أغرق مرضى فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19) مستشفيات إيطاليا، فأُجبِر الأطباء على اتخاذ قرارات مؤلمة تتعلق بمَن يجب أن يتلقى منهم الرعاية المنقذة للحياة. وربما تتطلب التدفقات المفاجئة للمرضى قريبًا اتخاذ قرارات مأسَوية بشأن تصنيف المرضى في وحدات العناية المركزة (ICUs) بالولايات المتحدة أيضًا، فاعتبارًا من يوم الخميس 19 مارس 2020، تجاوزت أعداد حالات الإصابة المؤكدة في الولايات المتحدة 13 ألف حالة، وارتفعت أعداد الوفيات بجميع أنحاء البلاد إلى 175 شخصًا.

في فبراير الماضي، استعانت دراسة نشرتها دورية »أوبيريشنز ريسرش« Operations Research بالنمذجة الرياضية لتحديد نوعية سياسات تصنيف المرضى التي يمكن أن تكون مُجديةً في وحدة للعناية المركزة خلال تدفقٍ مفاجئٍ كهذا. تناولت الورقة البحثية بالتحليل الظروف التي قد يوضع خلالها المرضى على قائمة انتظار لدخول وحدة عناية مركزة افتراضية بعدد محدود من الأسرّة، أو يُنقلون إلى جناح عادي مع تغيُّر حالتهم. كان الهدف من وراء ذلك هو التوصُّل إلى نموذج إرشادي أو قاعدة عملية للأطباء المعالجين تقلِّص متوسط معدل الوفيات لجميع المرضى بمرور الوقت، وهو الهدف من وراء تصنيف المرضى في العالم الواقعي.

تقول لورا ألبرت، وهي مهندسة نظم بجامعة ويسكنسون-ماديسون لم تشارك في الدراسة: "في كثير من الأحيان، يكون تركيز العاملين في المجال الطبي منصبًّا بشدة على اتخاذ هذا القرار تحديدًا بالنسبة للمريض الموجود أمامهم، لذا يكون الأمر صعبًا جدًّا حين يضطرون إلى أن يطلبوا منه الانتظار؛ لأنَّ ذلك سينقذ أرواحًا أكثر بكثير في المنظومة بأكملها. إنَّ هذه النماذج الإرشادية مهمة للغاية لمزودي الخدمات الصحية؛ لأنَّه من دونها، يصعب عليهم بشدة اتخاذ ذلك القرار في اللحظة المناسبة".

باستخدام المحاكاة الحاسوبية، طبّق الباحثون نموذجًا إرشاديًّا يحدد مَن يجب إدخاله إلى سرير في وحدة للعناية المركزة عن طريق تقدير معدل ارتفاع فرص نجاة كل مريض نتيجةً لوجوده هناك، ثم قسمة الرقم الناتج على عدد الأيام التي من المرجح أن يحتاج ذلك الشخص إلى البقاء هناك فيها، وأُعطيت الأولوية للأفراد أصحاب المعدل الأعلى. درس الباحثون كذلك مدى جدوى هذا النموذج عند إضافة ظروف صحية أخرى لدى المرضى.

قارنت الدراسة بين معدلات الوفيات الجماعية للنموذج الإرشادي ومعدلات الوفيات الجماعية في السيناريوهات المحتملة لتصنيف المرضى: إحدى السياسات وفَّرت الأسرّة على أساس أسبقية الحضور، في حين أخرجت سياسة أخرى المرضى الأقل عرضةً لتدهور حالتهم إلى جناح عادي من أجل إخلاء المكان لمرضى جدد، بينما أخرج نهجٌ ثالثٌ الناسَ عشوائيًّا من وحدة العناية المركزة عند وصول مرضى جدد.

في المجمل، أعطى النموذج الإرشادي القائم على المعدلات الأولوية للمرضى الذين كان من المتوقع حصولهم على أكبر فائدة من كل يوم يشغلون فيه سريرًا بوحدة العناية المركزة. تقول نيلاي أرغون، إحدى المشاركات في وضع الدراسة، وباحثة عمليات بجامعة نورث كارولينا في تشابل هيل: إنَّ هذا كان مهمًّا بالأخص حين كانت حالة الفرد تتحسن أو تتدهور في أثناء مدة بقائه في الوحدة، وتستطرد قائلةً: "بمجرد أن تتغير حالته، يتعين تطبيق سياسة تصنيف المرضى عليه مرةً أخرى". مضيفةً أنَّ نماذج العمليات السابقة الخاصة بقرارات تصنيف المرضى في وحدات العناية المركزة لم تكن تأخذ في الحسبان الاختلاف الذي يطرأ على حالة المريض.

ولعل نهج أسبقية الحضور الذي اتبعه أحد مستشفيات مدينة ووهان الصينية عندما بدأ فيروس كورونا بالانتشار لم يكن الإستراتيجية المُثلى، شو يوان شياو، اختصاصي علم أمراض بجامعة شيكاغو، كان موجودًا في مدينة ووهان آنذاك، وشاهد كيف كانت استجابة العاملين بالرعاية الصحية، بل ساعدهم أيضًا. يقول شياو: "أغرق المرضى المستشفيات، ولم يكن لديهم ببساطة كل هذا العدد من وحدات العناية المركزة، فكانت وحدات العناية المركزة تطبّق سياسة أسبقية الحضور" في البداية، الأمر الذي ربما أسهمَ في ارتفاع معدلات الوفيات في المدينة في بادئ الأمر.

تقول ألبرت: "إنَّ الرعاية الصحية لا تكون جيدةً إلا بجودة مواردها المتوافرة لدينا، والموارد المتوافرة [لمريض واحد] تتوقف في الواقع على كيفية علاج المرضى الآخرين. لا يمكن دومًا اتخاذ قرارات العلاج تلك بمعزل عن غيرها، ونحن نرى هذا فعليًّا عندما يكون هناك تدفُّق مفاجئ وهائل للمرضى".

أمَّا إديال بينكر -وهو باحث عمليات بجامعة ييل- فيرى أنَّ حجز أسرَّة لمرضى الحالات الحرجة للغاية (وهي ممارسة تُسمى "الشغر") عندما يكون هناك مرضى حالتهم أقل حرجًا بالانتظار يضفي مستوى آخر من التعقيد على تصنيف المرضى، إذ يقول: "بمجرد أن يُشغَل ذلك السرير، يُمنع شخص منه. هذا قرار يصعب اتخاذه؛ لأنَّ الطبيب يخبر مريضًا موجودًا أمامه الآن [بأنَّه] لا يستطيع الحصول على هذا السرير، وهذا أمرٌ يصعب على الناس فعله، لذا لا بد من إرشادات ونظام". وقد تناولت الدراسة الجديدة السياسات غير المتعلقة بالشغر فقط.

وعلى غرار ما بيَّنه النموذج الجديد، عندما يشغل مريض احتمال تعافيه ضئيل سريرًا في وحدة العناية المركزة عدة أيام، بينما يمكن جعل حالة عديد من المرضى الآخرين مستقرةً على ذلك السرير، سيتعين على الأطباء المعالجين عندئذٍ اتخاذ قرار نقل ذلك المريض إلى الرعاية التلطيفية، وفق بينكر، الذي يضيف قائلًا: "لكنَّ الخطر -عند نقل مرضى فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19) المُعدِي- يكمن في أنَّهم بحاجة إلى مكان يُنقلون إليه دون أن ينتهي بهم المطاف بنشر الفيروس أكثر".

إنَّ النماذج ليست الحل النهائي بالضرورة، وفق اختصاصية الوبائيات بمركز أبحاث الكوارث في جامعة ديلاوير، جنيفر هورني، التي تُحذّر من أنَّ الافتراضات المتضمَّنة فيها قد لا تتحول إلى سيناريوهات واقعية؛ إذ تقول: "أعتقد أنَّ بإمكاننا اعتبار [النماذج] جزءًا من أداة للتخطيط"، غير أنَّه "من المهم أن نتمتع بحُسن التمييز عند الاستعانة بالبيانات المستمدة من النمذجة لمحاولة توقُّع ما سيحدث بالضبط في أي موقف فعلي على أرض الواقع". وتذكر هورني أنَّ دراسات "ما بعد الحدث" -التي تجمع البيانات من مرافق الرعاية الصحية عقب أي تفشٍّ فعلي للمرض، مثل جائحة فيروس H1N1 عام 2009- والاستعانة بها لتوقُّع ما سوف يحدث في حدثٍ مشابه، ربما تكون أكثر جدارةً بالتفضيل على النماذج التي تضع افتراضات قد تحدث أو لا تحدث في نهاية المطاف.

في الواقع، ربما يكون الوقت مبكرًا جدًّا على أن تطبق المستشفيات النموذج الإرشادي للدراسة الجديدة على التدفق المفاجئ لمرضى فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19)؛ فإحدى صعوبات ذلك هي الافتقار إلى البيانات المتعلقة بمعدلات النجاة من المرض، حسبما يرى سكوت ليفن -مهندس الطب الحيوي بكلية الطب في جامعة جونز هوبكنز، الذي شارك في تصميم نظام إلكتروني لتصنيف المرضى لصالح مستشفيات جونز هوبكنز، عبارة عن برنامج للتعلم الآلي يستخدم بيانات السجلات الطبية للمساعدة في تصنيف مرضى غرفة الطوارئ- إذ يقول: "إنَّنا لا نمتلك فعليًّا الكثير من البيانات التاريخية المتعلقة بمَن سوف يستفيد من وحدة العناية المركزة". غير أنَّه مع تراكُم البيانات، يرى ليفن أنَّ بإمكان النماذج المحدَّثة أن تُنتج توصيات لتصنيف المرضى أكثر توافقًا مع ما يحدث مع فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19).

وتقول بينار كيسكينوجاك -مهندسة النظم بمعهد جورجيا للتكنولوجيا- بدورها: إنَّه من دون بيانات دقيقة وشاملة عن فرص النجاة، ستكون المرونة أساسيةً في التعامل مع التدفق المفاجئ لمرضى فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19). لذلك، ترى أنَّه من الأهمية بمكان أن يفكِّر مديرو النظام الصحي وصنَّاع السياسات خارج إطار المألوف فيما يتعلق بكيفية تعديل سير العمل وآلياته.

أحد الأمثلة على ذلك يأتي من ديمتريوس كيرياكو، الطبيب بقسم الطوارئ في مستشفى نورث ويسترن التذكاري، مستشفى الخط الأمامي لتصنيف المرضى، الذي يضم مئة سرير تقريبًا، يذكر كرياكو أنَّ لجنة إدارة الكوارث في المستشفى تناقشت حول توسيع منطقة تصنيف المرضى لتشمل أجزاءً أخرى من المنشأة، من ضمنها حتى موقف لسيارات الإسعاف، إذا ما دعت الحاجة إلى ذلك. ويقول: "لو أنَّنا كنَّا تدخلنا مبكرًا من حيث عزل المرضى، أعتقد أنَّنا كنَّا سنتعرض لمشكلات أقل بكثير بسبب الوباء الذي تشهده البلاد".

Read more about the coronavirus outbreak here.