موافقة الرؤساء كلينتون وبوش وأوباما على تلقِّي اللقاح علنًا، فضلًا عن تلقي آخرين -مثل كاميلا هاريس، نائبة الرئيس المنتخب، وبنس، نائب الرئيس- اللقاح بالفعل، تُعد بدايةً رائعة، ولكن، بينما قد تنبض أفعالهم بالحياة وتضع معايير اجتماعية قوية، يبقى السؤال: هل سيؤثرون في النهاية على قدرٍ كافٍ من السكان؟ كان عرض إلفيس فعالًا للغاية، لأنه كان محبوبًا من جانب السكان الذين يصعب الوصول إليهم (المراهقون)، لكن، بقدر التغطية الإعلامية التي حظي بها كوفيد-19 بجوانبه المتعددة، قد لا يكمن مفتاح التأثير على السلوك الجماهيري في عرض واحد؛ فمن أجل تحقيق تأثير حقيقي في معدل تلقي اللقاحات، قد يكون من الأكثر فاعليةً اللجوء إلى مجموعة من المشاهير غير التقليدين -من ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز، إلى إيفانكا ترامب، إلى تاكر كارلسون– كي يتلقوا اللقاح علانية، ومن المثالي أن يفعلوا ذلك معًا، في وقت واحد.