بازدياد عدد البشر المعزولين نتيجة الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي، فإن مرض «كوفيد – 19» COVID-19 لا يعتبر التهديد الوحيد للصحة العامة الذي يجب أن نقلق بشأنه، بل هناك الوحدة أيضًا.

وفي الوقت الذي يسارع فيه العلماء لفهم كيفية عمل فيروس «كورونا»، أدرك الباحثون منذ وقت طويل أثر الوحدة والعزلة الاجتماعية على الجسد. فالبشر الذين لا يشعرون بالتواصل مع غيرهم، يكونون أكثر عرضةً للإصابة بأدوار البرد والاكتئاب والمعاناة من أمراض القلب، إضافة إلى ضعف قدراتهم المعرفية الإدراكية، وامتلاكهم متوسط أعمال أقل. في الواقع، فإن الآثار طويلة المدى للوحدة تماثل التدخين أو السمنة.

كشف مسح استقصائي وطني، في يناير الماضي، أن 79% من أفراد جيل Z (الجيل الذي يلي جيل الألفية)، و71% من جيل الألفية، و50% من جيل طفرة مواليد ما بعد الحرب العالمية الثانية يعانون من الوحدة. وعلى ناحية أخرى، فإن نسبة هذا الشعور عند الأفراد الذين ينتمون إلى أي مجموعة اجتماعية، كنادٍ للهوايات أو دوري رياضي أو مجموعة تطوعية، تناقصت من 75% إلى 57% على مدار العقد الفائت. حتى دون أن يبعد فيروس «كورونا» بعضنا عن بعض، يبدو أن أغلبية السكان تعاني من صحة اجتماعية ضعيفة.

وعلى الرغم من أن العزل هو الاستجابة الصحيحة لمكافحة وباء فيروس «كورونا»، فإننا نحتاج إلى تنفيذ الإجراء المضاد تمامًا لمكافحة وباء الوحدة. لذا، كيف يمكنك تنمية سلامتك الاجتماعية في أثناء تجنُّب الإصابة بالعدوى؟

الإجابة الواضحة هي الجهاز الذي تقرأ هذا المقال عليه. غالبًا ما يُلقي الناس باللوم في تفشي الوحدة على التكنولوجيا، مشيرين إلى أننا نضيع الكثير من الوقت في تصفح وسائل التواصل الاجتماعي، ولا نبذل المزيد من الوقت في التواصل في الواقع. لكن بحثًا حديثًا لزملائي في كلية تي إتش تشان للصحة العامة في جامعة هارفارد يوضح صورةً أكثر وضوحًا؛ فما يهم بشكل أكبر هو كيفية استخدامك لتلك المنصات وليس الوقت الذي تقضيه في استخدامها. يمكننا جميعًا الاستفادة من تطوير عادات رقمية تدعم الروابط البشرية الهادفة وخاصةً الآن، إذ ربما تكون خيارنا الوحيد حتى يهدأ انتشار الوباء.

سواء كنت في حجر صحي أو تعمل من المنزل أو حذرًا فقط، فإن الوقت الحالي هو الأمثل للتدرب على استخدام التكنولوجيا بشكل صحي اجتماعيًّا. إليكم بضعة اقتراحات للتواصل بلا تلامس.

التواصل وجهًا لوجه عن بُعد: محادثات الفيديو هي أفضل ما يمكن فيما يتعلق بالتواصل البشري، في المرتبة الثانية بعد التواصل الشخصي؛ لأن ملامح الوجه ولغة الجسد والأشكال الأخرى من التواصل غير المنطوق مهمة من أجل تكوين الروابط الاجتماعية. وقتما أتيح هذا، استعن بمحادثات الفيديو بدلًا من الرسائل النصية أو المكالمات الهاتفية، وافعل ما تفعله عادةً بصحبة الآخرين. على سبيل المثال، حاول تناوُل عشاء رقمي مع شخص قابلته من خلال تطبيق للمواعدة، أو تناوُل الشراب مع أصدقائك بشكل افتراضي أو اجتماع عن بُعد لنادي الكتاب.

حنان خاطف: الحصول على الكثير من ضغطات الإعجاب، على منشور بأحد مواقع التواصل الاجتماعي، ربما يمنحك دفعة خاطفة من الدوبامين، لكن تسلُّم رسالة مباشرة أو بريد إلكتروني بمجاملة صادقة أو تعبير عن الامتنان يعتبر أمرًا شخصيًّا أكثر، ويدوم مدةً أطول، ولا يستغرق وقتًا طويلًا. عندما تجد نفسك تتصفح منشورات الناس، توقف وأرسل إلى أحدهم بضع كلمات رقيقة. في نهاية الأمر، نحن في حاجة إلى جرعة إضافية من الطيبة لمواجهة التوتر وانعدام اليقين المرتبط بفيروس «كورونا».

نمِّ مجتمعك: أساس أي تواصل اجتماعي هو وجود أمور مشتركة. مهما كانت اهتماماتك الخاصة، فإن هناك مجتمعات إلكترونية تشاركك الاهتمامات نفسها ولا يطيقون الانتظار ليتحدثوا مع شخص آخر مهتم بشأنها. هناك كذلك مجموعات الدعم الرقمي، مثل الآباء الجدد أو المرضى المصابين بمرض نادر. استخدم هذه الشبكات للانخراط فيما يهمك بأكبر شكل.

اصنع علاقات أعمق وأوسع: هناك طريقتان أساسيتان للتغلب على الوحدة: الاهتمام بعلاقاتك الفعلية أو صنع علاقات جديدة. تأمَّل حالة صحتك الاجتماعية الحالية، ثم اتخذ خطوة رقمية واحدة لتعميقها -مثل التواصل مع صديق أو فرد من العائلة لم تتحدث معه منذ وقت طويل- أو توسيعها، مثل السعي للتواصل مع شخص تود التعرُّف عليه.

استخدم أدوات التواصل: أصبحت التطبيقات والمنصات الاجتماعية تُصنَع بشكل متزايد للتحسين من تواصلنا عبر الإنترنت مع أحبائنا، وتتضمن تطبيقات مثل «إيكاريا» Ikaria و«كوكون» Cocoon و«مونارو» Monaru و«سكواد» Squad. إذا كنتَ ممن يتعاملون بشكل جيد مع الهيكل الاجتماعي، فإن هذه الأدوات ربما تمثل خيارًا مفيدًا لك. أو يمكنك استخدام بادئات المحادثة مثل «تايبل توبيكس» TableTopics أو «ذي آند» The And لبدء محادثات مثيرة للاهتمام خلال مكالمة فيديو.

يذكّرنا وباء «كورونا» بأن التواصل البشري يمكنه نشر المرض. لكن هذا التواصل أيضًا يمكنه تعزيز سلامتنا. لذا دعونا نستغل هذه الفرصة للاعتراف بأهمية العلاقات من أجل صحتنا، واستغلال التكنولوجيا من أجل سلامنا الاجتماعي.