في عطلة نهاية الأسبوع الجاري، سوف يتزوَّد الأطفال بأغطية وسائد وبأوعيةٍ بلاستيكية على شكل قرع العسل ويجمعون ملايين الأرطال من حلوى الهالويين التي تفوح منها روائح مألوفة مثل الشوكولاتة وزُبدة الفول السوداني ورائحة الكراميل المُغرية والمُميَّزة للغاية، حتى وقتٍ قريب، لم يكن العلماء يعرفون على وجه الدقة كيف يُعالج المخ البشري تلك الرائحة الغنية الشبيهة بالزُّبد، غير أن دراسةً جديدةً نُشرت في دورية «جورنال أوف أجريكالتشرال آند فود كيمستري» Journal of Agricultural and Food Chemistry تُحدِّد بالضبط المُستشعر -الذي يُطلق عليه مُستقبِل رائحة- المسؤول عن تمييز تلك الرائحة.

يُوضح لويس سارايفا -اختصاصي علم الوراثة العصبية بمركز سدرة للطب في قطر، والذي لم يُشارك في الدراسة الجديدة- أنه وفقًا للتقديرات التي أشارت إليها الدراسات، يستطيع الإنسان أن يُميِّز عددًا يتراوح بين 10 آلاف وتريليون من مختلف المواد الفوَّاحة، وهو الاسم الذي منحه العلماء للمواد الكيميائية التي ينقلها الهواء وتنبعث منها رائحة، يحدث ذلك التمييز الدقيق عبر خلايا دماغية خاصة تُعرف بالخلايا العصبية الشمية، هذه الخلايا تقع في الجزء العلوي من الأنف، وتصل عبر ثقوبٍ دقيقة في الجمجمة إلى المخ مباشرةً، وعندما تنجسم جزيئاتُ مادة فوَّاحة مع مستقبل شمي مقابلٍ لها على الخلية العصبية، تُطلِق الخلية العصبية إشارةً إلى المخ الذي يعمل على مطابقتها مع مادة عطرية ما أو رائحة مُدركَة، يقول سارايفا: عندما تشم جزيئًا، تقول: "أوه، رائحته تشبه النعناع أو الكراميل".

تستشعر كل خليةٍ عصبية شمية الجزيئات بواسطة نوعٍ واحد من بين نحو 400 نوع مختلِف من المستقبلات الشمية، وتتيح لنا المجموعات التوافقية المتنوعة من تلك الخلايا التي تنشط في الأنف أن نميِّز بين مجموعةٍ هائلة من الروائح المختلفة، ومعرفة ما إذا كان أبناؤنا قد تناولوا الحلوى خلسةً قبل أن يخلدوا إلى النوم أم لا.

بيْد أن معرفة المواد الكيميائية التي يتعرف عليها كل مستقبِل على وجه التحديد ليست بالأمر الهين، ديتمار كراوتورست -كبير الباحثين القائمين على الدراسة واختصاصي بيولوجيا الخلايا الجزيئية بجامعة ميونخ التقنية- يوضح أن العلماء لم يتمكنوا إلى الآن من التنبؤ برائحة مادةٍ كيميائية استنادًا إلى بنيتها الجزيئية؛ فمثلًا نجد أن مادة الفورانيول، وهي المادة الكيميائية المسؤولة عن رائحة الكراميل، وُصفت رائحتها بأنها تشبه رائحة الفراولة أو حلوى غزل البنات، لكن مجرد إدخال تعديل بسيط على البنية الكيميائية يُمكِّن مُستقبِلًا آخر من تمييزها، إذ يمنحها رائحةً عشبيةً سائغة، على حد قول كراوتورست.

أجرى فريق كراوتورست تجارب باستخدام خلايا خاصة مُعدَّلة وراثيًّا كي تضيء حين تُميِّز مُستقبِلاتها الشمية مادة فوَّاحة، بعد اختبار جميع المُستقبِلات الشمية البشرية (إضافةً إلى نحو 200 من المتغيرات الجينية الأكثر شيوعًا)، لم تتوهج سوى الخلايا التي فيها مستقبِل يدعى OR5M3 عند تعريضها لمادة الفورانيول، وقد استُدل من ذلك على أن OR5M3 هو المُستقبِل المسؤول عن معالجة رائحة الكراميل، كما أكد الباحثون نتائج فريق آخر تفيد بأن مُستقبِلًا مختلفًا يدعى OR8D1 لديه القدرة على تمييز مادة السوتولون الكيميائية، وهي نظير الفورانيول المُعدَّل ذي الرائحة العشبية.

تقول أليسا نولدن، اختصاصية علم الجهاز الحسي بجامعة ماساتشوستس في أمهرست، والتي لم تشارك في الدراسة: "القدرة على تحديد المُستقبِلات هي عمل عظيم بحق"، تُعد مادتا الفورانيول والسوتولون من المُنكِّهات الطبيعية المهمة في مجال صناعة الأغذية، الذي يشير كراوتورست إلى أنه يناضل باستمرار للحفاظ على اتساق المنتجات بصرف النظر عن التفاوت في إمكانية الحصول على المواد الخام وعدم القدرة على التنبؤ بتوافرها، تضيف نولدن قائلةً إن زيادة طلب المستهلكين على المكونات الطبيعية أكثر يدفع أيضًا الشركات لمحاولة إيجاد طرقٍ جديدة لإعادة تصنيع النكهات المألوفة، فتلك النكهات يُشكِّلها كلٌّ من مذاق الطعام ورائحته.

يقول كراوتورست إنه بتحديد المُستقبِلات الشمية المسؤولة عن تلك المواد وعن غيرها من المواد الفوَّاحة في النهاية، سيتمكَّن الباحثون من تحقيق فهمٍ أفضل للكيفية التي تنسجم بها جزيئات المواد الفوَّاحة مع مُستقبِلاتها، وحينها سيتمكَّنون من التنبؤ بالكيفية التي قد تتفاعل بها المواد الفوَّاحة المُصمَّمة أو المكتشَفة حديثًا مع المُستقبِلات، ومن ثم تحديد الرائحة التي ستنبعث منها.

يضيف كراوتورست قائلًا: إن تحديد أي المُستقبِلات الشمية يكون مسؤولًا عن تمييز روائح معينة من شأنه أيضًا أن يساعد علماء الأغذية على تقييم المنتجات بقدرٍ أكبر من الموضوعية مقارنةً بما يستطيعه خبراء الجهاز الحسي في الوقت الحالي، على سبيل المثال، تستطيع المُستقبِلات OR8D1 أن تُساعد على استشعار مقادير ضئيلة من السوتولون الذي يتسبَّب في بعض الأحيان في انبعاث روائح كريهة "عطنة" في الجعة المُعتَّقة وبعض المشروبات الغازية.

قد يبدو ذلك الاكتشاف وثيق الصلة بمجال صناعة الأغذية، لكنه يُسلِّط الضوء كذلك على مدى ضآلة معرفة العلماء بحاسة الشم البالغة الأهمية بالنسبة لنا، فقد كان التعرُّف على الروائح وتفسيرها أمرًا مهمًّا بالنسبة للبشر الأوائل؛ كي يساعدهم في العثور على الطعام أو تفادي المواقف الخطيرة مثل النار أو اللحم المتعفن، لكن كثيرًا من الناس أصبح يتغاضى في الوقت الحالي عن أهمية الرائحة ولا يعتبرها سوى شيء جمالي.

تقول نولدن: أما الآن وقد حَرَم مرض «كوفيد-19» كثيرًا من الناس من تلك الحاسة مؤقتًا، بدأ الناس يدركون إلى أي مدى يغير فقدان حاسة الشم حياتهم، ولا يقتصر هذا على شم طعامهم، بل يشمل أيضًا شم الأشخاص المحيطين بهم، يقول سارايفا: "القدرة على شم رضيعك وشم أطفالك وشم شريك حياتك، تلك كلها أحاسيس حميمية مرتبطة بالشم تفقدها".

ويضيف قائلًا: "لن يُنفق التطور الملايين من السنين على شيء من المستحسن وجوده فحسب، بل لا بد أن يكون وجوده ضروريًّا للغاية".