في سابقة هي الأولى على مستوى العالم، أجرى باحثون في فرنسا والولايات المتحدة تجربة رائدة تستعرض التشبيك الكمِّي «الهجين». ومن شأن هذا المنهج الذي يجمع بين طريقتين مختلفتين لترميز المعلومات في جسيمات الضوء المعروفة بالفوتونات أن يتيح عمليات اتصالات وحوسبة أكثر قوةً وأكبر قدرة.

فتستطيع النظم الحاسوبية -بطريقة مشابهة للكيفية التي يمكن بها للإلكترونيات التقليدية أن تمثل البيانات في صورة إشارات رقمية أو تناظرية- ترميز المعلومات، إما في صورة متغيرات منفصلة في الجسميات أو متغيرات مستمرة في الموجات. وكان الباحثون في السابق يستخدمون إحدى الطريقتين -ولكن ليس كلتاهما معًا- في أي نظام من النظم.

يقول أوج دي ريدماتين، من معهد العلوم الضوئية  في برشلونة ، وهو غير مشارك في الدراسة: "إن للترميز باستخدام المتغيرات المنفصلة أو المتغيرات المستمرة مزايا وعيوبًا مختلفة". فأنظمة المتغيرات المستمرة تقوم بترميز المعلومات من خلال تفاوت شدة الموجات الضوئية أو تغيّر أطوارها. وعادةً ما تكون أنظمة المتغيرات المستمرة أكثر كفاءةً من المناهج المعتمدة على المتغيرات المنفصلة، ولكنها في الوقت ذاته أكثر حساسية؛ إذ تكون أكثر تأثرًا بحالات فقدان الإشارة. وسيكون من الأصعب اقتران النظم المعتمدة على المتغيرات المنفصلة -التي تنقل المعلومات عن طريق إحصاء الفوتونات- مع تطبيقات تكنولوجيا المعلومات التقليدية بالمقارنة مع التقنيات المعتمدة على المتغيرات المستمرة. ولكنها في الوقت نفسه أقل عرضةً للأخطاء وأكثر قدرةً على تحمّل الخلل. يقول دي ريدماتين إن من شأن الجمع بين التقنيتين الحصول على "أفضل خصائصهما معًا".

نظمٌ شبحيّةٌ

في الشبكات الكمِّية، يتم إنشاء المعلومات وتخزينها ونقلها وفقًا لقواعد ميكانيكا الكَمِّ. ويتيح هذا –نظريًّا- تحقيق مستويات أمن وقدرة حاسوبية تفوق أيًّا مما يمكن تحقيقه اعتمادًا على النظم التقليدية.

على سبيل المثال، تستطيع وحدة البت التقليدية ترميز المعلومات بإحدى القيمتين «0» أو «1». أما الشبكات الكمِّية، فتستطيع استخدام وحدات البت الكمِّية، أو الكيوبت، التي تستخدم التأثيرات الكمِّية لتجسيد القيمتين «0» و«1» في الوقت نفسه. ولتوزيع البيانات، تعتمد شبكات كهذه غالبًا على تأثير آخر يُعرف بالتشابك الكمِّي. وصف ألبيرت أينشتاين هذا التشابك بأنه "فعل شبحيّ عن بعد"، وهو يتولّد بين الجسيمات، مثل الفوتونات، بعدما تتفاعل عن قرب. وصف أينشتاين وآخرون الأمر بالـ«شبحيّ»؛ لأنه حتى بعد فصل الجسيمات المتشابكة على مسافات بعيدة عشوائيًّا، فإن بعضها يستمر في التأثير على سلوك بعضها الآخر على عكس جميع التصوّرات البديهية. ويؤدي أي تغيُّر في حالة أحد تلك الجسيمات إلى تغيُّر تلقائيّ في حالة الآخر. هذا، وقد أدرك علماء الحاسوب منذ وقت طويل أن هذا التأثير يستطيع تمكين إجراء اتصالات عن بُعد بالغة التأمين، إذ من شأن أي محاولة للتنصت أن تؤدي إلى تعطيل التشابك، مما يكشف أي مراقبة بسهولة بالغة.

يمكن أن تتخذ النظم المعتمدة على تلك التأثيرات الكمِّية أشكالًا كثيرة، ولكنها عامةً تناسب هيكلية المتغيرات المنفصلة أو المتغيرات المستمرة. والآن، نجح العلماء في مختبر كاستلر بروسيل في باريس والمعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتقنية في الجمع بين التقنيتين عن طريق إنشاء تشابك وتوزيعه بين حالتين للضوء، إحداهما مُرمَّزة بالمتغيرات المنفصلة، والثانية بالمتغيرات المستمرة، في شبكة كمِّية واحدة.

وباستخدام تجميع معقد من المكوِّنات الضوئية، نجح الفريق في إنتاج فوتونات في حالتين بالغتي التشابك، أما الأولى، فقد نشأت نتيجة لشطر فوتون واحد بين مسارين مختلفين، وأما الثانية -ويُطلق عليها حالة تشابكية هجينة- فقد نشأت نتيجة تشابك وحدة كيوبت ضوئية تعتمد على المتغيرات المنفصلة مع وحدة كيوبت تعتمد على المتغيرات المستمرة، وقد حدث ذلك التشابك في تراكُب مرحلتين مختلفتين من مراحل الضوء. يقول جوليا لورات، أستاذ بجامعة السوربون في باريس ومؤلف رئيسي للدراسة: "باستخدام عملية خاصة يُطلق عليها «قياس حالة بيل» بين هاتين الحالتين المتشابكتين على نحوٍ منفصل، تم نقل التشابك أو «انتقل عن بُعد» إلى النظامين اللذَين لم يتفاعلا معًا قط". وقد أتاح هذا الانتقال تحويل المعلومات الكمِّية الخاصة بوحدات الكيوبت من طريقة ترميز إلى الأخرى، مما يمهد الطريق للدمج بين منهجي المتغيرات المنفصلة والمتغيرات المستمرة في شبكة كمِّية واحدة قابلة للتوسّع.

من المختبر إلى التشغيل

بالنسبة لماركو بيليني -من المعهد الوطني للبصريات في إيطاليا، والذي لم يشارك في هذه الدراسة- فإن ما يجعلها غير مألوفة وبالغة الأهمية هو أن الباحثين نجحوا في إبدال التشابك بين حزمتي الضوء اللتين تحملان تنوّعات مختلفة من المعلومات الكمِّية المُرمَّزة. ولا يزال ربط النظم المتباينة يمثِّل تحديًا كبيرًا. يقول بيليني: "إن هذه التجربة أظهرت ما يمكن أن يغدو مُكوِّنًا مُهمًّا في الشبكات المستقبلية التي ستتنوّع استخداماتها لتشمل ربط الذكريات والمعالجات المرتكزة على قواعد فيزيائية مختلفة، ويحمل حقًّا نطاقًا واسعًا من الحالات الكمِّية، متضمنةً حالات المتغيرات المنفصلة والمتغيرات المستمرة".

يضيف بيليني أنه لا يزال هناك كثيرٌ من العمل الواجب إنجازه قبل إنشاء شبكة كمِّية هجينة عمليّة. إن المنهج التجريبي الحالي قاصرٌ تمامًا، فهو ينشئ تشابكات هجينة ثلاث مرات فقط في الدقيقة عبر المسافة بين وحدة كيوبت معتمدة على المتغيرات المستمرة وأخرى معتمدة على التغيرات المنفصلة. ويستنتج بيليني: "بينما يُعتبر هذا المعدل كافيًا لجمع بيانات وافية لتجربة إثبات المبدأ، فإن أحجام تلك البيانات متناهية الصغر بالنسبة لأي تطبيق عملي".

ربما تكون هناك طفرات أخرى وشيكة. فهناك مجموعات أخرى حول العالم تتسابق من أجل تطوير بروتوكولات جديدة إضافية للتشبيك الكمِّي وتجربتها، ومن أجل سد الفجوة بين مثل تلك التجارب المعملية المبدئية وأجهزة التطبيقات العملية في الواقع.

ومن هذه المجموعات فريق يقوده بيليني، يعمل أيضًا على استخدام التقنية الهجينة للتحكم في التشابك عن طريق إضافة الفوتونات الأحادية إلى الحقول الضوئية التقليدية واقتطاعها منها. وهناك مجموعات بحثية في اليابان وروسيا وجمهورية التشيك تعكف أيضًا على دراسة المنهج الهجين الضوئي للمعلومات الكمِّية. وعاجلًا أم آجلًا، ستصبح تلك التجارب المعنيّة بالتشابك الهجين وأمثالها أكثر إحكامًا وكفاءة، وستنطلق من المختبرات إلى التطبيقات التشغيلية المتوافقة مع شبكات الاتصالات القائمة، المعتمدة على الألياف الضوئية.