تؤثر الهجمات الروسية التي تتعرض لها أوكرانيا تأثيراتٍ كارثيةً على المدنيين، والتبعات الصحية لهذه الهجمات لا تقتصر فقط على تأثيرات القصف الذي يتعرضون له، بل تتجاوزها إلى ما هو أكثر من ذلك بكثير.

فرغم أنَّ مرض "كوفيد-19" ليس التهديد الأكثر إلحاحًا الآن من بين ما يواجهه الأوكرانيون، فإنَّ المرض ما زال يمثل تهديدًا خطيرًا، ذلك أنَّ اكتظاظ القطارات وملاجئ القصف ومنشآت تسجيل اللاجئين يوفر ظروفًا مثاليةً لانتشار المرض، إضافةً إلى هذا، فقد دمرت الهجمات الروسية مرافق الرعاية الصحية في أوكرانيا، وقطعت مسارات المساعدات الإنسانية، والمستشفيات التي ما زالت تعمل تكاد تنفد مواردها من الأكسجين والإمدادات الطبية الحيوية.

وعن ذلك قال ﺗﻳدروس أدﻫﺎﻧوم جيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، في اجتماعٍ لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حول أزمة أوكرانيا يوم السابع عشر من مارس: "إنَّ الحرب في أوكرانيا لها تبعاتٌ كارثية على صحة الأوكرانيين... وهي تبعات ستستمر سنوات وربما عقودًا قادمة".

عندما اجتاحت القوات الروسية أوكرانيا في الرابع والعشرين من فبراير، كانت أعداد إصابات "كوفيد-19" في تراجُعٍ بعد أن بلغت ذروتها بسبب المتحور "أوميكرون" في أوائل فبراير، حين بلغ معدل الحالات الجديدة 37 ألف حالةٍ يوميًّا، لكن منذ بدأت الحرب، انخفض عدد فحوص "كوفيد-19" التي تُجرى على المواطنين، ولهذا فإنَّ أعداد الحالات الجديدة التي تعلنها سلطات الصحة الأوكرانية تقل على الأرجح عن الأعداد الحقيقية، أضِف إلى هذا أنَّ معدل التطعيم في أوكرانيا منخفض نسبيًّا، إذ تُقدَّر نسبة الأوكرانيين الذين تلقوا جرعات اللقاح بحوالي 36% فقط، ولهذا فإنَّ بعض الحالات الجديدة على الأقل ستكون حادة.

وبهذا، فإنَّ المرض ما زال يهدد صحة الأوكرانيين، وفي هذا الصدد يقول بول شبيجل، مدير مركز الشؤون الصحية خلال الأزمات الإنسانية بجامعة جونز هوبكنز: "إنَّ تهديد 'كوفيد-19' لم يتبدد... لكنَّ الأولويات قطعًا تَبَدَّلت"، وأوضح أنَّ هؤلاء الذين كانوا يركزون جهودهم على المرض في الماضي "قلقون الآن على حيواتهم، وعلى أبنائهم وأقرانهم، وقلقون أيضًا بشأن كيفية مغادرة البلاد".

ويضيف شبيجل أنَّ الظروف التي يواجهها كثيرٌ من النازحين قد تزيد احتمالات انتشار فيروس "سارس-كوف-2"، المُسبِّب لمرض "كوفيد-19"، وبينما يُقلقه أنَّ هذا قد يؤدي إلى زيادة أعداد الإصابات بين اللاجئين، فإنَّه ينبه إلى أنَّ الدول المستضيفة لهم ينبغي ألَّا تلومهم على نشر العدوى؛ فهناك بالفعل موجةٌ جديدة لانتشار المرض تشهدها عدة دول أوروبية بسبب المتحور "بي إيه تو"، الذي تحوَّر عن "أوميكرون"، ومن ثم فتدفق اللاجئين إلى هذه الدول قد لا يكون له تأثيرٌ كبيرٌ على الأعداد الكلية لحالات المرض، ومع هذا، فاللاجئون النازحون إلى الدول الأوروبية المحيطة بأوكرانيا -والذين تُقدَّر أعدادهم بالملايين- سيحتاجون إلى العلاج، وينبغي على تلك الدول أن تتأهب للتعامل مع الضغط على منظوماتها الصحية.

وقد اشتدت في الأيام الأخيرة حدة الهجمات الروسية على المدنيين وعلى البنى التحتية المدنية، مثل المستشفيات؛ فوفقًا للمنظومة التي أطلقتها منظمة الصحة العالمية لرصد الهجمات على مرافق الرعاية الصحية، شنت القوات الروسية 73 هجومًا على مرافق الرعاية الصحية الأوكرانية بين الرابع والعشرين من فبراير والثامن والعشرين من مارس.

تتجلَّى هذه الهجمات في صورةٍ مأسوية ذاعت مؤخرًا على نطاقٍ واسع، وهي صورة لوكالة الأنباء "أسوشييتد برس" Associated Press، تظهر فيها سيدة حامل على نَقَّالة، وسط أطلالٍ لمستشفى مُدمَّر بسبب القصف الروسي في مدينة ماريوبول بشرق أوكرانيا، وجديرٌ بالذكر أنَّ الأم والجنين لقيا حتفهما.

وقد طالبت هيئات الصحة العالمية روسيا بالتوقف عن استهداف مرافق الرعاية الصحية، فقال بيانٌ مشترك صدر يوم الثالث عشر من مارس عن منظمة الصحة العالمية، واليونيسف، وصندوق الأمم المتحدة للسكان: "إنَّ هذه الهجمات المُروّعة تقتل المرضى وأفراد أطقم الرعاية الصحية، أو تتسبب لهم في إصاباتٍ خطيرة، كما أنَّها تدمر المنشآت الصحية الحيوية، وتُرغم الآلاف على الإحجام عن الحصول على خدمات الرعاية الصحية رغم حاجتهم المريرة إليها"، وأضاف البيان أنَّه "أمرٌ في غاية القسوة أن تُوجَّه الهجمات إلى الفئات الأضعف، كالرُّضّع، والأطفال، والحوامل، والمرضى، وطواقم الرعاية الصحية الذين يعرضون حيواتهم للخطر من أجل إنقاذ الأرواح"، كما طالب البيان بوقفٍ فوري لإطلاق النار بغية السماح بوصول المساعدات الإنسانية، وهو مطلب لم يلقَ استجابةً من السلطات الروسية.

وفضلًا عن "كوفيد-19"، قد تؤدي الحرب إلى زيادة خطر طيفٍ آخر من الأمراض المعدية، كالسل والحصبة وشلل الأطفال.

فأوكرانيا تعاني من معدلاتٍ عالية من الوفاة والعجز بسبب أنواع مرض السل، ومن بينها النوع المقاوم للعقاقير، وعن ذلك تقول لوتشيكا ديتيو، المديرة التنفيذية لمنظمة "شراكة مكافحة السل" Stop TB Partnership في جنيف، التي يستضيفها مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشروعات: "إنَّ الحال لم يكن يَسُر في أوكرانيا قبل الحرب"، لكنَّ المنظمة كانت تعمل مع أوكرانيا لمعالجة المشكلة، ولتوفير العقاقير اللازمة لعلاج مرضى السل، وتضيف ديتيو أنَّ الحكومة كانت تكرس جهودها لتحقيق تقدمٍ في مكافحة المرض، حتى بدأت الحرب.

تتابع ديتيو موضحةً أنَّ "ما يحدث الآن رهيب"؛ فالمستشفيات والصيدليات التي توفر علاجات السل الضرورية تتعرض للتدمير، وأضافت: "لقد استغرق بناء هذه المنظومة أعوامًا، وسيستغرق بناؤها من جديد عشرات السنين"، جديرٌ بالذكر أنَّ أعراض السل تشبه إلى حدٍّ كبير أعراض "كوفيد-19"، فكلاهما يمكن أن يسبب السعال والحمى والتعرُّق الليلي، كما أنَّهما ينتشران بسهولة في ظروف التكدس التي يعيشها النازحون حاليًّا.

وبجانب مناشداتها بإنهاء الحرب، توصي ديتيو بعدة إجراءات للتعامل مع الأزمة؛ فالدول التي تستقبل النازحين تحتاج إلى الدعم، ومن صوره المساعدات في مجال الرعاية الصحية، كما أنَّها تحتاج إلى الطواقم الطبية، إضافةً إلى هذا، ترى ديتيو أنَّه من الضروري إنشاء ممراتٍ إنسانية، حتى يتمكن عمال الرعاية الصحية والإمدادات الطبية من الوصول إلى الأوكرانيين في الأماكن الأشد تضررًا بالبلاد.

وقد يعود مرض شلل الأطفال أيضًا إلى الانتشار مرةً أخرى بسبب الحرب، هذا المرض يمكن الوقاية منه عبر التطعيم، وكانت أغلب مناطق العالم قد أوشكت على القضاء عليه، لكن أُفيدَ بظهور عددٍ قليل من الحالات في أوكرانيا بدايةً من الخريف الماضي، وعلى إثر ذلك الانتشار بدأت الحكومة حملة تطعيم مُنظمة، لكنَّ الحرب عطلت تلك الجهود، ما يزيد من خطر تفشِّي المرض أكثر من ذلك.

هناك علاقة ارتباط قوية بين الحرب وانتشار الأمراض، وهي علاقة معروفة منذ قرون؛ فالحرب الأهلية في سوريا وأزمة اللاجئين التي نتجت عنها أديا إلى تفشي الحصبة، والصراع العنيف في جمهورية الكونغو الديمقراطية -التي شهدت هجماتٍ استهدفت طواقم الرعاية الصحية مباشرةً- فاقمت التفشي الأخير لمرض الإيبولا هناك.

وعن هذه العلاقة تقول روهيني هار، الباحثة في علم الأوبئة بكلية الصحة العامة في جامعة كاليفورنيا بمدينة بيركلي: "إنَّنا نعلم من دراستنا للحروب أنَّها تسبب نوعين من الصدمات"، فهناك الصدمات المباشرة أو العنيفة، التي تؤدي إلى الوفيات والإصابات من جرَّاء المعارك نفسها، وهناك الصدمات غير المباشرة، التي تستمر سنوات، وربما لا تُوثَّق بصورةٍ كاملة، وتضيف هار أنَّه "عادةً ما تكون الصدمات المباشرة هي المصدر الأساسي للوفيات في الأيام والأسابيع القليلة الأولى، لكن بعد أشهر أو سنوات، تتضاءل أعداد هذه الوفيات مقارنةً بالوفيات الناجمة عن الصدمات غير المباشرة".

جديرٌ بالذكر أنَّ هار أجرت مع زملائها دراسةً على حالات الحصبة في سوريا، بالاعتماد على بياناتٍ تخص السنوات بدايةً من 2015، لكنَّ الحرب الأهلية بدأت هناك في 2011، وتقول الباحثة عن ذلك: "لا نعرف ماذا حدث قبل ذلك، لأنَّه لم يكن هناك مَن يُحصي تلك الحالات"، وتخشى هار من أنَّ الأمراض والوفيات غير المباشرة في أوكرانيا قد لا تُقدَّر بدقةٍ أيضًا، وأنَّ تقديراتها ستقل على الأرجح عن الأعداد الحقيقية، كما أنَّ التبعات الصحية للحرب في أوكرانيا ستستمر غالبًا سنواتٍ عديدة، إذ ترى هار أنَّنا "في الأيام الأولى فحسب مما سيصير في النهاية أزمةً طويلة الأمد".