هل يجب أن أدرب طفلي على النوم بمفرده؟ هل يمكنني العودة إلى العمل؟ هل سيدمر التليفزيون دماغ طفلتي؟ أن تكوني أمًّا هذه الأيام هو أمر ينطوي على سلسلة لانهائية من القرارات العسيرة. لم يقصِّر الخبراء في تقديم النصح بشأن الخيارات الواجب اتخاذها، لكن عالِمة الاقتصاد بجامعة براون، إميلي أوستر، تود أن تقدم لنا ما هو أفضل من النصائح: المعلومات؛ فبدلًا من الدعوة إلى ممارسات تربوية معينة، تسعى إميلي إلى تزويد الأمهات بأدوات تمكِّنهن من اتخاذ أفضل القرارات الملائمة لظروفهن الخاصة، وذلك بالاستعانة بما تلقَّته من دراسة علمية. ففي كتابها الجديد، "الخلاصة: دليل مستند إلى البيانات من أجل تربية أفضل وأكثر هدوءًا، من الميلاد وحتى سن ما قبل الالتحاق بالمدرسة" Cribsheet: A Data-Driven Guide to Better, More Relaxed Parenting, from Birth to Preschool (الصادر عن دار بنجوين برِس)، تشرح أوستر المبادئ التي يقوم عليها منهج عالِمة اقتصاد في اتخاذ القرارات –مقارنة التكاليف والفوائد، مع وضع القيود المحيطة بصانع القرار في الاعتبار– ثم تعرض الأدلة العلمية الداعمة لفاعلية ممارسات شتى وسلامتها بحيث يتمكن القراء من التوصل إلى استنتاجاتهم الخاصة. ويُعد هذا الكتاب تتمةً لمجلدها الأول، "من أجل حمل أفضل: لماذا تُعد المعرفة التقليدية بالحمل خطأً، وما الذي تحتاجين إلى معرفته حقًّا" Expecting Better: Why the Conventional Pregnancy Wisdom Is Wrong—and What You Really Need to Know، والذي يسلك المنهج ذاته حيال التساؤلات التي تُطرح في أثناء الحمل. حاورت دورية ساينتفك أمريكان أوستر بشأن الجوانب التي تنقص فيها الأدلة التربوية، والأسباب التي تجعل من الصعب أحيانًا الالتفات إلى البيانات، وما يتوجب عليكِ فعله عندما تكون حماتك مخطئة تمامًا.

]فيما يلي نسخة منقحة من الحوار[

في ظل وجود آلاف الكتب المعنية بالتربية بالفعل في الأسواق، لماذا تعتقدين أننا نحتاج إلى هذا الكتاب؟

تدور أغلب كتب التربية حول فكرة "هذا ما ينبغي عليك فعله"؛ فعلى سبيل المثال: "إليك طريقة تدريب طفلك على النوم بمفرده". فبمجرد شرائك للكتاب، تكونين قد قررتِ بالفعل تطبيق ما فيه. لكنني لا أظن أن هناك ما يكفي من كتب تتناول السؤال "هل ينبغي عليَّ القيام بذلك؟". لقد حاولت أن ألقي نظرةً أكثر موضوعيةً على الأدلة، لا أن أؤلف كتابًا يملي عليكِ طريقةً أو أخرى في التربية.

ثمة الكثير والكثير من الخيارات التربوية التي لا تتحدث عنها الإرشادات الرسمية مطلقًا؛ فالأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال غير معنية بأن تخبرك بما إذا كان عليك العمل خارج المنزل أو إرسال طفلك إلى الحضانة. أرى هذا الكتاب بمنزلة مساعدة للآخرين على التفكير في كثير من الخيارات التي تواجههم والتي لن يفيدهم فيها طبيبهم، أو التي يحيط باتخاذها قدرٌ كبيرٌ من الضغوط.

هل يوجد سؤال تربوي أردتِ مناقشته وليس لدينا حقًّا ما يكفي من البيانات للإجابة عنه؟

من أمثلة هذه الأسئلة ما يتعلق بما يمضيه الطفل من وقت أمام الشاشات. يضم الكتاب فصلًا عن هذا الأمر، أعرض فيه قدرًا معتبرًا من الأدلة التي يُعد أغلبها مطمئنًا إلى حدٍّ كبير. غير أنه لا يوجد ذلك النوع من الأدلة التي تحتاجين إليها للإجابة عن معظم التساؤلات التي قد تدور بخَلَدك: هل يصنع نوع التليفزيون فارقًا؟ هل تطبيقات الآيباد التي يصفونها بالتعليمية كذلك حقًّا؟ ما من أدلة قوية للإجابة عن مثل هذه الأسئلة. يواجه الكتاب هذه الحقيقة، ويمنح القراء وسيلةً للتفكير في هذه التساؤلات.

بالنسبة لكثير من المسائل، من الصعوبة بمكان الإجابة عن هذه التساؤلات، وذلك بالنظر إلى أن ما يتخذه الوالدان من خيارات بشأن التربية يتطلب قدرًا كبيرًا من التفكير ويحيط به الكثير من القيود الخارجية. ففي بعض الحالات، يصعب علينا حقًّا تصور كيفية إجراء البحث. فعند طرح تساؤل من قبيل: "ما مواصفات الحضانة الجيدة؟"، من الصعب أن نوزع الأطفال عشوائيًّا على حضانات مختلفة –منها الجيد ومنها السيئ– ثم نرى ما سيحدث. لا يمكننا فعل ذلك. لذا نضطر أحيانًا إلى الاختيار دون أن تكون بين أيدينا بيانات كافية، وهذا يُعَدُّ أمرًا سلبيًّا للغاية بالنسبة لنا، أو بالنسبة لمحبي البيانات.

باعتباركِ أُمًّا، هل واجهتِ صعوبةً من قبل في اتخاذ قرار اعتمادًا على الأدلة، بالكيفية التي تحبينها؟

في كثير من هذه المسائل، من السهل للغاية الكتابة عنها وإدراك ما كان ينبغي عليك اتخاذه من قرارات. لكن بالنسبة لي، كان إرضاع طفلي الأول رضاعة طبيعية أمرًا صعبًا حقًّا. كنت قد قرأت بالفعل الكثير من الأدلة، وكنت أعرف أن بعضًا من الدعاوى الرنانة حول فوائد الرضاعة الطبيعية مُبالغٌ فيها. كنت أدرك أن الأمر لم يكن بالخطورة التي صورها الناس، لكنه ظل أمرًا مهمًّا بالنسبة لي. لقد كان شاقًّا جدًّا عليَّ أن أتراجع خطوةً إلى الوراء وأقول لنفسي: "أحتاج إلى أن أمنح نفسي قسطًا من الراحة دون الشعور بتأنيب الضمير ]لتركي الرضاعة الطبيعية[". كان ذلك موقفًا عجزت فيه عن التراجع عما تملَّكني من عاطفة تصور لي أن نجاحي كأم مرتبط بالرضاعة الطبيعية ارتباطًا لا فكاك له.

وهل تجدين أن تصديق البيانات صعب في بعض الأحيان، بالرغم من كونك شخصًا مدربًا على تلك النقطة تحديدًا؟

ثمة سبب يفسر سهولة تدريب طفلي الثاني على النوم بمفرده، مقارنةً بما واجهت من صعوبة مع طفلي الأول: فحين تفعل أمرًا ما مرة، يصير من الأسهل إقناع نفسك بالأدلة، على الرغم من أن الأمر يجب ألا يكون على هذا النحو بالطبع، والأدلة هي الأدلة. إن حقيقة أنك رأيت طريقةً ما تنجح مع طفلك ينبغي ألا تكون ذات أهمية، لكنها مهمة.

ثمة نوع مُعتبر من الكتب التربوية التي تقارن أساليب التربية الأمريكية بغيرها في بلدان أخرى، وتثبت قصورنا. هل فكرتِ في مناقشة الأبحاث التي تقارن الأساليب التربوية الأمريكية بنظائرها الأوروبية؟

أنا أيضًا من محبي هذا النوع من الكتب؛ فهي تضم الكثير من الجوانب المفيدة، غير أن عَقْد المقارنات أمر في غاية الصعوبة. أجل، الأطفال الفرنسيون مختلفون عن نظائرهم الأمريكيين، لكن ذلك قد يُعزى إلى ملايين الأسباب المختلفة. وأجل، الفنلنديون لا يعلِّمون أطفالهم القراءة حتى يصلوا إلى الصف الثاني، لكن فنلندا مختلفة عن أمريكا في كثير من الجوانب. أعتقد أنه من الصعب أن نحقق استفادةً كبيرةً من هذه المقارنات.

يبدو أن أحد المصادر الكبيرة للصراعات التربوية نابعٌ من التضارب بين ما يقوله طبيبك، مثلًا، وما تخبرك به حماتك. هل طرأت تغيُّرات مؤخرًا على كثير من الأدلة التربوية؟

لقد عرفنا المزيد عن كثير من القضايا التربوية وتطورت الأدلة. نوم الأطفال على ظهورهم مثال جيد على هذا؛ فقد برزت أدلة أفضل واكتشفنا أن التوصية بوضع طفلك على بطنه للنوم ليست صحيحة. أظن أن الأمر يكون صعبًا حين تتغير بعض القناعات خلال مثل هذا الوقت القصير، خلال جيل واحد. وقد يكون من العسير أن تقنعي والدتك مثلًا بأن ما ورثتْهُ عن أسلافها لم يكن صحيحًا. من الصعب على الناس أن يسمعوا عبارات مثل "هذا الأسلوب التربوي خطأ"، أو "أنتِ تعرضين طفلك للخطر". وذلك يفسر وجود مقاومة للتغيير عند مَن أمضوا 30 عامًا يربون أبناءهم بطريقة معينة.

قد تبدو التربية في عصرنا الحديث عمليةً معقدةً بالفعل. هل علينا هذه الأيام اتخاذ قرارات أكثر مما واجهته الأجيال السابقة؟

أعتقد بلا شك أن الناس يتصورون أننا أكثر إفراطًا في الاهتمام بأطفالنا، وأننا نعتبر كل قرار قرارًا مفصليًّا، وأن الأمهات فيما مضى كن أكثر هدوءًا في التعامل مع أطفالهن. لكنني لست متأكدة من أن تصوراتنا في هذا الجانب متسقة مع الواقع. حين كنت أؤلف الكتاب، قرأت كتاب د. سبوك، ثم قرأت بعضًا من سلاسل الكتب التي كانت جدتي تقتنيها. وقد لاحظت في كلتا الحالتين قدرًا هائلًا من التفاصيل المثيرة للتوتر حول الطريقة التي يفترض أن تُنفذ بها الأمور، وهذا لا يثير فيكِ شعورًا مفاده: "عجبًا، لقد كانوا هادئين للغاية". ربما كانت التوصيات مختلفة، لكني رأيت المناقشات المطولة نفسها التي نخوضها نحن الآن.