تشهد الولايات المتحدة في الوقت الراهن أكبر نوبة تفشٍّ للحصبة منذ عام 1992. ووفقًا لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، هناك أكثر من ألف حالة مؤكدة منذ شهر يناير. ويدعم البحث العلمي بقوة استخدام التطيعمات ضد الحصبة. وقد أدت المخاوف المُتوهَّمة حول أضرارها إلى تقليل عدد التحصينات، ما يُسهم في عودة المرض الذي قيل إنه قد قُضي عليه نهائيًّا في الولايات المتحدة عام 2000. تقول كورنيليا بيتش، أستاذ التواصل الصحي بجامعة إِرفورت في ألمانيا: "ثمة حاجة مُلحَّة إلى إستراتيجيات جيدة من أجل الرد على مَن ينكرون العلم، فنحن نرى حجم الضرر الذي يمكن أن يُحدثه هؤلاء". وقرر كلٌّ من بيتش وفيليب شميد -طالب الدكتوراة في مختبر بيتش- أن يبحثا إستراتيجيتين من أجل الحد من نشر معلومات مضلِّلة في المناقشات العامة. أما الإستراتيجية الأولى فيُطلَق عليها تفنيد الموضوع، وهي تواجه التضليل بشأن قضية معينة من خلال الاستناد إلى الحقائق المؤكدة الراسخة. وأما الإستراتيجية الثانية فتُعرف باسم تفنيد الأسلوب، وهي تشتمل على فضح الأساليب التي يستخدمها مَن ينكرون العلم بهدف تضليل جماهيرهم. وفي دراسة نُشرت بتاريخ 24 يونيو في دورية "نيتشر هيومان بيهيفيور" (Nature Human Behavior)، أفاد الباحثان أن كلتا الطريقتين قد قللتا من تأثير منكري العلم، لا سيما بين الأفراد الذين كانوا بالفعل عرضةً للأفكار المناهضة للعلم.

ووفقًا لبيتش، فإن تفنيد الأسلوب أداة فعالة واقتصادية للغاية؛ لأن الأساليب التي يستخدمها منكرو العلم غالبًا ما تكون متشابهةً للغاية. أحد تلك الأساليب يُطلق عليه اسم الانتقائية، وهو يتضمن اختيار أبحاث غير شائعة تدعم وجهة نظر غير تقليدية، أو الطعن في مصداقية بعض الأبحاث المعيبة من أجل إثارة الشكوك بشأن مجال بأكمله من مجالات العلم. وهناك أسلوب آخر يطرح توقعات مستحيلة أمام العلم، كمَن يجادلون بقولهم إن رفض التطعيمات مقبول؛ لأن اللقاحات غير آمنة بنسبة مئة بالمئة، على الرغم من أن العلم لا يمكنه أن يضمن بلوغ هذه الدرجة من التأكد بشأن أي منتج طبي. بل إن الأدوية التي تُستخدم بصورة روتينية، كالأسبرين مثلًا، تكون مصحوبةً بمخاطر محتملة.

وتقول بيتش: "بمجرد أن تتعلم هذه الأساليب، يمكنك استخدامها في موضوعات مختلفة. المشكلة فيما يتعلق بتفنيد الموضوعات هي أنه يتعين عليك أن تكون بحقٍّ على دراية كافية بالعلم، وهو ما قد يكون مهمة صعبة، لأن هناك كمًّا هائلًا من الأبحاث، وبالتالي يصعب أحيانًا معرفة كل شيء".

بحث كلٌّ من بيتش وشميد إلى أي مدى يمكن لهذين الأسلوبين مواجهة خطابٍ مُعادٍ للعلم في ست تجارب أُجريت عبر شبكة الإنترنت، وجُمعت خلالها بيانات من 1773 مشاركًا. في التجربة الأولى، شغَّل الاثنان تسجيلًا صوتيًّا على أسماع مجموعة من الطلاب الجامعيين الألمان، واشتمل هذا التسجيل الصوتي على مناقشة حول التطعيمات. وقد خصَّص الباحثان المشاركين عشوائيًّا لواحدة من حالات أربع: عدم التفنيد أو تفنيد الموضوع أو تفنيد الأسلوب أو كليهما. وقد قاسا مواقف المشاركين المختلفة إزاء التطعيمات ونية الحصول على التطعيم قبل تشغيل التسجيلات وبعده. كرَّر الباحثان هذا الإجراء مع الحالات المختلفة: في عينات من عامة الناس في كلٍّ من ألمانيا والولايات المتحدة، وفي شكل عرض بديل من الحجج المكتوبة.

وكشفت نتائج هذه التجارب أن الاحتكاك بأحد منكري العلم يقلِّل من رغبة المشاركين في الحصول على التطعيمات. غير أن تفنيد الأسلوب وتفنيد الموضوع كليهما ساعد في تقليل هذا الأثر، ويبدو أنهما أدَّيا دورًا فعالًا على حدٍّ سواء. لكن الجمع بين الأسلوبين لم يحقق ميزات إضافية على ما يبدو. يقول جون كوك، المتخصص في علوم الإدراك بجامعة جورج ماسون، والذي لم يشارك في الدراسة: "أرى إجمالًا أن هذه نتيجة إيجابية؛ فهذا العمل يمنح المتواصلين الثقة بأنه يمكنهم استخدام أساليب مختلفة دون أن يفقدوا تأثيرهم".

وعندما أجرى كلٌّ من بيتش وشميد تقييمًا للآثار المترتبة على الأيديولوجية السياسية والمعتقدات السابقة، اكتشفا أن تأثير المنكرين كان أكبر لدى الأفراد الذين لديهم ثقة متدنية بالتطعيمات ولدى المقيمين في الولايات المتحدة الذين يعتبرون أنفسهم من المحافظين. كما كان الأشخاص المنتسبون إلى هذه المجموعات هم أكثر المستفيدين من التفنيد.

ففي تجربة من التجارب الست، فحص الباحثون المواقف المختلفة إزاء التغيُّر المناخي، ورصدوا تأثيرات أضعف بكثير. ووفقًا لبيتش، فإن هذه النتيجة مرجحة؛ لأن هذا الاختبار تحديدًا لا يُقيِّم سوى الطلاب الجامعيين بألمانيا. ولم يتأثر المشاركون في هذه التجربة كثيرًا بالخطاب المعادي للعلم في المقام الأول، مما يعني أن هناك مساحةً ضئيلةً جدًّا للتغيير. تقول بيتش: "أعتقد أنه إذا كرَّرت هذه التجربة في الولايات المتحدة، فسيكون الأمر مختلفًا. [ففي ألمانيا] من غير الشائع أن تجد مَن ينكرون التغيُّر المناخي".

وتتصدى هذه النتائج لما يُطلَق عليه أثر الانتقاد المضاد، الذي خلاله قد يؤدي الدخول في جدل مع منكري العلم إلى تعزيز فعلي للتصورات المغلوطة لدى الناس. وعلى الرغم من أن عددًا محدودًا من الدراسات قدَّم أدلة على أن هذه النتائج غير المقصودة قد تكون واسعة الانتشار، توصلت استقصاءات أحدث إلى أن هذه التأثيرات قد تكون مقصورةً على ظروف محددة، كما هو الحال بالنسبة للناس الذين تُمثل المعلومات الجديدة تحديًا لمعتقداتهم الجوهرية بشأن المجتمع الفعال. ويقول ساندر فان دير ليندن، أخصائي علم النفس الاجتماعي بجامعة كامبريدج، والذي لم يشارك في البحث: "كانت هناك فترة بالَغَ فيها الجميع -لا سيما علماء النفس واختصاصيو العلوم السياسية- في الترويج لأثر الانتقاد المضاد. وتُظهر هذه الدراسة من جديد أن هذا شيءٌ لا يحدث دائمًا".

تقول بيتش إن المخاوف بشأن أثر الانتقاد المضاد منعت بعض الأشخاص من الدخول في مناقشات عامة مع منكري العلم. لكنها أضافت أن نتائجها جنبًا إلى جنب مع نتائج شميد تشير إلى أنه حتى في المناقشات المتوازنة على نحو زائف، التي تُقدَّم فيها وجهات نظر متعارضة بالرغم من الأدلة التي تدعم بقوة بالغة حجةً واحدةً فحسب، من الأهمية بمكانٍ أن يكون المُناظر الذي يستطيع الرد على الحجج المعادية للعلم حاضرًا. 

وعلى الرغم من أن التفنيدات قد قللت بفاعلية تأثير منكري العلم، يقول فان دير ليندن إنه من المهم الإشارة إلى أن هذه التفنيدات لم تقضِ تمامًا على الأثر المترتب على تعريض الناس لصور إنكار العلم هذه. وأضاف قائلًا: "المشكلة العملية في هذا الأسلوب هي أن كل شيء يأتي كرد فعل. وجانب القصور هو: إذا سعيت خلف الحقيقة، فعلى الأرجح سيكون الأمر أسوأ من [التدخل] على نحو استباقي".

في السنوات الأخيرة، بدأ الباحثون في بحث ما يُطلق عليه أساليب التحصين، التي تهدف إلى مساعدة الناس على تحديد الطرق التي يشيع استخدامها في نشر الأكاذيب قبل أن يتعرضوا للتضليل. وطبّق فان دير ليندن وزملاؤه هذا المنحى على لعبة على شبكة الإنترنت تسمى "أخبار سيئة" Bad News، وهي لعبة تهدف إلى زيادة وعي المستخدمين بتأثير وسائل الإعلام. وتشير دراسة شملت أكثر من 1400 مشارك، نُشرت اليوم في دورية "بالجريف كومينويكاشنز" (Palgrave Communications) إلى أن لعب هذه اللعبة يمكن أن يجعل الأشخاص أقل عرضةً للتأثر بالأخبار الكاذبة. 

يقول فان دير ليندن إنه يجب إعطاء الأولوية لتحصين الناس ضد الوقائع الكاذبة. لكن هذا الأمر لا يتيسر دائمًا؛ لأن التضليل واسع الانتشار. ويضيف قائلًا: "أحيانًا لا يكون أمامك خيارات أخرى. وما يظهرونه أن مثل هذه [التفنيدات] بمنزلة خط دفاع ثانٍ يمتاز بالفاعلية".