يُعَد اكتئاب الفترة المحيطة بالولادة –وهو نوع من الاكتئاب يحدث في أثناء فترة الحمل أو بعد الولادة– حالةً مرضيةً شائعةً على نحو مثير للدهشة، فهو يصيب تقريبًا سيدة واحدة من بين كل سَبْع سيدات. وعلى الرغم من أن الاكتئاب يُعَد أمرًا مُنهكًا في أي وقت، فإنه قد يمثل عبئًا ثقيلًا بشكل خاص على الصحة العامة في أثناء الانتقال إلى مرحلة الأمومة. إن النساء المصابات بالاكتئاب لديهن فرصٌ أقل للحصول على رعاية طبية لأنفسهن ولأطفالهن، وقد يجدن صعوبةً في إرساء علاقة طبيعية مع أطفالهن الرضع. ولا عجب أن أطفال الأمهات المصابات بالاكتئاب لديهم احتمالات عالية وطويلة الأمد للتعرُّض لمشكلات عاطفية وسلوكية.

رغم هذه الصورة القاتمة، يقدم تقرير جديد صادر عن فريق مهام الخدمات الوقائية في الولايات المتحدة بعض الأمل. الفريق -وهو عبارة عن هيئة من الخبراء ليس لها أية انتماءات حزبية- يراجع الأبحاث العلمية ويقدم توصيات بشأن الوقاية من الأمراض. في الماضي، أصدر الفريق مبادئ توجيهية بشأن الكشف عن سرطان الرئة، واستخدام الأسبرين للوقاية من أمراض القلب، وفحص مستويات ضغط الدم. وفي ورقة مراجعة نُشِرَت مؤخرًا في دورية «جورنال أوف ذا أمريكان ميديكال أسوسييشن» Journal of the American Medical Association، قدم الفريق ما اعتبره "أدلة مقنعة" على أن تدخلات الإرشاد النفسي (العلاج النفسي بالكلام) لا يمكنها فقط علاج اكتئاب الفترة المحيطة بالولادة، بل يمكنها الوقاية منه أيضًا. هذه أخبار رائعة بالنظر إلى التكلفة العالية التي يتسبب فيها الاكتئاب في الوقت الحالي، وإلى حقيقة أن العلاج النفسي بالكلام -على خلاف العلاجات المحتملة الأخرى لاكتئاب الفترة المحيطة بالولادة (مثل الدواء الجديد «زولريسو» Zulresso)- لا يتطلب تقنيةً عالية، ويُعَد زهيد التكلفة نسبيًّا، وله آثار جانبية قليلة.

راجع فريق مهام الخدمات الوقائية في تقريره 50 دراسةً رأى أنها كانت دراسات اتسمت بـ"جودة طيبة أو مقبولة" على الأقل. كانت كل هذه الدراسات تقريبًا عبارة عن تجارب سريرية عشوائية، وهي تجارب تمثل معيارًا ذهبيًّا للأبحاث العلاجية، وفيها تتم مقارنة العلاج مباشرةً مع حالة مجموعة مرجعية. ركز نصف هذه الدراسات تقريبًا على الحوامل، وركز الباقي على النساء في مرحلة ما بعد الولادة مباشرةً. واستهدفت بعض الدراسات النساء اللاتي كان لديهن بالفعل احتمالات مرتفعة للإصابة بالاكتئاب، وذلك بناءً على عوامل خطورة مثل وجود تاريخ شخصي أو عائلي للإصابة بالاكتئاب، ووجود وضع اجتماعي واقتصادي متدنٍّ، والتعرُّض لضغوطات حياتية أو عنف من جانب شريك الحياة.

ومن بين هذه الدراسات، قيَّمت 20 دراسةً آثار العلاج بالكلام. واستمر هذا النوع من التدخلات لنحو ثمانية أسابيع في المتوسط، بما يشمل نحو 12 ساعة إجمالًا تم قضاؤها في جلسات من العلاج الجماعي أو الفردي. وفي جميع الدراسات العشرين، أدت تدخُّلات الإرشاد النفسي إلى خفض احتمالات الإصابة باكتئاب الفترة المحيطة بالولادة بنسبة رائعة بلغت 39%. وبناءً على هذه الإحصائية وإجمالي احتمالات إصابة مجموعة العلاج باكتئاب الفترة المحيطة بالولادة، قدَّر فريق مهام الخدمات الوقائية أنه من بين كل 13 أو 14 امرأةً من عامة النساء اللاتي يشاركن في جلسات الإرشاد النفسي، نستطيع منع حالة واحدة من الإصابة بالاكتئاب السريري كانت ستحدث لولا هذا الأمر، وهو ما يُعَد مردودًا قويًّا لهذه الجهود. بل إن هذه التأثيرات بدت أفضل عندما ركزت الدراسات على نساء كان يُنظر إليهن باعتبارهن عرضةً بالفعل للإصابة باكتئاب الفترة المحيطة بالولادة.

اندرج أغلب تدخلات الإرشاد النفسي التي راجعها فريق مهام الخدمات الوقائية تحت فئتين: أساليب العلاج السلوكي المعرفي، التي تركِّز على تتبُّع الأفكار والسلوكيات وتعديلها، والأساليب العلاجية التي تركِّز على علاج العلاقات الشخصية، وهي أساليب تستهدف الأدوار والعلاقات الاجتماعية. أبرزَ فريق مهام الخدمات الوقائية اثنين من العلاجات يمثلان هذه الأساليب. يقدم برنامج "الأمهات والأطفال" –وهو برنامج للمجموعات قائم على العلاج السلوكي المعرفي– جلسات أسبوعية خلال فترة الحمل وعدة جلسات داعمة لمرحلة ما بعد الولادة مباشرةً. ويتضمن البرنامج مادةً توعويةً بشأن الحالة المزاجية، والضغوطات، والصحة، وكذلك تدريبات حول كيفية إعادة تنظيم أنماط الأفكار التي تتسبب في مشكلات. أما برنامج "تواصل، وكن قويًّا: أساسيات للأمهات الجدد" (ROSE) فهو برنامج للمجموعات قائم على علاج العلاقات الشخصية، ويتضمن تدريبات بشأن كيفية تطوير منظومة دعم اجتماعي، وكذلك توقُّع الخلافات التي تعتري العلاقات بين الأشخاص، والتي يمكن أن تنشأ خلال مرحلة الانتقال إلى الأمومة، بما يشمل أسلوب تقمُّص الأدوار كطريقة للتعامل مع المواقف الاجتماعية الصعبة.

بالإضافة إلى هذا، دقق فريق مهام الخدمات الوقائية في 30 دراسةً ركزت على تدخلات غير قائمة على الإرشاد النفسي. تضمَّن بعض هذه التدخلات إجراء تغييرات على مستوى المنظومة الصحية، ومن أمثلة هذه التغييرات إضافة المزيد من أدوات إجراء الفحوصات وأدوات توجيه المرضى لخدمة الأمهات خلال الفترة المحيطة بوقت الولادة. وتضمنت تدخلات أخرى صورًا من التمرينات البدنية، والتوجيهات المتعلقة بتنظيم نوم الأطفال الرُّضَّع، وتمرينات اليوجا، وتمرينات الكتابة التعبيرية، وغيرها من أشكال الدعم مثل الحصول على دعم من الأقران عن طريق الهاتف. أسهَمَ الكثير من هذه التدخلات في الحد من الإصابة باكتئاب الفترة المحيطة بالولادة، إلا أن النتائج كانت -بشكل عام- غير متسقة بعضها مع بعض، ما يشير إلى الحاجة إلى إجراء المزيد من الأبحاث حول هذه العلاجات البديلة.

ومن بين العلاجات غير القائمة على الإرشاد النفسي، استخدمت أربع دراسات علاجات معتمدة على العقاقير أو الأنظمة الغذائية لعلاج اكتئاب الفترة المحيطة بالولادة، بما يشمل علاجات مثل السيرترالين (Sertraline) والنورتريبتايلين (Nortriptyline)، والأحماض الدهنية أوميجا 3. غير أن هذه العلاجات أظهرت هي الأخرى نتائج متداخلة فيما بينها وغير حاسمة. وعلاوة على ذلك، أفادت هذه الدراسات الأربع بوجود احتمال لحدوث آثار ضارة، تحديدًا آثار جانبية ومخاطر محتملة يتعرض لها الجنين، وهي آثار ومخاطر مصاحبة لتناول الأدوية أو المكملات غذائية، وفي المقابل لم يصاحب الإرشاد النفسي وغيره من التدخلات النفسية الاجتماعية أي جوانب سلبية محتملة.

بالرغم من أن إمكانية درء اكتئاب الفترة المحيطة بالولادة بالعلاج النفسي تُعَد خبرًا رائعًا، فإن حقيقة الأشياء على أرض الواقع لم تُظهر بعدُ فاعلية هذا النوع من العلاج في الرعاية الوقائية. وفي الكثير جدًّا من الحالات، ما يحدث هو أن الاكتئاب الذي تتعرض له النساء خلال الفترة المحيطة بالولادة وفي أثناء انتقالهن إلى مرحلة الأمومة يتم تجاهله، أو –الأسوأ من ذلك– تجريمه. ومع زيادة الوعي بشأن اكتئاب الفترة المحيطة بالولادة وبدء انقشاع وصمة العار التي التصقت بهذا الاكتئاب، بدأت السياسات تشهد تغيرًا. فعلى سبيل المثال، يُلزم مشروع قانون جديد في كاليفورنيا مقدمي خدمات التوليد بإجراء فحوصات منتظمة تتعلق بالصحة النفسية، وهو أمر يضمن التشخيص المبكر لحالات اكتئاب الفترة المحيطة بالولادة.

بطبيعة الحال يُعَد تشخيص الاكتئاب انتصارًا في نصف المعركة فحسب؛ فهذه الحالة يجب علاجها، أو الأفضل من ذلك الوقاية منها. هل يمكن دمج تدخلات الإرشاد النفسي –كتلك التي راجعها فريق مهام الخدمات الوقائية– في إجراءات الرعاية الروتينية الخاصة بالفترة المحيطة بوقت الولادة؟ وهل يمكن تيسير الحصول على مثل هذه التدخلات للنساء اللاتي يحتجن إليها؟ على الرغم من أن هذا الاقتراح قد يبدو مكلفًا، يجب ألا ننسى أن التدخلات الـمُشار إليها تشتمل –في المتوسط– على ثماني جلسات يمكن لأي موظف حاصل على تدريب مهني تقديمها (على سبيل المثال، أخصائي لديه رخصة مهنية في علم الاجتماع الإكلينيكي). مؤخرًا، أحدثَ دواء وريدي جديد لعلاج اكتئاب ما بعد الولادة ضجةً كبيرةً لدى طرحه، إلا أن تكلفة هذا الدواء للمريض الواحد تبلغ 34 ألف دولار أمريكي، ويتطلب الدواء بقاء المريض داخل المستشفى بعض الوقت. في المقابل، تبدو تكلفة الجلسات الثماني لكل مريض ضمن إجراءات العلاج الجماعي صفقة رابحة مقارنةً بهذا. ويجب أن تأخذ المقارنة في حسبانها أيضًا التكاليف الباهظة التي يتكبدها المجتمع بترك اكتئاب الفترة المحيطة بالولادة دون علاج؛ فهذا الأمر من شأنه أن تكون له تداعياته على صحة الأسرة بأكملها على المدى البعيد. إن الإرشاد النفسي الوقائي خلال الفترة المحيطة بالولادة قد يكون إحدى أفضل الصفقات في مجال الرعاية الصحية.