لا يزال ما يُسمى بالعزم المغناطيسي الشاذ للميون -الذي رُصد للمرة الأولى في تجربة بمختبر بروكهافن الوطني في عام 2001- قائمًا كما هو، وعلى مدار 20 عامًا، ظل هذا التعارض البسيط بين القيمة المحسوبة للعزم المغناطيسي للميون وقيمته المقيسة تجريبيًّا قائمًا بدلالة مقدارها حوالي 3.7 سيجما، وهذا يكافئ مستوى للثقة مقداره 99.98 بالمئة، أو احتمالية مقدارها حوالي 1 في كل 4,500 أن يكون هذا التعارض محض تقلب عشوائي، وفي ضوء النتائج التي أعلنت عنها مؤخرًا تجربة الميون جي-2 (Muon g-2) في مختبر فيرمي الوطني (فيرميلاب) في باتافيا، بولاية إلينوي، زادت الدلالة إلى 4.2 سيجما، وهذا يكافئ مستوى من الثقة يبلغ حوالي 99.997 بالمئة، أو احتمالية مقدارها حوالي 1 في كل 40,000 أن يكون الانحراف المرصود محض مصادفة، القياس الجديد في فيرميلاب يمتلك في حد ذاته دلالةً مقدارها 3.3 سيجما فقط، لكن نظرًا إلى أنه يعيد إنتاج النتيجة السابقة الصادرة عن بروكهافن، فقد ارتفعت الدلالة المجمعة إلى 4.2 سيجما، ومع هذا، لا تزال هذه الدلالة أقل من عتبة الاكتشاف التي حدّدها فيزيائيو الجسيمات ومقدارها خمسة سيجما.

هذه النتيجة طال انتظارها؛ لأن من شأنها أن تحطم أخيرًا النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات، وهو مجموعة من المكونات الأساسية المعروفة حتى الآن للمادة، والذي ظل راسخًا لمدة تناهز الخمسين عامًا، ويحتوي هذا النموذج في الوقت الحالي على نيف وعشرين جسيمًا، بيد أن أغلبها غير مستقر، وبالتالي لا يمكن العثور عليها بمجرد النظر إلى المادة المحيطة بنا بصورة طبيعية، ومع ذلك، فإن الجسيمات غير المستقرة تُنتَج بصورة طبيعية في الأحداث العالية الطاقة، كما يحدث عندما تضرب الأشعة الكونية الطبقة العليا للغلاف الجوي، بالإضافة إلى ذلك، فهذه الجُسيمات تُخَلَّق عن طريق تصادمات الجسيمات المهيأة في المختبر، كتلك التي استُخدمَت في تجربة فيرميلاب لقياس العزم المغناطيسي للميون.

كان الميون أحد أوائل الجسيمات غير المستقرة المعروفة؛ إذ يرجع تاريخ اكتشافه إلى عام 1936، وهو نسخة أثقل للإلكترون، ويحمل شحنة كهربية مثله أيضًا، يبلغ عُمر الميون حوالي اثنين ميكروثانية، ومن منظور فيزيائيي الجسيمات، يُعتبر هذا زمنًا طويلًا، ولهذا السبب يسهل إخضاع هذا الجسيم للقياسات الدقيقة، ويحدد العزم المغناطيسي للميون السرعة التي يدور بها محور دوران الجسيم حول خطوط المجال المغناطيسي، وبغية قياس هذا العزم في مختبر فيرميلاب، يقوم الفيزيائيون بتخليق الميونات والمحافظة على دورانها في دائرة يبلغ قطرها نحو 15 مترًا، وذلك بالاستعانة بمغناطيسات قوية، في نهاية المطاف، تضمحل الميونات ويستطيع العلماء استنتاج عزمها المغناطيسي من توزيع نواتج الاضمحلال.

يُطلق على النتيجة المصطلح جي-2 (g-2)، حيث يشير الحرف g إلى العزم المغناطيسي، ويُضَمَّن العدد (2) لأن القيمة قريبة من اثنين، وفي الانحرافات عن العدد اثنين تكمن المساهمات الكمومية التي يهتم بها الفيزيائيون، وهذه المساهمات تأتي من تموجات الفراغ التي تحتوي على جميع الجسيمات، وإن كان ذلك بصورة افتراضية؛ إذ إنها لا تظهر إلا لزمن وجيز قبل أن تختفي مجددًا، وهذا يعني أنه إذا كان هناك مزيدٌ من الجسيمات أكثر من تلك الموجودة في النموذج القياسي، فمن المفترض أن تُسهم في تجربة الميون جي-2، ومن هنا تأتي أهميتها، وبالتالي، يمكن أن يشير الانحراف عن تنبؤات النموذج القياسي إلى وجود جسيمات أخرى أكثر من تلك المعروفة بالفعل، أو إلى وجود فيزياء جديدة ما، مثل وجود أبعاد مكانية إضافية.

كيف لنا إذًا أن نقيِّم هذا التعارض البالغ 4.2 سيجما بين تنبؤات النموذج القياسي والقياسات الجديدة؟ بادئ ذي بدء، من المفيد أن نتذكر السبب الذي يجعل فيزيائيي الجسيمات يستخدمون معيار الخمسة سيجما من الأصل، لا يتعلق السبب بدرجة كبيرة بأن فيزياء الجسيمات أدق بصورة جوهرية ما من مناحي العلم الأخرى، أو بأن فيزيائيي الجسيمات أمهر كثيرًا في إجراء التجارب، بل يعود السبب في الأساس إلى أن فيزيائيي الجسيمات لديهم الكثير من البيانات، وكلما زادت البيانات التي لديك، زادت احتمالية العثور على تقلبات عشوائية تبدو بالصدفة وكأنها إشارة ما، وقد بدأ استخدام فيزيائيي الجسيمات لمعيار الخمسة سيجما يشيع في منتصف تسعينيات القرن العشرين؛ كي ينقذوا أنفسهم من الإحراج الناجم عن الوصول إلى عدد ضخم للغاية من «الاكتشافات» التي يتبين لاحقًا أنها محض تقلبات إحصائية.

لكن بطبيعة الحال، فمعيار الخمسة سيجما اعتباطي بالكامل، ويناقش فيزيائيو الجسيمات أيضًا الانحرافات التي تقل كثيرًا عن هذا الحدّ، وفي الواقع، ظهرت بعض الانحرافات التي تحمل دلالات مقدارها ثلاثة سيجما وأربعة سيجما، ولكنها اختفت على مدار السنين؛ فعلى سبيل المثال، بوزون هيجز قد «اكتُشف» بالفعل في عام 1996، عندما ظهرت إشارة مقدارها حوالي أربعة سيجما في مصادم الإلكترون-البوزيترون الكبير في سيرن بالقرب من جنيف، ثم اختفت مجددًا. (رُصد بوزون هيجز بصورة حاسمة في عام 2012 بواسطة المصادم الذي حل محل مصادم الإلكترون-البوزيترون الكبير، وهو مصادم الهدرونات الكبير)، وفي عام 1996 أيضًا، رُصدَت البنى الفرعية للكوارك بدلالة مقدارها نحو ثلاثة سيجما، ثم اختفت هي الأخرى.

وفي عام 2003، رُصدَت علامات على التناظر الفائق –وهو امتداد مُفترَض للنموذج القياسي يطرح جسيمات جديدة– في مصادم الإلكترون-البوزيترون الكبير، بدلالة مقدارها نحو ثلاثة سيجما أيضًا، لكن سريعًا ما اختفت، وفي مصادم الهدرونات الكبير في عام 2015، شاهدنا انحراف الديفوتون (diphoton)، الذي ظل مستمرًّا عند حدود أربعة سيجما قبل أن يختفي، وكذلك، كانت هناك بعض الاكتشافات المذهلة بدلالة قدرها ستة سيجما، لكن لم يجرِ التحقق منها، كما في حالة "التيارات الفائقة" في عام 1998 في مختبر تيفاترون بفيرميلاب (وحتى في وقتنا الحالي لا يعلم أحد ما كانت عليه حقًّا) أو مشاهدات الكوارك الخماسي في عام 2004 في مسرِّع هيرا بألمانيا (لم تُرصَد الكواركات الخماسية بالفعل حتى عام 2015).

ومن المفترض أن يساعدنا هذا التاريخ في تقييم مدى الجدية التي سنتناول بها أي زعم باكتشاف جديد في فيزياء الجسيمات بدلالة إحصائية مقدارها 4.2 سيجما، لكن بطبيعة الحال يصب في صالح انحراف جي-2 حقيقة أن دلالته صارت أقوى وليست أضعف.

ماذا يعني استمرار هذا الانحراف؟ إن التجارب العالية الدقة التي تُجرى عند مستوى طاقة منخفض، كهذه التجربة، تتمّم تجارب الطاقة العالية، ويمكن أن تزوِّدنا بمعلومات مشابهة، وسبب ذلك أنه من الناحية النظرية، كل المساهمات من مستويات الطاقة العالية حاضرة أيضًا عند مستويات الطاقة المنخفضة، كل ما في الأمر أنها ضئيلة جدًّا؛ فنحن نتحدث عن اختلاف بين التجربة والنظرية عند المنزلة الحادية عشرة بعد العلامة العشرية.

أما من الناحية العملية، فهذا يعني أن الحسابات الخاصة بالتنبؤات يجب أن تفسِّر بدقة الكثير من المساهمات الضئيلة كي تصل إلى الدقة المطلوبة، وفي فيزياء الجسيمات، تُجرى هذه الحسابات باستخدام مخططات فاينمان، وهي تمثيلات صغيرة فيها عُقَد وروابط تشير إلى الجسيمات وتفاعلاتها، وهي أداة رياضية لتتبُّع حسابات التكامل التي يجب إجراؤها.

وهذه الحسابات تصبح أشد تعقيدًا مع مستويات الدقة الأعلى؛ نظرًا لوجود مخططات أكثر وأكبر، وفي حالة تجربة الميون جي-2، تعيّن على الفيزيائيين حساب أكثر من 15 ألف مخطط، وعلى الرغم من أن أجهزة الكمبيوتر تساعد كثيرًا في أداء هذه المهمة، فلا تزال هذه الحسابات تشكل تحديات كبيرة، وثمة صعوبة خاصة تتعلق بالمساهمات الهدرونية؛ فالهدرونات هي جسيمات مركبة تتألف من العديد من الكواركات المتصلة معًا بواسطة الجلونات، وحساب هذه المساهمات الهدرونية عند القيمة جي-2 معروف بصعوبته الشديدة، ويُعتبر في الوقت الحالي المصدر الأكبر للخطأ من الناحية النظرية، هناك بطبيعة الحال أيضًا قياسات مستعرضة عديدة تؤدي دورًا، مثل التنبؤات التي تعتمد على قيم الثوابت الأخرى، بما في ذلك كتل اللبتونات وثوابت الاقتران.

وهكذا، يمكن أن يعني التعارض ببساطة أن هناك خطأً ما في حسابات النموذج القياسي، والمشتبه الرئيسي في ذلك هي المساهمات الهدرونية، لكن من المحتمل أيضًا أن يكمن القصور داخل النموذج القياسي ذاته وليس في حساباتنا، وربما يأتي التعارض من الجسيمات الجديدة، والمرشح الأرجح لذلك جسيمات التناظر الفائق، ومشكلة هذا التفسير هي أن التناظر الفائق ليس نموذجًا، بل هو خاصية لعدد كبير من النماذج، وكل نموذج مختلف من هذا الكل الأكبر يقدم تنبؤات مختلفة، ومن ضمن جملة أمور أخرى، تعتمد مساهمات جي-2 على كتل جسيمات التناظر الفائق الافتراضية، التي لا تزال مجهولة، ولذا، يستحيل في الوقت الحالي أن نعزو التعارض إلى التناظر الفائق تحديدًا.

إن القياس الجديد عالي الدقة الذي أجراه مختبر فيرميلاب للعزم المغناطيسي يُعتبر إنجازًا تجريبيًّا بارزًا، لكن من السابق لأوانه التصريح بأنه يحطم النموذج القياسي.

هذا مقال رأي وتحليل.