"أنا لا أقبل أية أنماط مطلقة لعيش الحياة. فليس ثمة نظام مسبق يمكنه التنبؤ بكل ما قد يحدث في حياة الإنسان. فبينما نعيش حياتنا، نزداد حكمةً وتتغير معتقداتنا. ولا بد لها أن تتغير. لذا، أرى أنه ينبغي علينا التعايُش مع هذا الاستكشاف المستمر. وينبغي أن نكون منفتحين على هذه المغامرة بوعي متزايد بالحياة. ينبغي أن نرهن وجودنا بأكمله برغبتنا في الاستكشاف وخوض التجربة". — مارتين بوبر

ما الذي نقصده بعيش حياة هانئة؟ لقد ناقش العديد من الفلاسفة والمفكرين والروائيين هذا السؤال وكتبوا عنه على مر التاريخ الإنساني. وفي مجال علم النفس، رَجُحت كفة مفهومين رئيسيين للحياة الهانئة، وهما: الحياة السعيدة (التي يُشار إليها عادةً باسم "الرفاهية اللذائذية") المليئة بالاستقرار، والمتعة، والبهجة، والمشاعر الطيبة، والحياة ذات المغزى (التي يُشار إليها عادةً باسم "الرفاهية الروحية") المليئة بالحس بالغاية، والمعنى، والفضيلة، والإخلاص، والواجب، والتضحية. ولكن ماذا لو لم تكن هذه هي الخيارات الوحيدة؟

في السنوات الأخيرة، حظيت نوعية مهمَلة -منذ أمد طويل- من الحياة الهانئة باهتمام أكبر من جانب الباحثين، ألا وهي الحياة الثرية نفسيًّا. وهذه الحياة زاخرة بالمشاركة الفكرية المعقدة، ومجموعة كبيرة من المشاعر المكثفة والعميقة، وتجارب متنوعة ومبتكرة ومدهشة ومثيرة. أحيانًا تكون هذه التجارب ممتعة، وأحيانًا أخرى تكون ذات مغزى، وأحيانًا لا هذا ولا ذاك. ورغم ذلك، نادرًا ما تكون مملةً أو رتيبة.

فعلى أية حال، قد تصير كلتا الحياتين، الحياة السعيدة والحياة ذات المغزى، رتيبة الإيقاع ومتكررة الأحداث. فقد يشعر شخص متزوج ولديه أطفال ويعمل في وظيفة مكتبية ثابتة بالرضا عن حياته بشكل عام ويجد جوانب كثيرةً منها ذات مغزى، ورغم ذلك يشعر أيضًا بالملل الشديد. أما الحياة الثرية نفسيًّا فلا تشتمل بالضرورة على الثراء الاقتصادي. فعلى سبيل المثال، تأمل شخصية جولدموند -للروائي هرمان هيسه- الذي لم يكن لديه مال، ورغم ذلك سعى إلى عيش حياة رحالة حُر طليق.

وقد كشفت أبحاث حديثة أن الثراء النفسي مرتبط بكلا نوعي الحياة: الحياة السعيدة والحياة ذات المغزى، إلا أنه يختلف عنهما جزئيًّا. فالثراء النفسي مرتبط ارتباطًا أقوى وأوثق صلةً بكثير بسمة الفضول، والانفتاح على التجارب، وخوض المشاعر الإيجابية والسلبية على حدٍّ سواء وبصورة مكثفة أكثر. ولكن هل الحياة الثرية نفسيًّا هي النوعية التي يرغب الناس في عيشها فعلًا؟

في دراسة جديدة، يقترح شيجهيرو أويسي وزملاؤه أن الثراء النفسي يُعد جانبًا مهملًا مما يعتبره الناس حياةً هانئة، وقد شرعوا في تقدير أعداد الأشخاص من مختلِف أنحاء العالم الذين يرغبون فعلًا في عيش مثل هذه الحياة. سأل الباحثون أشخاصًا يعيشون في تسع دول مختلفة عن مدى تقديرهم للحياة الثرية نفسيًّا، والحياة السعيدة، والحياة ذات المغزى.

ووجد الباحثون أن ما وصفه الكثيرون بأنه حياة مثالية يتضمن الثراء النفسي. لكن حين أُرغم الأفراد على اختيار نوعية حياة محددة، اختارت الأغلبية الحياة السعيدة (بنسبة تراوحت بين 49.7 بالمئة إلى 69.6 بالمئة)، والحياة ذات المغزى (بنسبة تراوحت بين 14.2 بالمئة إلى 38.5 بالمئة). بيد أن ثمة أقلية لا يُستهان بها فضلت الحياة الثرية نفسيًّا، بنسبة تراوحت بين 6.7 بالمئة في سنغافورة إلى 16.8 بالمئة في ألمانيا.

وقد تزايدت هذه الأعداد حين قيست الرغبة في عيش حياة ثرية نفسيًّا بطريقة غير مباشرة. فمن أجل فهم الحياة التي قد يتمناها المرء فهمًا كاملًا، من المهم معرفة ما الذي كان يود الناس تجنُّبه في حياتهم. لذا فقد سأل أويسي وزملاؤه المشاركين في بحثهم عن أكثر شيء يندمون عليه في حياتهم، وما إذا كان إلغاء هذا الحدث المؤسف من حياتهم أو التراجُع عنه من شأنه أن يجعل حياتهم أكثر سعادة، أو أكثر مغزى، أو أكثر ثراءً نفسيًّا.

وجد الباحثون أن حوالي 28 بالمئة من الأمريكيين قالوا إن التراجُع عن الحدث المؤسف من شأنه أن يجعل حياتهم أكثر ثراءً من الناحية النفسية. فعلى سبيل المثال، كتب أحد الأشخاص أنه نادم على "عدم الالتحاق بكلية مدة الدراسة فيها أربع سنوات للحصول على شهادة". وأضاف قائلًا: "أشعر أنه فاتني بعض التجارب المثيرة". وفي كوريا، كانت النسبة أعلى من ذلك، حيث قال 35 بالمئة من المشاركين إن التراجع عن الحدث المؤسف من شأنه أن يجعل حيواتهم أكثر ثراءً نفسيًّا [مقارنة بنسبة الأكثر سعادة (27.6 بالمئة) أو الأكثر مغزى (37.4 بالمئة)].

وتشير هذه النتائج إلى أنه في حين يسعى معظم الناس جاهدين ليكونوا سعداء ويعيشوا حياة هادفة وذات مغزى، فإن عددًا كبيرًا منهم يكتفي بعيش حياة ثرية نفسيًّا وحسب. وفي الواقع، يشير بحث آخر جديد إلى أن شدة التجربة تمثل أهميةً أكبر من مدى "إيجابيتها" أو "سلبيتها" بالنسبة للكثير من الناس. وقد خلص أويسي وزملاؤه إلى أننا "نؤمن بأن أخذ الحياة الثرية نفسيًّا على محمل الجد من شأنه أن يعمق فهمنا للسعادة والرفاهية ويوسعه، وقطعًا يثريه".

وفي النهاية، لا يوجد مسار واحد مقبول لعيش الحياة الهانئة، وإنما عليك أن تبحث عن المسار الأكثر مناسبَةً لك.

وكما قال نيتشه: "لا يستطيع أحد أن يشيد لك الجسر الذي يجب عليكَ -أنتَ وحدك- أن تعبر من خلاله نهر الحياة. ربما يوجد عددٌ لا حصر له من الدروب والجسور وأنصاف الآلهة التي قد يسعدها حملك والعبور بك، ولكن هذا سيكون على حساب التخلي عن ذاتك وتسليم مصيرك لآخرين. وثمة طريق واحد في العالم لا يستطيع أحد أن يسلكه سواك. إلى أين يقود هذا الطريق؟ لا تسل، اسلك الطريق!".

بيد أن نيتشه أشار أيضًا إلى أنها "مهمة محفوفة بالخطر والألم، أن ينقِّب المرء في أعماق نفسه، وأن يسبر بجهد ومشقة وعلى نحو مباشر أغوار وجوده".

إذا نقبت في أعماق وجودك وأدركت أن أفضل مسار بالنسبة لك هو عيش حياة زاخرة بالأفكار والمشاعر والتجارب الثرية والمعقدة (والتي قد تكون أحيانًا سلبية ولكنها تقود حتمًا إلى التطور)، فإنني آمل أن يوضح لك هذا البحث أنك لن تكون وحيدًا في هذا السبيل. فثمة عدد كبير من الناس في شتى أنحاء العالم يتوقون إلى عيش حياة ثرية نفسيًّا، بل إنهم يرتبون أولويات التجديد، والتنوع، والتعقيد، والتكثيف، والعمق، والمفاجأة في حيواتهم اليومية.