سوف تُخلد المشاهد التي وقعت داخل مبنى الكابيتول يوم الأربعاء، السادس من يناير، على أنها مشاهد مخزية أبد الدهر؛ ففي الوقت الذي كان الكونجرس يستعد فيه للتصديق على تصويت المجمع الانتخابي وإعلان جو بايدن رئيسًا منتخبًا للولايات المتحدة الأمريكية، اقتحم الآلاف من مؤيدي دونالد ترامب مبنى الكابيتول، وخربوا قاعاته، واحتلوا مكتب رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي.

وتُظهر الصور ومقاطع الفيديو مجموعةً من المتمردين، الذين كان أغلبهم من الذكور البيض، وقد حملوا الأسلحة، وأعلامًا كونفدرالية، وأعلامًا مزينة بالصلبان المعقوفة، ولافتات حول نظرية المؤامرة على الرئيس ترامب، إضافة إلى مُهيجات كيميائية، وفق ما أفادت الشرطة، وقد تسلقوا الجدران الخارجية وصعدوا فوق السقالات، وحطموا النوافذ، وتدلوا من الشرفات، واقتحموا أبواب مجلس الشيوخ، واندفع رجل أبيض تجاه المنصة، صائحًا: "ترامب فاز بتلك الانتخابات".

وبعد ساعات من ذلك، ظل أكثر من 120 من المشرِّعين –أغلبهم من الذكور البيض– يتعهدون بمقاومة فوز بايدن في الانتخابات.

ورغم أنه لا شك في أن ترامب يحظى بتأييد كبير بين الإناث البيض، فإن أكثر مؤيديه حماسةً غالبًا ما يكونون من الذكور والبيض، وقد أيد هؤلاء الرجال -الذين تتباين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية تبايُنًا واسعًا- الرئيس ترامب بعزم لا يلين، بل بعنف، على الرغم من المخاطر التاريخية التي فرضتها إدارته على الصحة العامة، والسلامة، وكذلك على المُثُل والهياكل الديمقراطية الأمريكية، ولقد تكهن العديد من الخبراء والمحللين بالعوامل الكامنة وراء هذا التأييد للرئيس ترامب: هل هي العنصرية؟ أم الاقتصاد؟ أم الذكورية الهشة؟ أم القلق الطبقي؟ أم الخوف السياسي؟ أم الطائفية؟ ففي مقال رأي نُشر في صحيفة نيويورك تايمز في أكتوبر الماضي، أشار مايكل سوكولوف إلى أن الهوة السياسية بين الذكور البيض وباقي أفراد المجتمع يجب أن يُطلَق عليها اسم «فجوة الرجل الأبيض» أو «مشكلة الرجل الأبيض».

غير أن علماء الإدراك صاغوا منذ زمن بعيد مصطلحًا يعبر عن القوى النفسية التي أدت إلى الانقسام السياسي القائم على النوع والعرق الذي نراه اليوم، وتشير أبحاث هؤلاء العلماء -وعقود من الأبحاث الأكاديمية اللاحقة- إلى أنه إذا أراد المرء أن يفهم «ظاهرة ترامب»، فمن الأفضل أن يفهم أولًا علم إدراك المخاطر.

ولنعد إلى عام 1994، ذلك العام الذي نشرت فيه مجموعة من الباحثين بقيادة بول سلوفيك دراسةً سألت قرابة 1500 أمريكي من جميع أنحاء البلاد عن كيفية إدراكهم لأنواع المخاطر المختلفة، لا سيما المخاطر الصحية البيئية، ووجد سلوفيك وفريقه أن الذكور البيض يختلفون عن النساء البيض، وعن الرجال والنساء غير البيض، في كيفية إدراكهم للمخاطر؛ فبالنسبة لكل فئة من فئات التهديدات، رأى الرجال البيض أن المخاطر أقل بكثير ومقبولة أكثر بكثير مقارنةً بالمجموعات الديموجرافية الأخرى، وكان هذا هو ما أطلقوا عليه اسم «تأثير الرجل الأبيض»، ووجد الباحثون أيضًا أن النساء البيض يرين المخاطر -في جميع المجالات- أعلى بكثير من الرجال البيض، لكن هذا لم يكن ينطبق في حالة النساء والرجال غير البيض، الذين كانوا يرون المخاطر على المستوى نفسه تقريبًا، مما يشير إلى تعقيدات تستحق مزيدًا من الدراسة والبحث، وفي النهاية، ضمت التوسعات التي أُجريت على هذه الدراسة مجموعةً واسعةً من المخاطر، تتضمن استخدام المسدسات، والإجهاض، والتهديد النووي، وعقوبة الإعدام.

وعلى مر السنين، أضافت الدراسات اللاحقة طبقاتٍ من الفروق الدقيقة إلى فهم دراسة عام 1994 وتفسير نتائجها؛ فبحلول عام 2007، كان الباحثون يفسرون «تأثير الرجل الأبيض» في سياق الإدراك الثقافي، موضحين أنه نتاجٌ للنوع والعرق على نحوٍ غير مباشر فحسب، وأنه نشأ -على مستوى جوهري- عن الاختلافات في الهوية الثقافية، والأمان الاجتماعي الاقتصادي، والمواقف تجاه المساواة والمجتمع، غير أن الفكرة الأساسية تمثلت في أن المجموعات المختلفة يمكن أن تدرك الخطر نفسه من خلال وجهات نظر مختلفة تمامًا، وفي حالة الرجال البيض، غالبًا ما يكون هذا منظورًا يسعى إلى الحفاظ على الهوية الثقافية الراسخة والوضع الاجتماعي؛ فكما لاحظ الكثيرون، ثمة فارق صارخ بين الاستجابة للآلاف من مثيري الشغب المناصرين لحركة «أوقفوا سرقة الانتخابات» Stop the Steal يوم الأربعاء، السادس من يناير، وكيفية التعامل معهم، والاستجابة للآلاف الذين تجمعوا في واشنطن العاصمة في شهر يونيو 2020 لدعم حركة «حياة السود مهمة» Black Lives Matter، وكيفية التعامل معهم بدورهم.

يساعد هذا في تفسير سبب استعداد شريحة واسعة ومحددة جيدًا من الجمهور الأمريكي -بدايةً من جماعة «الأولاد الفخورون» Proud Boys وغيرها من الجماعات المتطرفة التي أرهبت واشنطن العاصمة في الأسابيع الأخيرة، إلى أعضاء مجلس الشيوخ الذين مزقوا جذور الديمقراطية في الكونجرس- لقبول مخاطر رفض ترامب لانتخابات شرعية؛ فهم يرون تهديدًا أكبر في الأفق: تهديدًا لمكانة اجتماعية مرموقة يتصورون أن ترامب وحده هو الذي يستطيع استبقاءها والحفاظ عليها، وهي مكانة اجتماعية ترتبط حتمًا بالعرق، والنوع، والدين.

وقد كتب سلوفيك وزملاؤه في ورقة بحثية عام 2007 عبارة لا تزال تدوي بصدق حتى يومنا هذا، يقولون فيها: "إن الأفراد يصدقون أو يرفضون على نحو انتقائي المخاطر المؤكدة بطريقة تدعم الشكل المفضل لديهم للتنظيم الاجتماعي"، وبعبارة أخرى، فإن دعم ترامب -من وجهة نظر بعضهم- هو استجابة نفسية ملطِّفة للمخاطر المتوقعة.

وعندما يجري إذكاء هذه الحاجة المتوقعة لحماية هوية المرء من قِبَل أناس في مواقع السلطة، فإنها يمكن أن تتحول إلى شيء خطير وقبيح، وقد يؤدي الإدراك الواقي للهوية إلى ما يسميه سلوفيك وآخرون من الباحثين «العنف الحميد»، وهو العنف الذي يدعمه الناس أو يرتكبونه لأنهم يعتقدون أنه صحيح أخلاقيًّا، وفي دراسة أُجريت في شهر أغسطس عام 2020، وجد سلوفيك وفريقٌ من الباحثين أن الرجال البيض المحافظين كانوا أكثر ميلًا من أي فئة أخرى إلى دعم العنف الحميد، و"شعروا بأنهم بعيدون اجتماعيًّا عن الأعداء، وجردوهم من إنسانيتهم​​، واعتقدوا أن الضحايا هم المسؤولون عن مصيرهم".

وبطبيعة الحال، يمكن العثور على أصداء هذه الأفكار في الكثير من عمليات التنظير التكهنية حول الاستقطاب السياسي والطائفية اليوم، وليس من الصعب تصوُّر سبب صعوبة اكتساب مصطلح «تأثير الرجل الأبيض» للزخم في المشهد الإعلامي الذي يهيمن عليه الرجال البيض، ولكن بالنظر إلى قوة هذا البحث في تفسير التصورات العامة لقضايا متنوعة مثل تنظيم الأسلحة النووية، وتغيُّر المناخ، وأنظمة الغذاء، والسياسة، والتكنولوجيا، سيكون من المفيد استخدام لغة مشتركة من أجل المعنى، والفهم.

وربما يكون الاسم الذي نستخدمه لوصف الاختلافات الاجتماعية والثقافية في إدراك المخاطر أقل أهميةً -في نهاية الأمر- مما نفعله حيال تلك المخاطر، وتتسم هذه الأبحاث الأكاديمية بأنها ذات قيمة كبيرة، ولكنها لا ينبغي أن تطغى على العنف والأذى الذي يحدث في عالم الواقع؛ فالعنف الحميد يظل عنفًا، ولا يوجد شيء مجرّد بشأن دور الإدراك الوقائي للهوية في تفوق الرجل الأبيض، وما يبدو أن العلم يشير إليه بوضوح -وما رصده أناس مثل بول سلوفيك طيلة عقود- هو أن الأزمات المتعددة المتداخلة للمجتمع لا يمكن حلها حين يجري تكليف المؤسسات الحاكمة المكونة أساسًا من الرجال البيض -المتطرفين من حيث إدراك المخاطر- باتخاذ قرارات بشأن المخاطر تمس المجتمع ككل، بل ينبغي أن يكون الأفراد المخولون سلطة اتخاذ القرارات بشأن ما هو خطير وما هو دون ذلك ممثلين للمجتمع ككل، وينبغي أن يتمتع هؤلاء الأفراد بالتمثيل والسلطة ليكونوا جزءًا من اتخاذ القرار النهائي.

ويؤدي العلم المعرفي –الثري والدقيق- بالهوية، والمكانة، والمخاطر، دورًا مهمًّا في توحيد العديد من الخيوط الدقيقة في مناقشة أزمتنا السياسية الحالية، ويجب أن يكون مكونًا أساسيًّا في أي تحليل يحاول أن يفسر كيف وصلنا إلى هذا الصدع السياسي العنيف، ومن شأنه أن يكون أداةً في غاية الأهمية لرأب ذلك الصدع.

نُشِرَ هذا المقال للمرة الأولى في دورية "آندارك".