تقريبًا في أي نظام أو مجموعة، تميل الفئات التي لديها عدد أكبر من الصلات إلى أن يكون لديها تأثيرٌ أكبر من غيرها. فكّر، على سبيل المثال، في "المؤثّرين" على إنستغرام، أو الرؤساء التنفيذيين للشركات.

  

وحتّى داخل الفيروس، بعض المكوِّنات الهيكلية -أجزاء من البروتينات، في هذه الحالة- لديها روابط بين بعضها وبعض أكثر من غيرها. وحسبما تُرجِّح دراسة جديدة نشرتها مجلّة ساينس Science، الخميس، 25 أبريل 2019، فإن تدريب جهاز المناعة على التعرّف على هؤلاء المؤثّرين وتدميرهم يُعد طريقةً فعّالة لقتل فيروس نقص المناعة البشرية (HIV).

شهد مجال دراسة فيروس نقص المناعة البشرية الكثير من الإثارة بعد الأخبار التي نُشرت في شهر مارس عن أن شخصًا ثانيًا -يُطلق عليه عادةً "مريض لندن"- قد شُفي بعد عمليةٍ لزراعة نخاع العظم. كان المتبرّع يحمل طفرة جينية تجعل لدى الأشخاص مقاومة طبيعية لفيروس نقص المناعة البشرية، وفي حقيقة الأمر، بدّلت هذه العملية الجهاز المناعي للمريض، وأمدته بنظام جديد، مقاوم للمرض. غير أن عمليات زراعة نخاع العظام تتسم بأنها محفوفة بالمخاطر، وبتوغُّل تأثيرها في خلايا الجسم، ويعتقد الكثير من الخبراء أن العلاج القابل للتطبيق على نحو 37 مليون مصاب بفيروس نقص المناعة البشرية في جميع أنحاء العالم من المُرجّح أن يأتي نتاجَ عملٍ جزيئي ذكي. وركّزت مُعظم أبحاث علاج فيروس نقص المناعة البشرية حتى الآن على تعزيز الجهاز المناعي للشخص. إلا أن هذه الدراسة تقلب ذلك النهج رأسًا على عقب بتفتيشها عن الأجزاء الأكثر أهمّيةً في الفيروس نفسه.

وفي الدراسة الجديدة، ركّز الباحثون على "المسيطرين النخبة"، وهم الأشخاص الذين تتحكّم أجسادهم في الفيروس بدون مساعدة أي أدوية، ويُقدّر عدد هؤلاء بشخصٍ واحد تقريبًا بين كل 300 مُصابٍ. ويقول بروس ووكر، كبير واضعي الدراسة ومدير معهد راجون بمستشفى ماساتشوستس العام، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة هارفارد إنه كان من المنطقي أن يشير تقصّي كيفية قتل أجهزتهم المناعية لفيروس نقص المناعة البشرية إلى طريق العلاج، ويضيف: "في رأيي، ليس مَن شُفي من الإصابة بنقص المناعة البشرية شخصين فقط، بل ثمة آلاف منهم، وكثيرون منهم هم ممن يتحكّمون بالفيروس بأنفسهم. ونحن، كمجال علمي، في حاجة إلى سلوك هذا المسار باعتباره أولويةً قصوى".

 واكتشف ووكر وزملاؤه أن أجهزة المناعة لدى المُسيطرين النخبة تستهدف المناطق الأكثر تأثيرًا في الفيروس. وتوصّل الباحثون إلى هذا الاكتشاف عن طريق تطبيق نظرية الشبكات، وهو نوع من التحليل يُستخدم بشكل متكرر في الرياضيات لرسم العلاقات بين الأشياء. وقد استخدموا تلك النظرية لوضع خريطة للروابط بين الأحماض الأمينية -وهي لبنات بناء البروتين- على هيئة هياكل جزيئية ثلاثية الأبعاد لبروتينات فيروس نقص المناعة البشرية. (وقد استخدموا هياكل ثلاثية الأبعاد لأنه قد يبدو حمضان أمينيان متباعدان على تسلسل خطّي للبروتين أكثرَ تقاربًا، وارتباطًا، في الهياكل الثلاثية الأبعاد).

توصل الباحثون إلى أن بعض الأحماض الأمينية تميل إلى أن تحتوي على العديد من الهياكل المتفرّعة التي تجعلها تتفاعل مع الكثير من الأحماض الأمينية الأخرى. ويقول ووكر إن هذه الأحماض الأمينية المتفرّعة لديها "حصيلة شبكية" عالية، ومن ثمّ فإنها تُعَد الأكثر أهمّيةً لسلامة فيروس نقص المناعة البشرية. ويمكن لفيروس نقص المناعة البشرية أن يتحوّر في استجابة دفاعية لعقار يستهدف جزءًا محددًا من بنيته. إلا أن الأحماض الأمينية ذات الحصيلة الشبكية العالية مُهمّة للغاية، حتى إنه ليس بمقدور الفيروس تغييرها دونما تكلفة هائلة عليه؛ إذ إنه لو تغيرت تلك الأحماض الأمينية، لفُقِدت الارتباطات.

 

يقول ووكر: "إذا أخذت ]حمضًا أمينيًّا[ عالي الترابط وحوّرته، فإن الفيروس بالأساس ينهار"، مضيفًا أنه "يفقد لياقته بشكل هائل". وهذا الاكتشاف يجعل الأحماض الأمينية تمثل أهدافًا مغريةً للعلاج؛ لأن مهاجمتها تضع الفيروس في وضعية الخسارة التي لا فرار منها؛ إذ ينتهي به المطاف مُدمّرًا، سواءٌ تحوَّر أو لا. توصّل فريق ووكر إلى أن أجهزة مناعة المسيطرين النخبة تميل إلى استهداف تلك الأحماض الأمينية المؤثّرة على نحو انتقائي، في حين أنه في معظم المصابين، تشن أجهزة المناعة هجمات بلا جدوى على أجزاء أقل أهميّةً في الفيروس.

يقول أندرو مكمايكل، وهو أستاذ فخري في الطب الجزيئي بجامعة أكسفورد، وشارك في كتابة تعليق مُصاحب للورقة البحثية، إلا أنه لم يُشارك في الدراسة الجديدة: "إن هذا عمل مثير للإعجاب ومهمّ"، وأضاف: "إنه يستكشف السبب وراء فاعلية بعض الاستجابات المناعية وكَون البعض الآخر أقلَّ فاعلية".

 

 

أيضًا قد تحسم الدراسة الجديدة بعض الاكتشافات التي كانت في السابق غير مُتّسقة فيما يتعلق بجزيء مناعي يُسمّى (B*57)، الذي يُرجّح أنه بمنزلة سلاح سحري تشهره أجسام المُسيطرين النخبة في مواجهة فيروس نقص المناعة البشرية. يُعد (B*57) نوعًا فرعيًّا من جزيئات تُسمّى مستضدات الكريات البيضاء البشرية (HLA) التي تشكل جزءًا رئيسيًّا من الجهاز المناعي، وتحمل مستضدات الكريات البيضاء البشرية قطعًا من الفيروسات على سطح الخلية المصابة؛ حتى تتمكن الخلايا المناعية القاتلة التي تدور في الدم من التعرُّف على الخلية التي يُشار إليها باعتبارها خليةً مُصابة، وتُدمّر تلك الخلية وكذلك الفيروس الذي بداخلها. يوجد آلاف من أنواع مستضدات الكريات البيضاء البشرية، وبعضها أكثر شيوعًا من الآخر، والبعض الآخر أفضل في السيطرة على بعض أنواع العدوى. ومن تلك، يُعتَقَد أن الجزيء B*57 يتسم بفاعلية خاصة في مواجهة فيروس نقص المناعة البشرية. ولكن طالما أعيت الحيرة العلماء إزاء حقيقة أنه ليس كل مَن لديه جزيء B*57 من المُسيطرين النخبة، ولا كُل المُسيطرين النخبة لديهم جزيء B*57. تقترح الورقة البحثية الجديدة أن المهم في الأمر ليس جزيء B*57 في حد ذاته، بل الأحماض الأمينية المؤثّرة التي يستهدفها.

 

يقول مكمايكل: "B*57 هو المحدد الرئيسي للاستفحال أو عدم الاستفحال (فيما يتعلق بالإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية)، إلا أنه ليس بلا شوائب على الإطلاق"، مضيفًا أن هذه الورقة البحثية الجديدة "تمضي إلى حدٍّ ما في اتجاه شرح السبب وراء ذلك".

 

 

وقد درس ووكر وآخرون حالات المُسيطرين النخبة على مدار عقود. كانت إحدى أولئك المرضى، وهي لورين ولنبرج، التي تبلغ الآن من العمر 65 عامًا، قد شُخِّصت إصابتها بالمرض في عام 1992، وتبرّعت منذ ذلك الحين بالمئات من العيّنات للأبحاث. ولنبرج، التي تقول إن لديها "جهازًا مناعيًّا مذهلًا"، ليست عُرضةً للإصابة بالعشرات من مُسببات الأمراض، بما في ذلك فيروس نقص المناعة البشرية. وما زالت نتائج الاختبارات التي تقيس استجابتها المناعية لفيروس نقص المناعة البشرية تظهر إيجابيةً، ولكن لا يمكن لأي فحص أن يكشف عن وجود الفيروس ذاته. وتقول لورين "لم أُجرِ قَط قياسًا للحمل الفيروسي. لقد كان دائمًا غير قابل للاكتشاف لديَّ".

 

 درس ووكر حالة لورين ولنبرج لمدّة 15 عامًا تقريبًا. ولكن هذه المرّة، بدلًا من التركيز على جوانب جيناتها الوراثية التي تحميها من فيروس نقص المناعة البشرية، ركز الفريق على تحديد أي أجزاء في فيروس نقص المناعة البشرية تُهاجَم من قِبَل جهازها المناعي. ويقول ووكر: "هنا، نحن لا نأخذ على الإطلاق في الحسبان الجينات المضيفة"، ومع ذلك، ما زالت الدراسة تفسر الأمر الذي يجعل جهازها المناعي مُميزًا للغاية، وهو أنّه يهاجم على نحو انتقائي الأحماض الأمينية ذات الحصيلة الشبكية الأعلى. ويقول: "ينطبق عليها النمط انطباقًا تامًّا". ومع هذا التأكيد على أهمّية هذه الأحماض الأمينية المؤثّرة، يقول ووكر إنه يأمل في تطوير "لقاح علاجي" يُمكن إعطاؤه للأشخاص الذين أُصيبوا بفيروس نقص المناعة البشرية. من شأن هذا اللقاح أن يحتوي على حوالي 30 من الأجزاء الفيروسية التي تمتلك الحصائل الشبكية الأعلى. والأمل معقود على أن يجهِّز هذا اللقاح الجهازَ المناعي للشخص المصاب للتعرّف على الأهداف الرئيسية ومُلاحقتها وتدمير الفيروس.

يقول ووكر: "نعتقد أن بإمكاننا إعادة توجيه الاستجابة المناعية"، وأضاف: "نحن لا نعرف إن كان هذا سينجح، ولكن يوجد أساس منطقي قوي جدًّا يجعله يفعل".