ولَّت الأيام التي كان فيها الفيزيائيون يتحققون من صحة النظريات الجديدة بإسقاط الأجسام من فوق برج بيزا المائل. فمِن اكتشاف بوزون هيجز إلى اكتشاف موجات الجاذبية، تتطلَّب الاكتشافات الفيزيائية الحديثة مستوًى هائلًا من الدِّقة. وتوخِّيًا لهذه الدقة، تتجه أنظار العلماء صوب الفضاء، ويزداد اعتمادهم عليه يومًا بعد يوم، معتبرين أنه المختبر النهائي الحاسم.

ويُمثِّل عمر النيوترونات أحدث لغزٍ يأمل الفيزيائيون كشف غموضه خارج كوكب الأرض. صحيحٌ أنَّ النيوترونات تكون مستقرةً داخل النوى الذرية، ولكنها حين تتحرَّك بحرِّية، تتحلَّل إلى جسيماتٍ أخرى في غضون دقائق. غير أنَّ تحديد عمر النيوترونات بدقة طالما كان أصعب من المتوقع؛ ذلك أنَّ التجارب المختلفة خرجت بنتائج متضاربة طوال العقود الماضية. ولذا، من شأن معرفة القيمة الحقيقية أن تحسم هذا الجدل القائم منذ أمدٍ بعيد، ليس هذا فحسب، بل إنها ستساعد كذلك في الكشف عن وفرة الهيليوم في المراحل المبكرة من عمر الكون، وتُسلِّط الضوء على كيفية تكوُّن النجوم والمجرَّات الأُولى.

فيما مضى، كانت تجارب النيوترونات التي أُجريت على الأرض قد اعتمدت على منهجيَّتين اثنتين لقياس عمر الجسيمات: منهجية "القنِّينة" ومنهجية "الشعاع". انتهتْ منهجية "القنِّينة" -التي تتضمَّن حبس النيوترونات داخل وعاء واحتساب العدد المتبقي منها بمرور الوقت- إلى أنَّ عمر النيوترونات يبلغ 879 ثانية. وأمَّا منهجية "الشعاع" -التي تعتمد تجاربها على اكتشاف البروتونات التي تنشأ عند تحلُّل النيوترونات- فقد انتهت إلى أنَّ أطول النيوترونات عمرًا يعيش 888 ثانية. ويُعَد هذا الفارق البالغ تسع ثوانٍ ضخمًا، قياسًا إلى درجة عدم اليقين المُحتسبة في كلا القياسين. وعليه، فلا بد أنَّ أحد التقديرين خطأ، لكنَّ العلماء لا يعرفون أيهما الصواب وأيهما الخطأ.

وهنا يأتي دور مسبار "ماسنجر" MESSENGER الفضائي، الذي أطلقَتْه وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" لدراسة كوكب عطارد في عام 2004. حمل المسبار على متنه مطياف نيوترونات، وهو عبارة عن أداة للكشف عن النيوترونات الحرة، من أجل المساعدة في تحديد مواضع المعادن الموجودة على سطح الكوكب. لكنَّ استخدام هذه الأداة لقياسِ ثابتٍ فيزيائي أساسي لم يُدرَج قَط ضمن أهداف برنامج "ماسنجر".

قنِّينة فضائية هائلة

أدرك العلماء مؤخرًا أنَّهم ربما يستطيعون إعادة تحليل بيانات تلك المهمة الفضائية لقياس عمر النيوترونات. إذ يمكن النظر إلى النيوترونات الحبيسة بفعل جاذبية أحد الكواكب على أنها -بطريقةٍ ما- تُشكِّل تجربةً يكون فيها مجال هذه الجاذبية أشبه بقنِّينة هائلة، على غرار تجارب منهجية "القنِّينة"، وإن كانت هذه التجربة منطويةً على مجموعة مختلفة تمامًا من درجات عدم اليقين المنهجي، مقارنةً بالتجارب القائمة على هذه المنهجية (أو منهجية "الشعاع") التي تُجرى على الأرض. وعلاوةً على ذلك، توفِّر بيئة التجربة الفضائية جُملةً من المزايا الإضافية، كانخفاض مستويات التشويش الناتج عن الاهتزازات، حسبما ذكر نان يو، الذي يعكف على دراسة قياسات دقة التجارب التي تُجرى في الفضاء في "مختبر الدفع النفَّاث" Jet Propulsion Laboratory التابع لوكالة ناسا.

كان فريقٌ بحثي يقوده جاك ويلسون -الباحث في مجال العلوم الكوكبية في مختبر الفيزياء التطبيقية بجامعة جون هوبكنز- قد سعَى لأول مرَّة إلى استخدام بياناتٍ من رحلة مسبار "ماسنجر" التي حلَّق فيها على مقربة من كوكب عطارد في عام 2008. بيد أنَّ التركيب المعقد لسطح الكوكب خَلَق درجةً من عدم اليقين، كانت من الضخامة بحيث لم تناسب حسابات الفريق. وأمَّا كوكب الزهرة، فيحتوي على غلافٍ جوي يتكون من ثاني أكسيد الكربون والنيتروجين، ولمَّا كان العلماء يُلمُّون إلمامًا كافيًا، فقد وقفوا على طبيعة سلوك النيوترونات التي تُفلت منه. ومن ثَمَّ، حوَّل الفريق انتباهه إلى رحلة مسبار "ماسنجر"، التي حلَّق فيها بالقرب من كوكب الزهرة في عام 2007، والتي أُجريت بينما كان المسبار في طريقه إلى عطارد، وأثمرت تلك الرحلة قدرًا ضئيلًا من البيانات لا يتجاوز 45 دقيقة. وفي معرِض تعليقه على تلك الرحلة، قال ويلسون: "كان السبب الوحيد وراء تشغيل أدوات «ماسنجر» في أثناء تحليقه بالقرب من الزهرة هو التحقُّق من أنَّها تعمل على ما يرام. أيَّ أنَّ المسبار لم يكن بصدد إجراء أي عملٍ علمي هناك".

وفي أثناء تحليق المسبار بالقرب من كوكب الزهرة، على ارتفاع 340 كيلومترًا من سطح الكوكب، أُتيح للفريق إحصاء النيوترونات الموجودة على نطاقٍ واسع من الارتفاعات المختلفة. وقد أوضح ويلسون قائلًا: "يُعَد الارتفاع في حقيقة الأمر مماثلًا لعامل الوقت؛ فكلما زاد الارتفاع عن سطح الكوكب، طالت فترة انتقال النيوترونات، وزادت احتمالية تحلُّلها".

وفي نهاية المطاف، احتاج ويلسون وفريقه في جامعة جون هوبكنز -بالتعاون مع زملاء من جامعة دورهام في إنجلترا- إلى بياناتٍ من كلتا الرحلتين لإكمال نموذجهم. وقدَّروا أن عمر النيوترون 780 ثانية، بهامش زيادةٍ أو نقصٍ مقداره 90 ثانية، ما يُعد نطاقًا كبيرًا من عدم اليقين، ينسجم مع نطاق عدم اليقين في منهجيتَي "القنينة" و"الشعاع". وقد نُشِرَت النتائج في الحادي عشر من يونيو الماضي في دورية "فيزيكال ريفيو ريسيرش" Physical Review Research. ويرى العلماء أنَّه على الرغم من أن القياس لم يكن دقيقًا بما يكفي لحلِّ مأزق قياس عمر النيوترون بدقة حتى الآن، فإن هذه الطريقة تُبشِّر بالنجاح في المستقبل.

الأمل في التوصُّل إلى حلّ

في تصريحٍ أدلَتْ به شانون هوجرهايد، المعنية بإجراء تجارب مستمرة اعتمادًا على منهجية "الشعاع" بالمعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا، قالت: "أرى أنها فكرة رائعة جدًّا. لقد أبهرني أنَّ [الباحثين] قد تمكنوا من فعل ذلك". وكذلك رحَّب بيتر جلتنبورت -الذي يعكف على إجراء تجاربه مستعينًا بمنهجية "القنينة" في معهد لاو-لانجفان في فرنسا- بهذه النتيجة "المذهلة والمثيرة"، على حد وصفه. يُذكر أن أيًّا من الباحثَين لم يشارك في إعداد هذه الدراسة الجديدة. وقال جلتنبورت إنَّ القياسات المستقبلية في الفضاء "يُمكن أن تُسهم إلى حدٍّ كبير في حلِّ لغز عمر النيوترونات". غير أنه يستدرك قائلًا: إن أمام الباحثين طريقًا طويلةً حتى يبلغوا تلك الغاية.

وصحيحٌ أنَّ احتواء حسابات "ماسنجر" على بياناتٍ من رحلتي المسبار بالقرب من عطارد والزهرة قد خَلَق درجةً كبيرة من عدم اليقين المنهجي، إلا أنه في المهمات الفضائية المستقبلية، يُنتظر أن يكون التحليق بالقرب من كوكب الزهرة مرَّاتٍ عديدة مُغْنيًا عن الحاجة إلى بياناتٍ من كوكب عطارد، الأمر الذي من شأنه أن يُقلِّل درجة عدم اليقين إلى حدٍّ بعيد. ورغم ذلك، ترى هوجرهايد أن تقليل هامش الخطأ من 90 ثانية إلى 9 ثوانٍ لن يكون أمرًا يسيرًا. وأضافت أنَّ "الشيطان يكمن في الأمور المنهجية". وبالنظر إلى تكلفة إرسال مهمة فضائية، وما يتصل بها من تعقيدات، فسوف ينتظر علماء فيزياء الجسيمات سنواتٍ قبل أن تسنح فرصة لجمع بياناتٍ جديدة.

وفي الأثناء، يُحلِّل فريق ويلسون بياناتٍ قديمة تحصَّل عليها من مسبار "لونار بروسبكتور" Lunar Prospector التابع لوكالة ناسا، والذي دار حول القمر من عام 1998 إلى عام 1999. وكما هو الحال مع مسبار "ماسنجر"، حمل هذا المسبار مطياف نيوترونات ربما يُسفِر عن وضع تقدير لعمر النيوترونات. وفي هذه الحالة، سينشأ عدم يقينٍ منهجي راجع إلى حجم القمر الصغير، وافتقاره إلى غلافٍ جوِّي سميك. وبالرغم من التحدِّيات التي تلُوح في الأفق، أعرب ويلسون عن تفاؤله، وقال: "من المثير أن تكون لدينا حلول متعددة، وإن اختلفت فيما بينها اختلافًا جذريًّا، إذ إن ذلك يعكس وجود إمكانية حقيقة هنا لإحراز تقدُّم كبير".