إن أي شخص قضى إحدى فترات الظهيرة حائرًا بصدد كيفية تجميع قطعة أثاث من منتجات شركة إيكيا سوف يقدِّر كم هو أمرٌ مُغرٍ إسناد ذلك العمل إلى أحد الروبوتات. لحسن الحظ، تُعدّ قطع الأثاث المعقدة في هذا المتجر، والتي يتم تجميعها بشكل ذاتي، بمنزلة نوع من معايير الأداء المرجعي بالنسبة لمهندسي الروبوتات الذين تعبوا سنوات في بناء روبوتات ذكية وبارعة بما يكفي لتثبيت البراغي والأوتاد الخشبية في فتحاتها الخاصة بها. يتميز التقدم في ذلك المجال بإيقاع ثابت، ولكن من المرجح أن يستغرق الأمر فترة قبل أن تتمكن الروبوتات من تجميع منظومة سرير علوي طراز "ستوفا" STUVA بمشتملاتها في غرفة نومك في حين تحتسي قهوتَك في المطبخ.

إلا أنه من الواضح أن تركيب كرسي طراز "ستيفان" STEFAN قد صار أمرًا في متناول اليد، وذلك وفقًا لمهندسين بجامعة نانيانج التكنولوجية في سنغافورة. في عدد الأسبوع الثالث من شهر إبريل من دورية "ساينس روبوتيكس" Science Robotics، ينوِّه هؤلاء المهندسون بأنهم قد تمكنوا من تجميع كرسي طراز "ستيفان" باستخدام روبوت مزوَّد بذراعين، تسمح له مستشعراته وبرمجته بتركيب معظم القطع معًا دون الحصول على مساعدة بشرية. قام ذراعا الروبوت، ومقابضه المتوازية، ومستشعراته، وآلة التصوير ثلاثية الأبعاد الخاصة به بإتمام تجميع إطار الكرسي (بما لا يشمل المقعد وبراغي التثبيت)، وهو ما تضمَّن أكثر من 50 خطوة خلال 20 دقيقة تقريبًا.

من الجدير بالذكر أيضًا أن كل جزء من أجزاء الروبوت كان من النوع العام المتوفر في السوق، ويُعدّ هذا خطوة رئيسية نحو جعل مثل تلك الروبوتات قابلةً للإنتاج على نطاق واسع. أما المكونات التي قامت بعملية التجميع "فهي بالفعل يتم إنتاجها على نطاق واسع، ومن ثم فإن التكنولوجيا التي قمنا بتطويرها هنا يمكن نشرها في المصانع الموجودة بالفعل في المستقبل القريب جدًّا"، وذلك على حد قول فام كوانج-كوونج، الأستاذ المساعد في الهندسة الميكانيكية وهندسة الفضاء الجوي، والذي قام ببناء الروبوت مع زميليه الباحثَين بجامعة نانيانج فرانشيسكو سواريز-رويز وشيان تشو.

قام المهندسون ببرمجة الروبوت باستخدام رموز الحاسب، وذلك بدلًا من تدريب الجهاز على تجميع القطع عن طريق التعلُّم الآلي وغيره من أساليب الذكاء الاصطناعي ذات الأهمية البالغة لمستقبل الروبوتات. يقول كوانج-كوونج: "في هذا العمل كنا مهتمين بتحقيق القدرات ذات المستوى المنخفض، كالإدراك والتخطيط، والتحكم، بدلًا من الاهتمام بالاستدلال ذي المستوى المتقدم. وتُعَد تلك القدرات منخفضة المستوى بالغة الأهمية، وكذلك يمكن توفيقها لتجميع أشياء أخرى أو أداء مهمات صناعية أخرى، مثل المناولة والحفر وتوزيع الغراء والتجميع والتفتيش. ونخطط أيضًا لدمج طرق الذكاء الاصطناعي في عملنا المستقبلي للوصول إلى أتمتة الاستدلال رفيع المستوى (بشكل أكثر تجرُّدًا)".

قد تبدو حركات ذراعي روبوت جامعة نانيانج بطيئةً وباعثةً على الملل، لكن قدرة هذين الذراعين على تركيب الأوتاد في فتحاتها تنجح في التعامل مع "مشكلة فائقة الصعوبة في علم الروبوتات"، على حد قول روس نيبر، الأستاذ المساعد في علوم الكمبيوتر بجامعة كورنيل، والذي لم يشارك في أبحاث جامعة نانيانج. إن نيبر مؤهل لأن يعرف ما يقوله؛ إذ كان عضوًا في فريق تابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا قام في عام 2013 ببناء نظام "إيكيا-بوت" (IKEABot) للروبوتات ذاتية القيادة القادرة على تجميع الطاولات الجانبية طراز "لاك" LACK. كان الظهور الأول لمشروع معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في العام نفسه كمشروع روبوت آخر مصمم لتجميع طاولات "لاك" جرى تطويره على يد باحثين من جامعة ماساتشوستس أميرست، ومختبر ويلو جاراج لأبحاث الروبوتات، وجهات أخرى (PDF).

وكان نظام "إيكيا-بوت" الخاص بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا نظامًا أوتوماتيكيًّا، تولى التنسيق بين اثنين من الروبوتات تم تزويدهما بأدوات متخصصة لتنفيذ عملية التجميع. وطَبَّق هذا النظام الاستدلال المرتبط بجيومترية القطع الفردية للوصول إلى فهم كيفية تَوافُق هذه القطع بعضها مع بعض. يقول نيبر: "في حين أنني خلال عملي استخدمتُ صيغةً للإدراك البصري، بمعنى استخدام الرؤية البصرية لحل مشكلة وضع الوتد في الفتحة المخصصة له، يفعل باحثو جامعة نانيانج ذلك من خلال التغذية الراجعة المرتبطة باللمس، بمعنى تَحسُّس ما إذا كان الوتد قد دخل في الفتحة المخصصة له أم لا. كلا التطبيقين يختص بقطع أثاث شركة إيكيا، ولكن إسهاماتهما في مجال الروبوتات مختلفة جدًّا".

إن التقنية المُستخدَمة من جانب باحثي سنغافورة تُبشِّر بأن تكون متعددةَ الاستعمالات، قابلةً لإعادة البرمجة لاستخدامها في مهمات مختلفة قد تتضمن كذلك تجميع أنواع أخرى من الأثاث. يقول نيبر: "لقد مر الكثير من الناس –وبشكل خاص العديد من الأمريكيين– بتجربة المحاولة المُضنية لتركيب قطع أثاث إيكيا، وربما الفشل فيها. ويبقى الحلم قائمًا أن نمتلك نظام

روبوت واحدًا يمكنه تجميع الكتالوج الكامل لمنتجات شركة إيكيا، ولكننا لم نصل بعدُ إلى تلك المرحلة".