في الشهر الماضي، شعر كلٌّ من روبرت دوميج وبيل جريسار -وهما زوجان في الخمسينيات من العمر يعيشان في أستوريا، أوريغون، وبورتلاند، أوريغون– بالارتياح لحصولهما على الجرعة الثانية من لقاح فايزر–بيونتيك المضاد لمرض كوفيد-19، وبعد حَقْن اللقاح، لم يشعر جريسار بأي شيء أكثر من ألم في ذراعه، لكن بالنسبة لدوميج، كانت الآثار أكثر وضوحًا.

يقول دوميج: "استيقظت خلال تلك الليلة الأولى وقد أصابتني رعشة وآلام في جسدي، وفي الصباح لم أكن على ما يرام، لم أرغب حقيقةً في فعل أي شيء في ذلك اليوم سوى النوم، وهذا كل ما فعلته".

كانت هذه الاستجابة المؤلمة تدعو إلى الطمأنينة، ويقول دوميج: "أود أن أعتقد أن هذا يعني أن اللقاح فعال، وأنه يهيئ نظامي المناعي للعمل بكفاءة"، فهل كان اللقاح الذي تلقاه جريسار أقل فاعليةً في حمايته من التأثير الحاد لـ"كوفيد-19"؟

بطبيعة الحال لا، وفق ما يرى الخبراء ووفقًا للبيانات المستخلصة من التجارب الإكلينيكية للقاح فايزر، وقد أشارت هذه البيانات إلى أن اللقاح كان فعالًا في حماية الناس من كوفيد-19 بشكلٍ عام بنسبة تتراوح بين 90 و100 في المئة، بغض النظر عن نوع الجنس أو العمر أو العرق أو الأصول الإثنية أو المشكلات الصحية السابقة، ومع ذلك، فإن نصف الخاضعين للتجارب تقريبًا عانوا من نوعية الاستجابات التي تشمل الجسم كله، كما حدث مع دوميج.

ويقول جون ويري، عالِم المناعة من جامعة بنسلفانيا: "إن النتيجة النهائية التي توصلنا إليها هي أن عدم وجود آثار جانبية أو (وجود) آثار جانبية غير حادة أمرٌ لا يدعو إلى القلق".

فلماذا إذًا يعاني بعض الناس من آثار جانبية، في حين لا يعاني منها غيرهم؟ يقول ويري: "إنه سؤال رائع، ولكننا لا نعرف الإجابة"، ولكن في النهاية، ربما يعكس ما يمر به الشخص آليات عمل جهازه المناعي أكثر مما يعكس فاعلية اللقاح.

وتقول سوجان شريستا، اختصاصية المناعة الفيروسية في معهد لاهويا لعلم المناعة: "إذا شعرت بذلك بالفعل، فأنت تبني استجابة مناعية قوية حقًّا، ولكن في الوقت ذاته، لا يعني عدم شعور الشخص بشيء أن الاستجابة المناعية لم تكن قوية؛ فلكلٍّ منا نوع مختلف من الاستجابة المناعية"، وتضيف قائلةً: إن العمر ونوع الجنس والسمات الوراثية والمشكلات الصحية السابقة والبيئة وحتى نظامنا الغذائي تؤثر على كيفية استجابة أجهزتنا المناعية.

ومن أجل فهم الآثار الجانبية للّقاح فهمًا أفضل، فلنتدبر ما يحدث عندما نتلقى اللقاح، أولًا، تقوم الذراع الفطرية للجهاز المناعي -وهي أداة القوة الضاربة الخاصة به- بالهجوم سريعًا على البروتين الغريب الذي يُدخِله اللقاح، وهو الأمر الذي قد يتسبب في آثار تتراوح بين التهاب في مكان الحَقْن وأعراض على مستوى الجسم مثل الإرهاق أو الألم أو الحمى، ثم تقوم الاستجابة بتنشيط الجهاز المناعي التكيُّفي، الذي يتخذ نهجًا أبطأ ولكنه تكتيكي بدرجة أكبر؛ إذ يعمل على تنشيط وتدريب الخلايا البائية التي تنتج الأجسام المضادة، والخلايا التائية التي تساعد في تنسيق الهجمات المستقبلية، وتؤدي هذه العملية في النهاية إلى تكوين خلايا الذاكرة البائية والتائية، التي يمكن أن تعيش في الجسم لعدة أشهر أو سنوات.

تصيب الفيروسات خلايانا بطريقة تشبه إدخال مفتاح في قفل -في هذه الحالة، القفل هو مستقبِل على سطح الخلايا، ويقول ويري إنه لمنعها من ذلك "تتصرف الأجسام المضادة وكأنها تلصق قطعة من العلكة على القفل بحيث يعجز الفيروس عن الدخول"، وتلك الأجسام المضادة اللدنة في غاية الأهمية، ولكن لبناء حماية دائمة، يجب على الجهاز المناعي أن يتذكر الشكل المحدد لفيروس سارس كوف-2، وهو العامل المُمْرض الذي يسبب مرض كوفيد-19، من أجل مواجهته في المرة التالية، ويعتمد هذا الأمر على خلايا الذاكرة البائية.

ويقول ويري: "تشكل هذه الخلايا ما نطلق عليه الذاكرة المناعية؛ فهي تبقى في مكانها وتشكل نظامًا احتياطيًّا، وإذا فشلت الأجسام المضادة لسببٍ ما، يظل لديك كل هذه الخلايا الأخرى العاملة".

لهذا السبب لا تعبر الأجسام المضادة عن الصورة الكاملة لمدى تمتُّع الجهاز المناعي بالحماية، وفي دراسة نُشرت مؤخرًا على الإنترنت قبل طباعتها ولم تُقَيَّم بعد من جانب خبراء خارجيين، قاس ويري وزملاؤه مستويات الأجسام المضادة والخلايا البائية في عينات دم مأخوذة من 44 شخصًا ممن تلقوا لقاح فايزر أو مودرنا، وأُخذَت هذه العينات في أوقات مختلفة على مدار فترة التطعيم، وقارن الباحثون في الأساس بين الحماية التي يمنحها اللقاح للأفراد المتعافين من مرض كوفيد-19 وتلك التي يمنحها لأولئك الذين لم يصبهم المرض مطلقًا، ومع ذلك فقد وجدوا أيضًا أن الأشخاص الذين أفادوا بحدوث آثار جانبية على مستوى أجهزة الجسم كله كان لديهم مستويات أعلى قليلًا من الأجسام المضادة ولكن ليس لديهم مستويات أعلى من الخلايا البائية، ويقول ويري إن هذا التناقض يشير إلى أنه في حين كوَّن هؤلاء الأفراد استجابةً التهابيةً أقوى، فإنهم لم يتمتعوا بالضرورة بحماية أفضل من فيروس كورونا على المدى الطويل.

سوف يشعر العديد من الأشخاص بالمزيد من الآثار الجانبية بعد الجرعة الثانية من لقاح كوفيد-19 الذي يتألف من جرعتين، وهو ما يمنح قدرًا من الطمأنينة، وتقول شريستا إن تلك الجرعة غالبًا ما تتسبب في المزيد من الأعراض الجانبية؛ لأن الجرعة الأولى هيأت الجسم لها، وبعد تلقي الجرعة الأولى، يُراكم الجسم مجموعةً محدودةً من خلايا الذاكرة البائية، ومع تلقي الجرعة الثانية -كما تقول- "نريد زيادة أعداد هذه الخلايا، بحيث تكون استجابة الجهاز المناعي أسرع وأكبر وأفضل عند حدوث الإصابة الفعلية لاحقًا".

ويقول ويري إن الجرعة الثانية قد يترتب عليها آثار جانبية أكبر لدى بعض الأشخاص، لأن خلايا الذاكرة البائية تلك قد تكونت بالفعل استجابةً للجرعة الأولى، ويضيف قائلًا: "إن الالتهاب يؤدي إلي تحول [الخلايا البائية] سريعًا إلى هذه المصانع المنتجة للأجسام المضادة".

ورغم أن الباحثين لا يفهمون تمامًا سبب تعرُّض بعض الأشخاص فقط دون غيرهم للآثار الجانبية للقاحات كوفيد-19، تشير البيانات الوبائية إلى بعض الاتجاهات العامة، وتقول شريستا: "غالبًا ما تكون الاستجابة المناعية لدى النساء أقوى مقارنةً بالذكور، وغالبًا ما تكون الاستجابة لدى الشباب أقوى مقارنةً بكبار السن".

وبشكلٍ عام، يفيد كبار السن بحدوث آثار جانبية أقل مقارنةً بمَن هم أصغر سنًّا، ولكن يمكن أن يكون لذلك علاقة بالطريقة التي يشيخ بها الجهاز المناعي وليس بمدى فاعلية لقاحات كوفيد-19 المتاحة، ويقول ويري: "إن فاعلية اللقاح كبيرة لدى كبار السن، ويدل ذلك على أن هذه اللقاحات جيدة بالفعل [تنتج] مستويات من الأجسام المضادة تزيد بما يتراوح بين 100 ضعف و1000 ضعف عما نحتاج إليه، لذا فحتى في كبار السن، إذا فقد أحدهم خمسة أو عشرة أضعاف [ذلك المستوى من الأجسام المضادة]، فسيكون هذا بمنزلة سقوط شجرة في الغابة؛ فهو حقًّا أمر غير مهم".

وقد تكون استجابتنا الفردية للقاح كوفيد-19 مرتبطةً أيضًا بالفيروسات التاجية التي سبق أن تعرضنا لها في الماضي، فقد يُصدر الجهاز المناعي لشخصٍ ما استجابةً أعلى للفيروسات المشابهة لتلك التي سبق أن أصيب بها، سواء حدث ذلك التعرض مؤخرًا أو منذ عقود، ويقول ويري: "إن الأشخاص الذين لديهم أطفال صغار يتعرضون كثيرًا للفيروسات التاجية الموسمية ربما يكون لديهم بالفعل قدرٌ من التفاعلية المتقاطعة التي تُعرضهم للمزيد من الآثار الجانبية"، ويضيف قائلًا: "ربما أُصيب كبار السن قبل 40 عامًا بفيروس تاجي لم يُصَب به من قبل مَن هم في الثلاثينيات من العمر".

ورغم أنه لا تزال هناك تساؤلات عديدة حول مَن يُصاب بالآثار الجانبية للقاح ولماذا يُصاب، تقول شريستا إن ملايين الأشخاص الذين يتلقون لقاحاتٍ متماثلةً في جميع أنحاء العالم يقدمون للباحثين فرصةً فريدةً من نوعها، وتقول: "سنتعلم حقًّا بعض الأساسيات المتعلقة بالجهاز المناعي التي يمكننا الاستفادة منها، ليس فقط في مجال الأمراض المعدية ولكن أيضًا في مجال المناعة الذاتية والسرطان، بل والأمراض العصبية أيضًا"، وهذا بالفعل أمرٌ مشجع.