تزداد كثيرًا براعة الباحثين في التنقيب عن المعلومات من خلال قواعد البيانات الوراثية السلالية والطبية والشُّرَطية، لدرجة تزداد معها صعوبة حماية خصوصية أي شخص، حتى أولئك الذين لم يسبق لهم تقديم الحمض النووي "دي إن إيه" الخاص بهم لتحليله.

في واحدة من دراستين منفصلتين نُشرتا في الحادي عشر من أكتوبر، يورد الباحثون أنه باختبار 1,28 مليون عينة تحتويها قاعدة بيانات وراثية خاصة بالمستهلك، استطاعوا مطابقة 60 بالمئة من الحمض النووي "دي إن إيه" الخاص بـ140 مليون أمريكي من أصل أوروبي بأبناء عمومتهم من الدرجة الثالثة أو بأحد الأنسباء الأقربين. ويقولون، في دراستهم المنشورة بدورية "ساينس" Science، إن ذلك الرقم سيرتفع قريبًا إلى ما يقرب من 100 بالمئة مع ارتفاع عدد العينات في قواعد بيانات المستهلكين مثل "أنسيستري دي إن إيه" AncestryDNA ، و"تونتي ثري آند مي" 23andMe.

في الدراسة الثانية، التي نُشرت في دورية "سيل" Cell، تشير مجموعة بحثية مختلفة إلى أن قواعد البيانات الشُّرطية -التي كان يُعتَقَد في الماضي أنها تضم بيانات وراثية عديمة المعنى تقتصر فائدتها على مطابقة المشتبهين بعينات من موقع الجريمة- يمكن ربطها تبادليًّا بقواعد بيانات وراثية للوصول إلى أشخاص عن طريق معلوماتهم الوراثية. تقول إيرين ميرفي، أستاذ القانون بكلية الحقوق بجامعة نيويورك: "كلتا الورقتين البحثيتين تُظهر لك كيف يمكنك أن تتغلغل في العائلات والمجموعات السكانية". وتقول إن المستهلكين الذين يقررون مشاركة حمضهم النووي مع قاعدة بيانات مستهلكين يقدمون بذلك بيانات عن آبائهم وأبنائهم، وأبناء عمومتهم من الدرجة الثالثة الذين لا يعرفون شيئا عنهم، بل وأثرًا يمكن أن يشير إلى أطفال لم يولدوا بعد.

بحث الباحثون في الدراسة الأولى في قاعدة بيانات لـ1,28 مليون أمريكي من أصول أوروبية، واكتشفوا أن ذلك كان كافيًا لتوفير معلومات حول ملايين من الأفراد الذين لم تكن بياناتهم متاحةً في قاعدة البيانات. جاءت قاعدة البيانات من شركة "ماي هيريتدج" MyHeritage التي تُجري اختبارات على الجينومات، مثلما تفعل "أنسيستري دي إن إيه" و"تونتي ثري آند مي"، وكذلك تسمح برفعها على قاعدة البيانات لإجراء المزيد من تحاليل الأنساب، على غرار قاعدة بيانات "جي إي دي ماتش" GEDmatch.

قالت شركتا "أنسيستري" و"تونتي ثري آند مي" إنهما يحميان بأشد الحرص خصوصية نتائج اختباراتهما، غير أنه يمكن الوصول إلى البيانات عند رفعها على قواعد بيانات أخرى. يقول يانيف إرليتش، المؤلف الأول للورقة البحثية وكبير علماء شركة ماي هيريتدج: "إن فرصة عثورك على قريب من الدرجة الثالثة هي حوالي 60 بالمئة في حالة الأمريكيين من ذوي الأصول الأوروبية". وأشار إلى أنه قد يكون من الحكمة تشفير البيانات الوراثية لحماية المعلومات الشخصية، رغم أن ذلك قد يُعَقِّد نوعية البحوث التي ترغب الشرطة والباحثون في إجرائها. (بعد نشر هذه المقالة، أوضحت شركة "تونتي ثري آند مي" أن رفع البيانات على قواعد بيانات أخرى يحدث فقط إذا رغب مستهلكوها في فعل ذلك بمحض إرادتهم).

تعتمد التقنية على الصلات بين الأقارب بعيدي الصلة. ويقول: "تصور عائلتك مثل طبقات بَصَلة". فأقرب أقاربك هم الوالدان والأبناء والإخوة. الطبقة التالية هي أبناء العم من الدرجة الأولى، الذين قد يكون لديك منهم عدد أكبر. الطبقة التالية تمثل أبناء عمومتك من الدرجة الثانية، وهكذا إلى أن تكتشف أنك مرتبط بالعديد من أبناء العمومة من الدرجة الثالثة الذين لا تعرفهم على الإطلاق. ويقول: "عندما تبحث عن أقارب بعيدي الصلة، فإن فرص العثور على صلة أعلى كثيرًا". استُخدمت هذه الأنواع من الصلات في وقت سابق من العام الحالي للتعرُّف على متهم في قضية قاتل جولدن ستيت المزعوم، الذي اكتُشِفَت جزئيًّا علاقته بالجرائم بواسطة الدي إن إيه الخاص بأقارب على إحدى قواعد البيانات الوراثية.

بمجرد أن حصلت الشرطة على صلات لأقارب بعيدي الصلة، استطاعت رسم شجرة عائلة كبيرة ومعقدة، وربما كانت كبيرة جدًّا بحيث يصعب تحليلها. ولكن إرليتش يشير إلى أن الشرطة يمكنها بعد ذلك استبعاد العديد من الأفراد ذوي الصلة بناء على بيانات أخرى، مثل: أماكن معيشتهم، وأعمارهم، ونوع جنسهم... وهكذا. جانب كبير من هذه المعلومات يأتي من شجرات أنساب العائلات التي يجري مشاركتها على نطاق واسع والتي يرسمها المستهلكون. وبعد تنقيح البيانات بهذه الطريقة، يمكن اختصار مجموعة من (فلنقل: 850 قريبًا) إلى 15 قد يكون من المحتمل ارتباطهم بالجرائم المعنية.

وتستطيع الشرطة بعد ذلك البدء في الطرق على الأبواب وإجراء نوعية التحقيقات التي يُجرونها في العادة. يقول دانيل ماك آرثر، رئيس مجموعة بوحدة الوراثة التحليلية والقابلة للتطبيق التابعة لمستشفى ماساتشوستس العام: "بالفعل لم تتضح القدرة على استخدام قواعد البيانات العامة الخاصة بالأنساب للتعرُّف على الأفراد سوى خلال العام الماضي. لم يُقَدّر المجتمع الأكاديمي مدى كِبَر قواعد البيانات تلك ومدى إمكانية استخدامها بيسر لإيجاد علاقات بين الهويات الوراثية باستخدام التثليث".

أظهرت الدراسة الثانية أن قواعد بيانات الشرطة تحتوي على معلومات وراثية أكثر مما كان يظن الباحثون. تمتلك قواعد بيانات الطب الشرعي معلومات عن حفنة من مؤشرات التمييز المسماة بالتكرارات المترادفة القصيرة أو اختصارًا "إس تي آرز" STRs. تستخدم قواعد بيانات المستهلكين مجموعة أكثر تفصيلًا من المؤشرات تسمى تعدد أشكال النوكليوتيدات المفردة أو اختصارًا "إس إن بيز" SNPs. وحتى وقت قريب كان يُعتقد عدم وجود علاقة بين كلا النوعين. وحسبما يقول بروس وير -أستاذ الإحصاء الحيوي بجامعة واشنطن- فإنه بات واضحًا الآن أن قواعد بيانات الطب الشرعي تحتوي على بعض معلومات الإس إن بيز. ويشير قائلًا: "بالنسبة لجهات إنفاذ القانون، هذا يعني أنه في حال عدم تمكُّنهم من العثور على تطابق" في قواعد البيانات الخاصة بهم، "فبإمكانهم الآن البحث عن تطابق في قواعد البيانات الأخرى". ويعني أيضًا أنهم يستطيعون تتبُّع معلومات عن الأقارب، بدلًا من مجرد مطابقة الأفراد. ويقول: "إن هذا يُعَد، عمليًّا، تقدمًا هائلًا". ويضيف أن ذلك يثير مشكلة مهمة تتعلق بالخصوصية. ويقول: "هل ينبغي أن أقلق من أنه بتحميل بياناتي، أجعل أقاربي عرضةً لأن تعثر عليهم جهات إنفاذ القانون؟"، قد يكون ذلك مقبولًا في حال إذا ارتكب أولئك الأقارب جريمةً. "ولكن ماذا لو لم يفعلوا؟".

ولكن ميرفي من جامعة نيويورك تقول إنه عندما استُحدِثَت قواعد بيانات الدي إن إيه الخاصة بالشرطة، كان من المفترض أن يكون الدي إن إيه فيها بمنزلة خردة بلا جدوى، مجرد أنماط للدي إن إيه يمكن استخدامها لمطابقة أفراد ببعضهم أو بأدلة. لذا لم يُولَ أي اهتمام لحماية خصوصية المعلومات؛ مثلما يحدث مع السجلات الصحية، واستخدام الهاتف الخلوي، وحسابات مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من المعلومات كما تقول. تتوافر للشرطة إمكانية الوصول الحر إلى الدي إن إيه، وتطلب عينات حتى وإن لم تُرتكب أية جرائم. وتشير بقولها: "يمثل ذلك انهيارًا فيما كان جدارًا عاليًا بين علم الوراثة المستخدم لأغراض العدالة الجنائية وعلم الوراثة المستخدم في التشخيص الطبي أو علم الأنساب أو أي شيء لا صلة له على الإطلاق بالعدالة الجنائية".

وبسؤالها عما إن كانت سترسل بيانات الدي إن إيه الخاصة بها لإحدى قواعد البيانات المستهلكين، أجابت: "بطبيعة الحال لا. لكن لي بعضًا من أفراد أسرتي فعلوا ذلك الأمر". إذا كانت بياناتهم متاحة على قاعدة البيانات فكذلك بياناتها.