في الوقت الذي يسارع فيه العلماء لفهم فيروس كورونا الجديد «سارس-كوف-2» واحتواء الفوضى التي تسبب فيها، خلق تفشِّي الفيروس حالةً من الفوضى داخل المجتمع العلمي نفسه.

فمع زيادة حالات الإصابة المؤكدة بمرض «كوفيد–19» في الولايات المتحدة وحول العالم، بدأت التجمعات بجميع أنواعها تُلغى أو تؤجل. ويشمل ذلك مؤتمرات المطورين في قطاع التكنولوجيا، ومعارض الكتب، وحفلات موسيقى الروك، ومعارض السيارات، وأسبوع المناخ الذي ترعاه الأمم المتحدة، بالإضافة إلى عديدٍ من المؤتمرات العلمية، التي عادةً ما تكون أرضًا خصبة للأفكار الجديدة والمشروعات التعاونية. وعن ذلك تقول سارة هورست، عالِمة الكواكب في جامعة جونز هوبكنز: "المؤتمر التالي بالنسبة لي هو مؤتمر «تيتان عبر الزمن» Titan Through Time في مدينة بولدر بولاية كولورادو، ولم يبلغونا بأي معلوماتٍ حول انعقاده من عدمه حتى الآن. أوه، لقد تلقيتُ للتو رسالة بريدٍ إلكتروني تفيد بأنَّهم قد أجلوه".

وفي الوقت نفسه، بدأت المؤسسات البحثية والوكالات الحكومية تفرض قيودًا تتزايد صرامةً مع الوقت، تمنع العلماء من السفر دوليًّا ومحليًّا. وفي الوقت الحالي، لجأ عديدٌ من الباحثين إلى الاجتماعات الإلكترونية (والدراسة الجامعية عبر الإنترنت). ومع ذلك، لا يمكن لمثل هذه البدائل أن تعوض ما خسره الباحثون بالكامل؛ لأنَّ التجمعات الشخصية بالغة الأهمية للمشروعات التعاونية، بالإضافة إلى المشروعات واسعة النطاق، مثل تصميم المركبات الفضائية، أو رصد موجات الجاذبية. ويخشى عديدٌ من العلماء من أنَّ الاستمرار في إلغاء المؤتمرات لفترةٍ طويلة قد يكون له أثرٌ ضار، وبالأخص على الطلاب، والباحثين الذين ما زالوا في بداية حياتهم المهنية، إذ تعتمد كلتا الفئتين على المؤتمرات للعثور على الوظائف، والإعلان عن أعمالهم. وعن ذلك تقول لويز بروكتر، عالِمة الكواكب ومديرة معهد القمر والكواكب في اتحاد أبحاث الفضاء بالجامعات: "لا يملك هؤلاء فرصةً أخرى لعرض أبحاثهم والتشبيك مع الآخرين".

القيود المفروضة على السفر

شهد الأسبوعان الماضيان زيادةً في القيود المفروضة على السفر، وأصبحت بعض التوجيهات أكثر صرامةً مع زيادة حدة تفشي الفيروس. وفي هذا الصدد، تختلف مثلًا القيود التي فرضتها وكالة ناسا باختلاف المركز. إذ حُظر على بعض علماء الوكالة السفر في أي رحلاتٍ دولية "ليست ضرورية للبعثات"، وعُرِّفت تلك الرحلات الضرورية للبعثات جزئيًّا في مذكرةٍ أُرسلت إلى موظفي مختبر الدفع النفاث بأنَّها "الرحلات التي تتطلب الحضور المادي للشخص؛ لتوصيل معدات الطيران، وتجميعها، واختبارها". لكن هناك مراكز أخرى تابعة لوكالة ناسا لم تعد تسمح بالسفر محليًّا إلا في حالة الأنشطة الأساسية فقط، وحتى نشر هذا المقال، لم يُفرض حظرٌ على مستوى الوكالة على الأنشطة داخل البلاد. هذا بالإضافة إلى أنَّ مركز أبحاث إيمز التابع لناسا في كاليفورنيا طلب من جميع الموظفين العمل عن بُعد من خارج المقر، بعد أن تأكدت إصابة أحد العاملين فيه بفيروس كورونا الجديد.

ووضع المرصد الوطني لعلم الفلك الراديوي أيضًا مبادئ توجيهية، تفرض قيودًا على جميع الرحلات المتعلقة بالعمل. وكذلك فرضت بعض الجامعات -بما في ذلك جامعة نورث كارولينا في مدينة تشابل هيل- حظرًا على السفر في رحلاتٍ تتعلق بأعمال الجامعات إلى المناطق المتأثرة بمرض «كوفيد–19»، التي تتضمن ولايتي كاليفورنيا وواشنطن. هذا بالإضافة إلى أنَّ وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) لم تعد تسمح لعلمائها إلا بحضور الفعاليات ذات الأولوية القصوى فقط، وتمنع حاليًّا في منشآتها الزيارات غير المتعلقة بالعمل. ويقول يان فرنر، المدير العام للوكالة: "نخشى أن يصل الفيروس إلى مركز عملياتنا، حيث نتحكم في الأقمار الصناعية وندير المهمات العلمية". وفي الوقت الحالي، ينقسم موظفو مركز العمليات إلى فريقين لا يُسمح لهما بمقابلة بعضهما، في محاولةٍ لمنع انتشار الفيروس بينهما.

وبينما كان العلماء في المعتاد يسافرون كثيرًا لعرض أعمالهم، وإلقاء المحاضرات العامة، ومراجعة المقترحات، وتصميم بعثات الفضاء، وحضور المؤتمرات، التي يشهد كثيرٌ منها عددًا كبيرًا من الحاضرين من دولٍ مختلفة، فإنَّ الوضع قد تغير الآن. وتقول هورست عن ذلك: "من الصعب معرفة كيفية التخطيط لأي شيء في الوقت الحالي، نظرًا إلى جهلنا بالقيود التي قد تُفرض، ورغبتنا فقط في أن نكون بشرًا أصحاء، وليس ناقلين للمرض".

إلغاء المؤتمرات

إنَّ قرار إلغاء مؤتمرٍ ما ليس بالقرار السهل على الإطلاق، وخاصةً في الأيام الأولى من انتشار مرض «كوفيد–19». وفي هذا الصدد تقول بروكتر: "لقد كان أسبوعًا صعبًا بعض الشيء"، إذ إنَّ بروكتر ترأس مع آخرين مؤتمر علوم القمر والكواكب (LPSC)، الذي يحضره أكثر من 1500 عالم، وكان من المقرر عقده في وقتٍ لاحق من هذا الشهر، لكن مثل عديدٍ من المؤتمرات الأخرى، لن يُعقَد المؤتمر. وتوضح بروكتر أنَّه كان عليها وزملائها أن يأخذوا في الاعتبار المخاطر التي قد يتعرض لها الحاضرون وموظفو المؤتمر، الذين كانوا سيتعاملون مع مسافرين من جميع أنحاء العالم. وأضافت: "كانت التطورات كبيرةً إلى درجةٍ بدأنا معها نشك في قدرتنا على الحفاظ على سلامة الناس، لذا قررنا أنَّ أفضل ما يمكننا فعله لمجتمعنا وموظفينا هو إلغاء المؤتمر، ويبدو أنَّ المجتمع يدعمنا بشدة".

تعقد معظم الجمعيات العلمية الكبرى مؤتمرًا واحدًا على الأقل سنويًّا، إذ يمكن لباحثي المجال المقيمين في مناطق بعيدة تقديم أعمالهم، ومقابلة باحثين جدد ليتعاونوا معهم، ودراسة الأفكار المختلفة المطروحة. وتقول هورست، التي تعمل الآن أستاذةً مساعدة في جامعة جونز هوبكنز، إنَّ حوالي 10% من أوراقها البحثية نتجت عن محادثةٍ خاضتها في مؤتمر، حضرته حين كانت طالبة دراسات عليا. وتضيف كارين دانييلز، عالِمة الفيزياء بجامعة ولاية كارولينا الشمالية: "تذهب كباحث إلى تلك المؤتمرات أيضًا لتجلس في الأروقة، وتناقش ما سمعته للتو، وتتحدث عن أفكارك الجديدة، وما ينجح منها وما يفشل".

وفي الآونة الأخيرة، اكتشفت دانييلز ومعها 10 آلاف فيزيائي آخر أنَّ اجتماع شهر مارس الخاص بالجمعية الفيزيائية الأمريكية (APS) قد أُلغيَ فجأةً، بالكاد قبل يومٍ من الموعد المقرر لبدايته في دنفر. وكان كثيرٌ من العلماء قد وصلوا إلى دنفر بالفعل، أو في طريقهم إليها، عندما علموا بهذا التغيير الذي جاء في اللحظات الأخيرة، وأغلبهم قَدِم من خارج البلاد. لذا أذهل هذا القرار المجتمع العلمي، بسبب توقيته وليس مسوِّغاته. وتوضح دانييلز: "الآلاف من الأشخاص الذين يسافرون إلى هناك يختلطون، ويتقاسمون الطعام والشراب، ثم يعودون من حيث أتوا. هذا هو بالضبط تعريف الوضع الذي يمثل خطرًا على الصحة العامة. ونحن -كجمعية علمية- لا نريد أن نكون في وضعٍ يمثل خطرًا على الصحة العامة".

واستجابةً لذلك الوضع، ساعدت دانييلز في تنظيم مؤتمرٍ على الإنترنت لقسمها في الجمعية الفيزيائية الأمريكية، الذي يركز على مجال فيزياء المواد الرخوة، المعني بالطرق التي تتصرف بها المواد القابلة للضغط عند تعرُّضها للقوى الخارجية. وتقول إنَّه بعد مواجهة عددٍ من الصعوبات الشديدة لتحديد موعد الاجتماع، سجل الباحثون الذين يريدون إلقاء كلماتٍ بالمؤتمر من خلال خدمة Zoom للتواصل والمؤتمرات المرئية. وتضيف دانييلز: "كان هناك مزيجٌ من المحاضرين، منهم أعضاء في الأكاديمية الوطنية للعلوم، وباحثون كبار، وطلاب جامعيون. وكانت المحاضرات رائعةً".

لكن استدركت دانييلز أنَّه حتى رغم نجاح ذلك المؤتمر المرئي عبر الإنترنت، سيظل هناك تأثيرٌ لإلغاء اجتماع الجمعية الفيزيائية الأمريكية، وسيشعر به بالأخص الباحثون الذي ما زالوا في بداية حياتهم المهنية.

الباحثون المبتدئون

يعتمد الطلاب الجامعيون وطلاب الدراسات العليا ودراسات ما بعد الدكتوراة على المؤتمرات، لمقابلة المزيد من كبار العلماء، وعرض أعمالهم، والعثور على وظائف. وتقول بروكتر -التي تدرس العوالم الجليدية في النظام الشمسي الخارجي- إنَّها تستغل مؤتمر علوم القمر والكواكب للعثور على طلاب دراسات ما بعد الدكتوراة، وإجراء مقابلاتٍ معهم، ورؤية المرشحين المحتملين وهم يعملون. وتضيف هورست: "تصبح المؤتمرات أكثر أهميةً حينما تكون مجهولًا بالنسبة للناس، ولا يدرون طبيعة الأبحاث العلمية التي كنتَ تجريها، وتجد الفرصة حينها لتقول: "مرحبًا، أنا أبحث عن وظيفةٍ حاليًّا'".

لذلك جهَّزت هورست عددًا من جداول البيانات على الإنترنت، بحيث يمكن للعلماء المتأثرين بالغاء المؤتمرات الإعلان عن أعمالهم. وتقول دانييلز إنَّ توفير منصة وفرصة للظهور لطلاب الفيزياء المتأثرين كان دافعًا أساسيًّا لتنظيم المؤتمر الإلكتروني، لأنَّ هذه المحادثات التي لا تستغرق سوى 10 دقائق "تُعد أمرًا مهمًّا للغاية في مجتمعنا العلمي. إنَّها ما يُبنى عليه وظائف الناس".

لكنَّ سارة باي، الطالبة بقسم الفيزياء في جامعة تينيسي بمدينة تشاتانوجا، والتي كان من المقرر أن تعرض للمرة الأولى أهم أبحاثها في مؤتمر الجمعية الفيزيائية الأمريكية، توضح أنَّها لا تشعر بقلقٍ شديد حتى الآن. وتضيف: "في النهاية، هذه الفرصة لا ينبغي لها أن تحدد نجاحي أو فشلي. فنجاح أي شخص يعتمد على ما هو أكثر بكثير من مؤتمرٍ واحد".

Read more about the coronavirus outbreak here.