تحتوي الغالبية العظمى من دراسات علم الأعصاب على ثلاثة عناصر: شخص، ومهمة معرفية، وآلة عالية التقنية قادرة على رؤية ما بداخل الدماغ. ويمكن لهذه الوصفة البسيطة أن تُفضي إلى نتائج علمية فعالة. وتنتج هذه الدراسات بانتظام صورًا كان علماء الأعصاب يحلمون بها فحسب؛ فهي تتيح للباحثين وصف الآليات العصبية المعقدة التي تفسر المشاهد والأصوات، وتعالج اللغة وتستخرج المغزى من التجربة.

لكن هذه الدراسات كانت -إلى حدٍّ كبير- تفتقر إلى شيء ما، وهذا الشيء هو: الأشخاص الآخرون. إننا -نحن البشر– نمتلك نزعة اجتماعية فطرية، لكن حتى علم الأعصاب الاجتماعي –وهو العلم الذي نشأ بوضوح من أجل بحث البيولوجيا العصبية للتفاعلات البشرية– لم يكن اجتماعيًّا كما قد تظن. وإليك مثالًا على هذا: لم يدرك أحدٌ حتى الآن مدى التعقيد الثري لنشاط الدماغ لشخصين يتحدثان معًا. تقول عالِمة الأعصاب تاليا ويتلي من كلية دارتموث: "إننا نقضي أعمارنا في الحديث المتبادل وتكوين هذه الروابط. [إلا أننا] نكاد لا ندرك الكيفية التي يتواصل بها الناس فعليًّا، ونكاد لا نعرف شيئًا عن كيفية اقتران العقول".

بصمات أدمغة المجموعات

بدأ هذا الوضع في التغير حاليًّا. فقد بدأت أعداد متزايدة من علماء الأعصاب في استخدام تكنولوجيا معقدة –وبعض الرياضيات المعقدة جدًّا– لفهم ما يحدث في دماغ واحد، أو دماغين، أو حتى 12 أو 15 دماغًا في وقت واحد حين ينخرط أصحابها في التواصل بالأعين، أو رواية القصص، أو تركيز اهتمام مشترك على موضوع أو هدف معين، أو أي نشاط آخر يتطلب تفاعلًا اجتماعيًّا. وعلى الرغم من أن مجال علم الأعصاب الاجتماعي التفاعلي لا يزال في مرحلة البداية، فإن الأمل يبقى معقودًا على أن معرفة الركائز العصبية للتواصل الاجتماعي الحقيقي ستغيِّر من فهمنا الأساسي للتواصل وتؤدي في النهاية إلى تحسين التعليم أو توجيه معالجة الكثير من الاضطرابات النفسية التي تنطوي على علل اجتماعية.

كانت القيود التكنولوجية فيما سبق بمنزلة عقبة كبرى أمام دراسة التفاعل البشري الحقيقي؛ فتصوير الدماغ يتطلب الثبات، والدقة العلمية تقتضي مستوى من التحكم التجريبي لا يمكن أن يكون طبيعيًّا بحال من الأحوال. ونتيجة لذلك، يصعب الحصول على بيانات عالية الجودة لدماغ واحد. أما تحقيق هذا بالنسبة لدماغين فهو "أمر أصعب بمقدار أكثر من الضعف"، كما يقول عالِم الأعصاب ديفيد بوبِل من جامعة نيويورك، الذي يضيف قائلًا: "ينبغي مزامنة الآليات، والبيانات، والحصول على البيانات".

ومع ذلك، فإن أول دراسة راقبت دماغين في الوقت نفسه بنجاح أُجريت منذ قرابة 20 سنة. فقد قام الفيزيائي ريد مونتاجيو، وهو يعمل حاليًّا في معهد فيرجينيا تِك، مع زملائه بوضع شخصين على آلتين منفصلتين للتصوير بالرنين المغاطيسي الوظيفي (fMRI)، وراقبوا نشاط دماغيهما في أثناء انخراطهما في لعبة تنافسية بسيطة يقوم فيها أحد اللاعبين (المرسل) بإرسال إشارة إذا كان قد رأى لتوه لونًا أحمر أو أخضر، ويكون على اللاعب الآخر (المستقبل) أن يحدد هل يقول المرسل الحقيقة أم يكذب. وكانت التخمينات الصحيحة تتلوها مكافآت. وقد أطلق مونتاجيو على هذه التقنية اسم "الفحص الفائق" hyperscanning، وأثبتت دراسته أنه من الممكن مراقبة دماغين في وقت واحد.

في البداية، كان مَن حذا حذو مونتاجيو علماء اقتصاد عصبي آخرين وليس متخصصي علم الأعصاب الاجتماعي. لكن مصطلح "الفحص الفائق" يُستخدم حاليًّا في أي دراسة تُجرى لتصوير الدماغ تتضمن أكثر من شخص واحد. واليوم، تضم التقنيات التي تحقق معايير هذه التقنية تخطيط كهربية الدماغ EEG، وتخطيط مغناطيسية الدماغ، والفحص الطيفي الوظيفي بالأشعة تحت الحمراء القريبة. وقد أدى استخدام هذه التقنيات المتنوعة –والتي يُعد الكثير منها حديثًا تمامًا– إلى توسيع نطاق التجارب الممكنة وجعل الفحص الفائق أقل صعوبة، ومن ثم أكثر انتشارًا.

أهمية المشاركة

بخلاف التحديات العملية لعلم الأعصاب التفاعلي، تردد سؤال ذو طبيعة فلسفية أكبر يتعلق بما إذا كانت المعلومات العصبية المستمدة من فحص الأشخاص في أثناء التفاعل الاجتماعي تختلف كثيرًا عن الفحوصات التي تُجرى على الأشخاص وهم وحدهم أو يكتفون بالمراقبة فحسب. فهل يعني شيئًا أن تنظر إلى شخص فينظر إليك بدوره؟ وهل ثمة فارق بين أن تتكلم بجملةٍ ما وأنت وحدك وأن توجه الجملة ذاتها إلى شخص ينصت إليك؟

نعم، من الواضح أن ثمة فارقًا. فوفقًا لما يقول الطبيب النفسي وعالِم الأعصاب الاجتماعي، ليونهارد شيلباخ، من معهد ماكس بلانك للطب النفسي في ميونيخ، ثمة أدلة متزايدة على أن "الإدراك الاجتماعي يختلف جوهريًّا حين تكون منخرطًا على نحوٍ مباشر مع شخص آخر في مقابل مجرد مراقبة هذا الشخص".

ولا يتطلب إثبات هذه الاختلافات بالضرورة دراسات على أكثر من دماغ واحد في الوقت نفسه، ولكنه يتطلب تجارب طبيعية نسبيًّا من الصعب تصميمها ضمن القيود المفروضة على البروتوكولات المختبرية القياسية. تدرس أخصائية علم النفس إليزابيث ريدكاي، من جامعة ماريلاند، التفاعل الاجتماعي في مرض التوحد، مع التركيز على المرحلة الوسطى من الطفولة. وفي عام 2010، حين كانت زميلة باحثة لدراسات ما بعد الدكتوراة وتعمل مع رِبيكا ساكس في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، صممت ريدكاي تجربةً رائدةً تتضمن مشاركًا واحدًا داخل جهاز الفحص وآخر (باحث في واقع الأمر) خارجه، يتفاعلان مباشرةً من خلال بث فيديو حي. وجرى استخدام مقاطع فيديو مسجلة لمُحاور آخر كعينة ضبط. وفي التفاعلات المباشرة رصدت ريدكاي نشاطًا في مناطق الدماغ المشاركة في الإدراك الاجتماعي والإثابة أكبر من مثيله في التفاعلات المسجلة.

وقد استمرت دراساتها التالية في إظهار الاختلافات في طريقة استجابة الدماغ المتفاعل. ففي أدمغة الأطفال، ينشط عدد أكبر من المناطق المشاركة في التفكير بشأن الحالات الذهنية للآخرين –التفكير في التفكير، بالاصطلاح الشائع– حين يعتقد الأطفال أنهم يتفاعلون مع نظير لهم، مقارنة بعدد المناطق التي تنشط حين لا يعتقدون ذلك. وفي دراسات الانتباه المشترك –الذي يمثل مكونًا حاسمًا في التفاعل الاجتماعي– وجدت ريدكاي أن مناطق التفكير في التفكير الموجودة في الدماغ، مثل الوصلة الصدغية الجدارية، استجابت بطريقة مختلفة في حالة تَشارُك الانتباه مقارنةً بالنظر إلى شيءٍ ما بصورة فردية. والآن ترغب ريدكاي في أن تعرف هل هناك اختلافات أخرى في كيفية تفاعُل أدمغة الأفراد المصابين بالتوحُّد. تتساءل ريدكاي: "هل يرتبط مدى استخدام الأشخاص لمناطق التفكير في التفكير هذه بنجاح هؤلاء الأشخاص في التفاعل الاجتماعي؟". ومن السابق لأوانه البت في هذا الأمر، لكن من الواضح -كما تقول ريدكاي- "أن القصة الكاملة لا تتضح إذا كنا سنعتمد فقط على أساليب المراقبة".

كان شيلباخ واحدًا من المؤيدين البارزين لما يطلق عليه "علم أعصاب المُخاطَب" second-person neuroscience. وقد تضمنت دراساته شخصيات افتراضية يبدو أنها تستجيب لنظرة مشارك. ويقول شيلباخ إنه في مثل هذه المواقف "يبدو أن ما يُعرف بشبكة التفكير في التفكير وشبكة الفعل والمراقبة تكونان مرتبطتين بصورة أكبر [مما كنا نعلم]". ويضيف قائلًا: "تؤثر كلٌّ منهما في الأخرى، أحيانًا بطريقة تكاملية وأحيانًا على نحو تثبيطي". كذلك وجد شيلباخ أنه حتى الأفعال البسيطة جدًّا، مثل التحديق في شخص آخر واعتقاد أنه يحدق بك هو الآخر –وهو تفاعل تشعر فيه أن سلوكك يؤثر في شخص آخر– تحفز النشاط في دوائر المكافأة بالدماغ، وخاصةً في الجسم المخطط البطني. وكلما زادت المكافأة التي تنتج عن سلوك ما، زادت احتمالات تكرارنا لهذا السلوك.

العيون تُعبر

ما الذي يحدث في دماغ الشخص الآخر؟ يُعَد التواصل بالعين مجالًا جديرًا بالبحث في هذا الصدد. يؤدي التواصل بالعين إلى تنشيط الدماغ الاجتماعي، ويبعث إشارةً للشخص الآخر تفيد بأنك تعيره اهتمامك. هذه إحدى طرق مشاركة المغزى والعاطفة. وقد استخدم نوريهيرو ساداتو وزملاؤه في المعهد الوطني للعلوم الفسيولوجية في اليابان الفحصَ الفائق في بدايات عام 2019 ليُظهروا أن التواصل بالعين يجهز الدماغ الاجتماعي للتعاطف عن طريق تنشيط المناطق نفسها في دماغ كلا الشخصين في الوقت نفسه: المخيخ، الذي يساعد في التنبؤ بالنتائج الحسية للأفعال، والجهاز الحوفي المرآوي، الذي يضم مجموعةً من مناطق الدماغ التي تنشط حين نحرك أي جزء من الجسم (بما في ذلك العينين)، وحين نراقب حركات شخص آخر. ويعتبر الجهاز الحوفي -بوجه عام- أساس قدرتنا على تعرُّف العاطفة ومشاركتها. وبعبارة أخرى، يُعَد جوهريًّا في تنظيم قدرتنا على التعاطف.

تُعد الحكايات التي يرويها بعضنا لبعض وسيلةً مثاليةً لاستكشاف الرابطة الاجتماعية التي تجمع بين الأفراد. وقد أجرى عالِم الأعصاب يوري حسون -من جامعة برينستون- تجاربَ مبتكرة في مجال اقتران الأدمغة باستخدام رواية الحكايات. في إحدى هذه الدراسات، قام بوضع أحد الأفراد على ماسح، وطَلَب منه أن يحكي قصة. وبعد ذلك، وضع شخصًا آخر على الماسح وطلب من المتطوع الإنصات إلى تسجيل للقصة التي رواها الشخص الأول. قارن حسون معالجة الدماغ للمتحدِّث والمستمع عبر الزمن، مع مطابقة النشاط لحظةً بلحظة، ووجد أدلة على اقتران الدماغين. يقول حسون: "يصبح دماغ المستمع مماثلًا لدماغ المتحدث". وكلما زاد اقتران الدماغين، زاد مستوى الفهم الذي يبلغ المستمع عنه. ويضيف حسون قائلًا: "إن دماغك كفرد تتحدد خصائصه حقًّا بواسطة الأدمغة التي يتصل بها".

انضم حسون مؤخرًا إلى ويتلي من دارتموث ليَرَيا إن كان بوسعهما قياس مدى اقتران الأدمغة في أثناء المحادثات. تقول ويتلي إن المحادثة الجيدة تعني "صياغة أفكار جديدة معًا، والمرور بتجارب لم يكن لك أن تمر بها وحدك". وترغب ويتلي في أن ترى تلك التجربة في الدماغ. وتتضمن دراستهما ماسحات متصلة عبر الإنترنت في جامعات مختلفة. (معظم أقسام علم النفس يكون فيها ماسح واحد فقط). ومن خلال وجود شخص واحد في كل ماسح، يتبادل الخاضعون للتجربة الأدوار في رواية قصة –حيث يروي أحد المشاركين بضع جمل، ويكمل الآخر من حيث انتهى صاحبه. وتقول ويتلي إنه إذا استطاع العلماء تصوير حالات الدماغ في أثناء هذا التفاعل، فقد يكون بوسعهم أن يروا كيف يتقارب دماغان ثم يتباعدان في أثناء المحادثة.

ما وراء الارتباط

انتقل متخصصو علم الأعصاب، ربما على نحوٍ حتمي، من دراسة دماغين فقط إلى دراسة الكثير من الأدمغة في وقت واحد. وتتطلب هذه التجارب استخدام جهاز تخطيط كهربية الدماغEEG ؛ لأنه قابل للحمل والنقل. وقد أظهرت الدراسات المبكرة أننا حين نشارك في أنشطة جماعية مثل الحفلات الموسيقية أو مشاهدة الأفلام، تصبح موجات أدمغتنا متزامنة –ويعني الانتباه التام للجمهور أنهم يعالجون ختام المقطوعة الموسيقية أو مشهد حب أو مشهد قتال بالطريقة نفسها. ولا يُعتبر هذا مثيرًا للكثير من الدهشة، لكن العلماء يطبقون حاليًّا الطريقة ذاتها في الفصول الدراسية، حيث يمكن أن تضيف النتائج إلى ما نعرفه عن كيفية تعلُّم الطلاب بالطريقة المُثلى.

في سلسلة من الدراسات في المدارس الثانوية بمدينة نيويورك، سجل فريق من باحثي جامعة نيويورك ضم بوبِل، وسوزان ديكر، وآيدو ديفيدسكو بيانات متكررة لتخطيط كهربية الدماغ لجميع طلاب صف الأحياء على مدار فصل دراسي. وقد وجدوا أن موجات أدمغة الطلاب تكون أكثر تزامنًا بعضها مع بعض حين يزيد اندماج الطلاب في الفصل. كذلك يعكس التزامن بين أدمغة الطلاب مدى حب الطلاب بعضهم لبعض ولمعلمهم –حيث تؤدي العلاقات الأقرب إلى مزيد من التزامن. وتبحث دراستهم الحالية ما إذا كانت مستويات تزامن الأدمغة في أثناء الدراسة تتنبأ بحفظ الطلاب للمادة التي يتعلمونها. يقول بوِبل: "أعتقد أن ما نفعله مفيد للغاية، فكيف يمكن [لنا] أن نستخدم هذه الأساليب بطريقة موجهة في تعليم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات؟".

يعقد شيلباخ أن علم الأعصاب التفاعلي له تطبيقات في الحياة الواقعية في مجال علم النفس أيضًا؛ إذ يمكن أن يتيح التنبؤ بالمعالج الأكثر مناسَبةً لمريض معين، على سبيل المثال. ويساعد التركيز على مواقف الحياة الواقعية في ضمان أن تكون أية نتائج ذات قيمة للمرضى. يقول شيلباخ: "بوصفي طبيبًا نفسيًّا، لا يهمني مساعدة الشخص على التَّحسُّن في مهمة معرفية اجتماعية محددة، بل أحاول مساعدة ذلك الشخص على أن يعيش حياة سعيدة ومُرضية".