عادةً ما يُلقي قادة قطاع الرعاية الصحية باللائمة على القيود المفروضة على الموارد باعتبارها السبب وراء التكاليف الباهظة وسوء النتائج لنظام الرعاية الصحية بالولايات المتحدة، والآن وبعد أن حصدت جائحة كوفيد-19 أكثر من 550 ألف نفسٍ وأفضت إلى أكثر من ثلاثين مليون حالة إصابة في مختلِف أنحاء بلد يتمتع بموارد ضخمة، فمن الواضح أن قادة قطاع الصحة كانوا يطرحون الأسئلة الخطأ.

وفي ضوء الإخفاقات القيادية البارزة في احتواء الجائحة، وتسييس استجابة الصحة العامة، يتضح أن مؤسسات الرعاية الصحية وقادتها بحاجة إلى إيلاء المزيد من الاهتمام بمشكلات الطواقم العاملة على خطوط المواجهة الأمامية، والتي تعرضت للتجاهل طوال سنوات، ورغم أن الجائحة أدت إلى خسائر فادحة في الأرواح، فإنها تحمل في طياتها أيضًا العديد من الدروس المؤسسية المهمة لقادة قطاع الرعاية الصحية، وتُبرز ماهية المبادرات التي ينبغي عليهم الاستثمار فيها لمساندة الجيل القادم من العاملين في مجال الرعاية الصحية، وبالاستعانة بالبيانات الحديثة، فيما يلي موجز لأبرز الدروس المستخلصة.

إعطاء الأولوية للصحة النفسية وسلامة طواقم الرعاية الصحية

حتى قبل جائحة كوفيد-19، تم تسجيل معدلات عالية من الاحتراق النفسي تصل إلى 60% بين الأطباء عبر التخصصات المُتعددة، وقد أسهمت عوامل تتنوّع من الأعباء الإدارية وحتى سوء الإدارة المؤسسية في هذا الإنهاك الجمعي، ولا عجب إذًا أن يزيد الوباء العالمي الوضع سوءًا.

وتشير الدلائل المُستجدة إلى أن الجائحة كان لها أثرٌ بالغ على الصحة النفسية للعاملين في مجال الرعاية الصحية، وهذا الأمر سيمثّل تحديًا -من ناحية الموارد البشرية، وكذلك من المنظور القانوني- لقادة قطاع الرعاية الصحية في عالم ما بعد جائحة كوفيد-19، وسيُحتم عليهم دعم مبادرات من شأنها تحسين سبل وصول الطواقم إلى خدمات رعاية الصحة النفسية، بما يشمل تخصيص الموارد لصالح منافع العاملين.

توظيف مبادرات التنوّع والدمج في القوة العاملة

كشفت جائحة كوفيد-19 بالفعل عن العبء غير المتكافئ للمرض الواقع على الأقليات العرقية والإثنية، وقد زاد هذا التفاوت من أهمية التنويع في ممارسات التوظيف، إلى جانب تهيئة بيئات دامجة للعاملين بالرعاية الصحية، وبالنظر إلى الحوار الوطني الأخير الدائر حول التفاوتات الاجتماعية والسياسية، سيتحتم على قادة الرعاية الصحية الاستثمار في تشكيل قوة عاملة ودعمها بحيث تعكس التركيبة السكانية الوطنية، وقد دخلت هذه المبادرات حيز التنفيذ بالفعل في كليات الطب والمستشفيات المشهود لها على المستوى الوطني.

كما سيؤثر التنوّع في طواقم الرعاية الصحية على نماذج تقديم الرعاية؛ فقد أوضحت جائحة كوفيد-19 بالفعل أهمية تطوير رعاية مختصة ثقافيًّا، فالمظالم التاريخية (مثل دراسة توسكيجي) والتفاوتات المستمرة في تقديم الرعاية (مثل العنصرية البنيوية) التي واجهها السكان من الأقليات والمرضى الذين يعانون من نقص في الخدمات قادت إلى تدهور الثقة بنظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة، ويمكن لقادة الرعاية الصحية أن يعالجوا هذه الشواغل بالاستثمار في برامج تتيح التوسع في تنوّع القوة العاملة، وقد أكدت العديد من الدراسات أن المرضى من الأقليات غالبًا ما تتحسن حالاتهم تحت رعاية أطباء من الأقليات.

التركيز على إجراءات الصحة والسلامة

منذ بدء الجائحة، لم يتم تزويد العاملين في الرعاية الصحية بمعدات الوقاية الشخصية (PPE) الملائمة، وأدى هذا الفشل القيادي إلى وقوع ضرر معنوي شديد بين مقدمي الرعاية، وفي حالات كثيرة، تخلى الأطباء عن ممارسة مهنة الطب برمتها، وتُظهر الدلائل الحديثة الضرورة الطبية التي تحتِّم تمكين القوة العاملة في الصفوف الأمامية من الوصول إلى معدات الوقاية الشخصية من أجل تجنُّب الإصابة بالعدوى والتمكُّن من الاستمرار في تقديم خدمات الرعاية، وسيكون على قادة الرعاية الصحية التركيز من منظور متجدد على صحة وسلامة القوة العاملة، وهذا ليس للأسباب الطبية وحدها، بل أيضًا لتجنُّب المساءلة القانونية.

الانتقال بتقديم الرعاية إلى الفضاء الافتراضي

عجّل كوفيد-19 بالتَّحَوُّل من تقديم الرعاية الصحية بشكل مباشر إلى تقديم الرعاية الصحية عن بُعد، مما زاد من إمكانية وصول المرضى لخدمات الرعاية الصحية، وقد أفادت البيانات من مراكز الرعاية الطبية والخدمات الطبية (CMS) بأن أكثر من تسعة ملايين مُستفيد من مراكز الرعاية الطبية قد تلقوا الرعاية من خلال خدمة التطبيب عن بُعد خلال المراحل الأولى من الجائحة، إذ زاد عدد الزيارات الافتراضية الأسبوعية من 13 ألف زيارة قبل الجائحة إلى حوالي 1.7 مليون زيارة في شهر أبريل 2020.

وبالنظر إلى التبنِّي السريع لخدمة التطبيب عن بُعد خلال جائحة كوفيد-19، سيتحتم على قادة الرعاية الصحية مواصلة الاستثمار في تطوير قدرات العاملين بالرعاية الصحية حتى يصيروا أكثر كفاءةً في تقديم الرعاية من خلال الوسائط الافتراضية، الأمر الذي سيتطلب دعم زيادة المبادرات التدريبية والتعليمية.

توحيد البيانات الخاصة بالرعاية الإكلينيكية

أظهرت جائحة كوفيد-19 قيمة الاستعداد بتوجه استباقي، باستخدام التحليلات في الزمن الحقيقي لجمع البيانات وتفسيرها، وقد حَسَّنَت بشكل كبير لوحة بيانات كوفيد -التي طوّرها باحثون من جامعة جونز هوبكنز– من القدرة على تتبُّع حالات الإصابة بفيروس كورونا عبر أنحاء العالم ورصدها، وقد أدركت الأنظمة الصحية الكبرى، مثل المركز الطبي بجامعة فاندربيلت، إمكانيات مثل هذه المنصات، واستثمرت بالفعل في تطوير القدرات في هذا المجال للتصدي للتفاوتات التي انبثقت عن الجائحة، وستتواصل هذه المبادرات المعتمدة على البيانات في التوسّع وتمكين قادة الرعاية الصحية من إجراء التقييمات السريعة واتخاذ القرارات الإستراتيجية، من أجل تحسين رعاية المريض وكذلك توزيع العاملين بالرعاية الصحية داخل أي مؤسسة.

ومع تسارُع جهود تقديم اللقاحات، فإن العودة المستحقة إلى الوضع الطبيعي الجديد تلوح في الأفق القريب، ففي العام الماضي، عندما واجه صنّاع السياسات ضرورة احتواء انتشار جائحة كوفيد-19، كثيرًا ما اتخذوا قرارات غير منصفة أضرت بالسكان الذين يعانون من نقص في الخدمات، إلى جانب القوة العاملة بالرعاية الصحية، في ذلك الوقت، كان لدى صنّاع السياسات معلومات محدودة عن ديناميكيات انتقال عدوى فيروس الكورونا، والآن ومع الدروس الواضحة التي استخلصوها على مدار عام من الحياة المهنية في ظل الجائحة، فلن يكون لديهم هذا العذر، ولكن لديهم بالفعل الفرصة لتصحيح المسار.

هذا مقال رأي وتحليل.