من المعروف أن مياه الممرات البحرية الضيقة في سفالبارد، وهو الأرخبيل القطبي الشمالي الواقع بين يابسة النرويج والقطب الشمالي، تَصدر منها أصوات طقطقة وخشخشة وفرقعة مصاحبة لذوبان الجبال الجليدية والأنهار الجليدية. الآن توصلت دراسة حديثة إلى أن صوت الفوران الذي يُحدثه ذوبان نهر من الأنهار الجليدية يمكن تمييزه عن صوت البقبقة الصادر عن أحد الجبال الجليدية الآخذة في التليُّن، وأن هذه الأصوات ذات الدلالة تصبح أكثر قوةً في الأماكن التي يذوب فيها الجليد بشكل أسرع.

وتشير النتائج التي نُشرت في مايو الماضي في دورية "جيوفيزيكال ريسيرش ليترز" Geophysical Research Letters إلى إمكانية استغلال هذا التقلقل الصوتي للوصول إلى دلالات مفيدة حول السرعة التي يمكن أن تنتكس بها الأنهار الجليدية في ظل تزايُد درجات الحرارة، وبالتالي يمكن الوصول إلى دلالات حول مدى السرعة التي يمكن أن ترتفع بها مستويات أسطح البحار على الكوكب. يقول قائد فريق الدراسة أوسكار جووفاسكي، وهو باحث في مرحلة ما بعد الدكتوراة بمعهد سكريبس لعلم المحيطات: "الآن نستطيع القول إن الاستماع لذلك الضجيج ليس هو الأمر الرائع فحسب، بل تكمن روعة الأمر في أنه بات بإمكاننا أن نحوِّل هذا الاستماع إلى أداة مفيدة في المستقبل".

وبالرغم من إمكانية استخدام الأقمار الاصطناعية في تعقُّب التراجع التدريجي لحجم الأنهار الجليدية، لا تستطيع الأقمار الاصطناعية إجراء فحص دقيق لموقع الحدث الرئيس: الجانب السفلي لطرف نهر من الأنهار الجليدية، وهو موقع التقاء مياه البحر بالجليد، والذي يدفع الجليد إلى الذوبان. وتنطوي ممارسة العلماء لعملهم على طول واجهات الأنهار الجليدية على نوع من الخطورة؛ وذلك لأن الجبال الجليدية العملاقة -وفق جووفاسكي- تنفصل بصفة مستمرة وتسقط إلى مياه البحر. وفي مسعى لتجنُّب حدوث هذا، يمكن أن يوفر تثبيت ميكروفونات تحت الماء (يُطلق عليها الهيدروفونات) في مثل هذه المناطق حلًّا آمنًا لأخذ قياسات دقيقة لعملية الذوبان التي تمثل أهميةً بالغة.

ولاختبار تلك الفكرة، قام جووفاسكي وزملاؤه في الأكاديمية البولندية للعلوم بتوزيع هيدروفونات في ممر هورنساند البحري في سفالبارد، بالقرب من نقاط الأطراف الخاصة بثلاثة أنهار جليدية هي هانز وبايرل وستور. وفي التسجيلات، يبدو الفرق بين أصوات الأنهار الجليدية والجبال الجليدية واضحًا لا تخطئه أذن؛ فواجهات الأنهار الجليدية تكتظ بفقاقيع من الهواء المضغوط، ويَصدُر عن هذه الفقاقيع فورانٌ حالما ترتطم بالماء، وهو ما يؤدي إلى صدور صوت لطيف ومتواصل يشبه صوت تساقط الأمطار على بحيرة هادئة. أما الجبال الجليدية فلديها فقاقيع أقل؛ وذلك لأن حجمها أصغر بكثير من الأنهار الجليدية الأم، وعليه فإن أصوات الفرقعة التي تُحدثها الجبال الجليدية أقل انتظامًا. ويشبه صوت الجبال الجليدية الصوت الذي يحدثه إناء يحتوي على الماء المستمر في الغليان، إلى جانب أصوات مميزة ناتجة عن فرقعة الفقاقيع كلٍّ منها على حدة.

ويقول جووفاسكي إن القدرة على التمييز بين أصوات الأنهار الجليدية وأصوات الجبال الجليدية تُعَدّ انتصارًا في حد ذاتها، وكذلك القدرة على تمييز تلك الأصوات عن بقية الصخب الموجود في الخلجان والممرات البحرية الضيقة في سفالبارد. ويضيف جووفاسكي أن الهيدروفونات قادرة على التقاط كل شيء، بدءًا من أصوات الأمواج التي تحتضن الشاطئ، وحتى أصوات الأمطار المتساقطة والنداءات التي تطلقها الثدييات البحرية. وفي تطور أكثر تشويقًا، وجد الباحثون أن بإمكانهم تمييز الفرق بين الأصوات الصادرة من على جانب أحد الجبال الجليدية المواجهة للتيار السطحي الموجود بالمنطقة، وتلك الصادرة من على الجانب المحمي لهذا الجبل الجليدي. ويفترض أن يكون الذوبان أسرع على الجانب المواجه للتيار حيث يسري ماء المحيط في اتجاه معاكس للجليد، وظهر ذلك في التسجيلات على صورة ضوضاء أشدّ. ويشير هذا الاكتشاف إلى أن قوة الضجيج الصادر عن الثلوج يمكن أن تُنبئ العلماء بالموقع الذي تذوب فيه الثلوج بوتيرةٍ أسرع.

ويقول باحث الغطاء الجليدي ماوري بيلتو، وهو أستاذ في علم البيئة بكلية نيكولز وممثل الولايات المتحدة في الدائرة العالمية لمراقبة الأنهار الجليدية (WGMS): إن الإشارات السمعية لن تكون -على الأرجح- في وضع يسمح لها بمنافسة البيانات المرئية للأقمار الاصطناعية. إلا أن بلتو، الذي لم يشارك في هذه الدراسة الجديدة، يقول إن هذا الاكتشاف يقدم "أداة إضافية في صندوق الأدوات، يمكن استخدامها في الوقت والمكان الملائمين ليتحقق منها أكبر فائدة ممكنة".

ويقول جووفاسكي إن خلجان القطب الشمالي الجليدية -والتي تُعَدّ من أكثر البيئات البحرية المُصدرة للضجيج على وجه الأرض بسبب الذوبان الناتج عن التغيُّر المناخي- تبدو من الأماكن الجديرة بالاهتمام. ويضيف: "لماذا لا نستغل ذلك ونستمع لصوت كوكبنا؟".