في عام 1955، نجح جوناس سولك لأول مرة في تطوير لقاح فيروس شلل الأطفال المُعطَّل النشاط، وفي غضون خمس سنوات، شهدت حالات الإصابة بشلل الأطفال في الولايات المتحدة انخفاضًا هائلًا، وأصبح التطعيم في فترة الطفولة ضد الأمراض المعدية، كشلل الأطفال، إجراءً اعتياديًّا من إجراءات الرعاية الصحية.

وكان لقاح سولك إيذانًا ببزوغ فجر جديد في علاج الأمراض المعدية في ستينيات القرن العشرين، وخصوصًا في علاج حالات الإصابة الحادة بالفيروس التنفسي المِخْلوي (RSV) لدى الأطفال، غير أنه اختُبرت نسخةٌ من لقاح الفيروس التنفسي المِخْلوي الذي جرى تعطيل نشاطه بالفورمالين وذلك في عام 1967، على غرار لقاح شلل الأطفال، فاتضح أن كثيرًا من الأطفال الذين تلقوا التطعيم، أُصيبوا بنوعٍ أعنف من الفيروس التنفسي المِخْلوي، بكامل أعراضه، التي تشمل الحمى الشديدة والالتهاب الشعبي الرئوي وصدور أزيز من الرئتين في أثناء التنفس، وذلك عندما تعرضوا لاحقًا للإصابة بعدوى أنواع برية من هذا الفيروس، أو بالأنواع التي توجد وتتنقل طبيعيًّا بين البشر.

أدى هذا النوع العنيف المزعوم من المرض الناجم عن الإصابة بالفيروس التنفسي المِخْلوي إلى حدوث حالتي وفاة، وارتفاع معدل دخول المستشفيات بين الأطفال الذين تلقوا التطعيم، ولذا، أُوقف استخدام هذا اللقاح، ونُحِّيت جانبًا التحضيرات الخاصة بلقاحات الفيروسات المُثَبَّطة بالفورمالين، كما فشلت أيضًا بعض لقاحات شلل الأطفال الأخرى الأكثر تطورًا، والتي صُمِّمت لتكون مُكمِّلةً للقاح سولك الأصلي، إذ تحولت فيروسات لقاح شلل الأطفال الذي يُعطى عن طريق الفم إلى فيروسات من النوع البري، وصارت فيروسات فتاكةً مرةً أخرى.

ورغم القضاء بشكلٍ شبه تام على مرض شلل الأطفال، فإن هذه الأمثلة تُذكرنا بأن الحملات التي تسعى لخدمة الصالح العام تأتي في الغالب على حساب أفرادٍ يلحق بهم الضرر، وأن التطور الذي حققه الطب السريري لا يمكن النظر إليه باعتباره تقدمًا فعليًّا أو حتى خطيًّا؛ فلا يمكن الاعتماد بالضرورة على التجارب السابقة للتنبؤ بالنتائج السلبية، كما لا يمكن التعويل بالكامل على التجارب السريرية كوسيلة للتكهن بعواقب ضائرة غير شائعة، لكن نماذج التجارب السريرية الجديدة، مثل تجارب التحدي البشري، تستطيع أن تبدأ من حيث انتهت التجارب السريرية، كما تتيح للباحثين سرعة إنتاج البيانات اللازمة لرفع كفاءة التنبؤ فيما يتعلق بالكثير من الأمراض المعدية.

كيف تؤدي الأزمات إلى التقليل من أهمية اللقاحات المرشحة للاستخدام، حتى وإن كانت لقاحاتٍ واعدة؟

من المعلوم أن قطاع الرعاية الصحية يواجه صعابًا تتعلق بالابتكار والتطوير، وهناك ثلاثة أمثلة من التاريخ الحديث للطب، تُسلِّط الضوء على هذه الجزئية:

  • رغم تواصل الأبحاث على مدار قرابة 40 عامًا، لا يتوافر لدينا إلى الآن لقاحٌ ضد فيروس نقص المناعة البشرية المكتسب (HIV)، صحيحٌ أن المرضى يعالجون حاليًّا باستخدام العقاقير المضادة للفيروسات الارتجاعية، وهي عقاقير أثبتت فاعليةً كبيرة، وحسَّنت بشكل ملحوظ معدلات بقاء المرضى على قيد الحياة، غير أن الوصول إلى لقاحٍ يسهل تعاطيه لا يزال يمثل هدفًا يؤمل تحقيقه كي يحل محل هذه "الخلطات" المكلفة من العقاقير، التي يتعين على المرضى تعاطيها طيلة ما تبقى من حياتهم.
  • أدى الإفراط في وصف المضادات الحيوية للمرضى على مستوى العالم إلى ظهور مقاومة لدى جميع أنواع البكتيريا تقريبًا، ومن ثم يجب تطوير بدائل جديدة للمضادات الحيوية؛ فقد تبيَّن أن ما يصل إلى 60% من سلالات بكتيريا الإشريكية القولونية E. coli المسبِّبة للأمراض، هي الآن سلالات مقاوِمة لأفضل المضادات الحيوية واسعة المدى، ويرتفع هذا الرقم إلى 93% في حالة السلالات التي تصيب القناة البولية، وفي الوقت نفسه، عُثر في هونج كونج والمملكة المتحدة على سلالات أقوى من بكتيريا المكورات العقدية المقيحةStreptococcus pyogenes ، التي تُسبِّب الحمى القرمزية، ولم ينجح العلماء حتى وقتنا الحالي في تطوير بدائل للمضادات الحيوية التي تستهدف هذه الأنواع من البكتيريا.
  • في الأيام الأولى والحرجة لعلاج المصابين بمرض "كوفيد-19"، اضطُرت المستشفيات في إيطاليا، وفي مدينة نيويورك، وأماكن أخرى حول العالم، إلى تشغيل جهاز التنفس الصناعي -وهو جهاز اختُرِع قبل 100 سنة تقريبًا، ولم يخضع لأي تعديل، في واقع الأمر، منذ منتصف القرن العشرين- وهو يخدم مريضًا واحدًا في المرة الواحدة، وقد أجبر هذا المستشفيات على الترشيد في تقديم الرعاية، ما أحدث زيادةً في معدلات الوفاة.

هذه الأزمات ليس منشؤها غياب الرغبة أو الاستعداد لمواجهة المشكلات؛ فبرغم كل شيء، يتوافر لدينا الآن لقاح ضد شلل الأطفال، ولقاح ضد الجدري، وعدد من اللقاحات ضد مرض "كوفيد-19"، وحتى في ظل غياب "المراحل النهائية"، كما هي الحال مع لقاحات فيروس نقص المناعة البشرية المكتسب، أو المضادات الحيوية الأكثر فاعلية، استطاعت العقاقير المضادة للفيروسات أن تُحسِّن من مستوى جودة حياة المرضى المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية المكتسب وبالإيدز، ورفعت متوسطات أعمارهم، وفي الوقت ذاته، تُستخدم المضادات الحيوية في معظم الحالات للحد من المضاعفات الرئيسية للحمى القرمزية.

لا ريب أن إرادة الابتكار موجودة، غير أن الأزمات تنشأ نتيجة حدوث تغيُّر جذري في عملية التطوير، وذلك عندما تتحول نتيجة إيجابية سريعًا إلى نتيجة سلبية، أو عندما تتوقف العملية على نحوٍ مفاجئ؛ فقد يتبين أن الفكرة التي تبدو رائعةً على الورق تتعذَّر ترجمتها على أرض الواقع.

هناك الكثير من السيناريوهات التي يمكن أن تخلق معوقاتٍ تعترض سبيل عملية تطوير اللقاحات، ومن العوامل الواضحة التي يمكن أن تقف في طريق الابتكار سُمِّية العقاقير، أو عدم فاعلية اللقاحات، أو حدوث آثار جانبية لدى المريض، كما يمكن أن تُشكِّل تعقيدات التصميم عائقًا أمام طريقة إعطاء جرعة العقار، أو تزيد من كلفة تصنيعه، وقد تشمل المعوقات أيضًا محدودية المواد الخام المتاحة، أو صعوبة الحفاظ على اللقاح في حالة مستقرة، أو كثرة متطلبات سلسلة التبريد مثلما رأينا في حالة لقاح "كوفيد-19" الذي أنتجته شركة "فايزر" Pfizer.

وحتى عند الوفاء بجميع المعايير الصحيحة، ربما تفقد العلاجات أو اللقاحات الواعدة بريقها؛ فقد يصنع أحد المنافسين لقاحًا يكون مكافئًا لها في الفاعلية، لكنه أقل كلفةً أو أسهل في طريقة تعاطيه، أو تستخدمه مجموعات سكانية كبيرة العدد كالشباب، أو كبار السن، أو الأشخاص الذين يخضعون لتثبيط مناعي لأسباب علاجية، ورغم أنه من السابق لأوانه الحكم على الأمور في الوقت الراهن، فإن النموذج المنافس هنا يمكن أن يكون لقاح الجرعة الواحدة ضد مرض "كوفيد-19"، الذي أنتجته شركة "جونسون آند جونسون" Johnson & Johnson، مقارنةً باللقاحات التي تُعطى على جرعتين، كتلك التي أنتجتها شركتا "أسترازينيكا" AstraZeneca و"موديرنا" Moderna، وهي اللقاحات التي تواجه تحدياتٍ إضافيةً تتمثل في وضع جداول زمنية للمتابعة، والاحتفاظ بسجلات سريرية للأشخاص الذين يتلقون اللقاح.

كيف يمكن لتجارب التحدي البشري أن تُسهِم في تسريع عملية تطوير اللقاحات؟

أكثر المعوقات شيوعًا في مجال تطوير اللقاحات هي التكلفة، والمخاطر، والأمان، والوقت؛ فأحيانًا يبدو لقاحٌ ما واعدًا في مرحلة ما قبل التجارب السريرية أو في المرحلة الأولى من التجارب السريرية، إلا أنه عندما يعترض أيٌّ من هذه العوامل طريق الفريق البحثي، فإن ذلك يمكن أن يؤدي إلى تحول جذري مفاجئ في العملية برُمتها، على نحو يُفضي إلى الفشل في الانتقال باللقاح المرشح إلى خطوات متقدمة.

لحسن الحظ، توفر النماذج السريرية -مثل تجارب التحدي البشري- فرصةً لتجاوز هذه المعوقات؛ ففي هذه التجارب يجري عن قصد إخضاع متطوعين أصحاء للإصابة بمرضٍ مُعْدٍ، ويتيح ذلك للباحثين دراسة تأثير إعطاء هذه العينة المصابة لقاحًا ضد المرض، ويحدث ذلك في بيئة تخضع للمراقبة والتحكم الدقيق، ويظل المشاركون في مواقعهم طوال التجربة، كما يقوم على التجربة مختبرٌ مجهز تجهيزًا كاملًا بالمتخصصين الذين يقدمون أي رعاية يمكن أن يحتاج إلى المتطوعين، في نموذجٍ كهذا، يمكن ضبط ومراقبة جميع المُعامِلات التجريبية تقريبًا (بيانات المشاركين، والمعلومات المراد استقاؤها من فحصهم، والجداول الزمنية لإجراء التقييمات، وجرعة العوامل المُمرِضة التي يتم إعطاؤها، وتوقيت التطعيم).

وتوفر دراسات التحدي البشري معلوماتٍ أكثر أهميةً وجدوى من تلك التي توفرها دراسات التحدي الحيواني، التي تعطي نتائج تحتاج إلى مزيد من الاستقصاء لتحديد مدى تأثير لقاحٍ معين على الإنسان، كما تسمح دراسات التحدي البشري أيضًا بإجراء التجارب على قطاع صغير من المشاركين، وتقليل النتائج الضائرة أو المضاعفات السريرية أو الحاجة المُلحة لدخول المستشفى إلى أدنى درجة ممكنة، وأخيرًا، فإن صغر حجم التجربة يقلل المخاطر المالية للفشل؛ لأن كمية اللقاح المطلوبة لتجربة التحدي البشري أقل بكثير من تلك المطلوبة للمرحلة الثانية من التجارب السريرية.

تجدر الإشارة إلى أن دراسات التحدي البشري لا تُجرى بشكلٍ منعزل؛ فربما أمكننا القول إن منظومة التجارب السريرية، المُتَّبعة حاليًّا، والمستندة إلى عقود من التطوير الناجح للعقاقير واللقاحات، تمثل في واقع الأمر أحد نظم مراقبة الجودة، فالدراسات السريرية تهدف إلى استبعاد اللقاحات غير الواعدة، بالقدر نفسه الذي تسعى فيه لتطوير اللقاحات الواعدة وتحسينها، ويتعيَّن على شركات التكنولوجيا الحيوية والشركات الدوائية أن تحصل على بياناتٍ ذات دلالة إحصائية، من خلال تجارب تخضع لرقابة صارمة وشديدة التدقيق، قبل أن تحصل على ترخيص بطرح منتجها في الأسواق، ويجب أن تمر كل خطوة في هذه العملية عبر بوابة محددة لقياس مستوى الجودة.

ويمكن القول إن دور دراسات التحدي البشري يتمثل في العمل كبوابة للحكم على جودة اللقاحات، بمجرد توافر الأدلة الأولية على أمان المنتج المرشح للاستخدام، وذلك من خلال الدراسات التي تسبق التجارب السريرية ودراسات المرحلة الأولى من التجارب السريرية، ودراسات التحدي البشري تُعد أيضًا نموذجًا ناجحًا لتتبُّع الحالات المرضية، إذ قادت إلى توفير حلول جيدة تتمثل في لقاحاتٍ آمنة وفعالة وغير مكلفة، لكل الأمراض المعدية تقريبًا التي تصيب الأطفال، إضافة إلى الملاريا والتيفويد والكوليرا والإنفلونزا، لقد أحدثت هذه التطورات الطبية تحولًا في متوسط العمر، إذ زادته بمعدل 10 سنوات منذ ستينيات القرن العشرين، ومن المرجح أن تساعد الأشخاص العاديين على أن يبلغوا العقد التسعين من أعمارهم بحلول عام 2050.

 

"كوفيد-19" يكشف عن أهمية الإسراع بتطوير اللقاحات

إن الجهود المبذولة حاليًّا لتطوير اللقاحات الهادفة إلى كبح جماح جائحة "كوفيد-19" خير شاهدٍ على أهمية إزالة المعوقات التي تعترض سبيل الابتكار في مجال الرعاية الصحية.

ففي ذروة عملية تطوير اللقاحات، كان هناك ما لا يقل عن 120 لقاحًا في طور التجريب والاختبار، وتَسبَّبَ عددٌ قليلٌ من تلك اللقاحات المرشحة -التي جرى التخلِّي عنها حاليًّا- في إصابة البعض بالمرض التنفسي المِخْلوي الأكثر حدةً، كما تعرضوا لإصابة حادة وشديدة في الرئة، وغير ذلك من أشكال تضرُّر العضو، وكشفت التجارب أن قرابة 6% فقط من جميع اللقاحات المرشحة ضد مرض "كوفيد-19" هي التي ستنجح في الوصول إلى الأسواق في نهاية المطاف.

في ظل هذه المخاطر، تَعاملَ قطاع الرعاية الصحية مع عملية تطوير لقاحات "كوفيد-19" بالقدر نفسه من الحذر الذي تعاملَ به في الماضي مع عددٍ لا يُحصى من مشروعات تطوير اللقاحات، وفي الوقت ذاته، كانت هناك حاجة ماسة إلى اللقاح، وتوقَّع البعض أن يؤدي فيروس كورونا المسبِّب للمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة من النوع الثاني "سارس-كوف-2" (SARS-CoV-2) إلى تراجُع متوسط العمر في المملكة المتحدة بمقدار ست سنوات، ومن ثم لم يكن مقبولًا اتباع جدول زمني مماثل لما اتُّبع في المساعي الرامية للوصول إلى لقاح ضد نقص المناعة البشرية المكتسب.

وفي ظل هذا السياق، حدثت تغيراتٌ هائلة في القواعد التوجيهية التي يتبعها كلٌّ من هيئة الغذاء والدواء الأمريكية، ومنظمة الصحة العالمية، وعملت الجهات الرقابية والتنظيمية على تهيئة بيئاتٍ مناسبة للانتقال باللقاحات المرشحة إلى دراسات المراحل الأخيرة، استنادًا إلى وجود مؤشرات قوية للأمان والفاعلية، وبفضل هذه الرؤية الجديدة، تسارعت وتيرة تطوير منتجات آمنة، مع الاعتراف في الوقت ذاته بأن معدل التناقص العددي المتوقع للقاحات المرشحة يمكن أن يكون كبيرًا، وأن الأحداث غير المتوقعة يجب ألا يتم التعامل معها على أنها أحداث استثنائية، وجرى التأكيد على أن العقبات يجب ألا تكون سببًا في التوقف التام عن تطوير اللقاح، بل يجب، في المقابل، التركيز على التقدم المحرَز واعتباره سببًا كافيًا لمواصلة المسيرة.

في هذه البيئة، يمكن أن تضطلع الشركات التجارية التي أرست دعائمها في سوق تجارب التحدي البشري، ومنها شركة "إتش فيفو" hVIVO، بدور رائد في نماذج الأمراض الوبائية والمتوطنة، بهدف الإسراع من وتيرة تطوير اللقاحات التي تَثبُت فاعليتها، تستطيع هذه الشركات أن تعمل باعتبارها شريكًا مهمًّا لقطاعَي الصناعات الدوائية والتقنية الحيوية، من خلال إسهامها في إزالة العقبات التي عاقت عملية الابتكار وقتًا طويلًا.

ومن خلال دراسة تأثيرات اللقاح على المتطوعين في تجارب التحدي البشري -الذين جرى تعريضهم عمدًا للإصابة بالمرض الذي يُفترض أن يستهدفه اللقاح- يستطيع الباحثون أن يُفرِزوا اللقاحات المرشحة في الوقت المناسب، وينتقلوا باللقاحات الواعدة أكثر من غيرها إلى التجارب التالية، بوتيرة أسرع مما يحدث في نماذج التجارب السريرية التقليدية، هذا من شأنه أن يتيح للمزيد من الناس تلقِّي اللقاح في وقت أقصر، وهو ما يمكن أن يقلل من سرعة انتشار هذا المرض الفتاك، ويُحسِّن النتائج الصحية حول العالم.