في القاعة رقم 67 من متحف برادو في مدريد، تأسر لوحة «زحل يلتهم ابنه» -للرسام فرانشيسكو جويا- المشاهدين بمشهد شديد الشناعة؛ إذ تصور اللوحة أسطورة كرونوس الإغريقية (ساترن، أو زحل، في النسخة الرومانية)، الذي التهم أبناءه خوفًا من أن يطيحوا به من فوق عرشه. وقد فسر النقاد تصوير جويا –الذي يجسد الإله المتوحش المُصَوَّر بعينين واسعتين يظهر عليهما الهلع والخزي والجنون بينما يلتهم ابنه– كمجاز عن فظائع الحرب، وتحلُّل المجتمع الإسباني، والحالة النفسية المتردية للفنان. إنه أحد أعظم الأعمال الفنية السردية على مر التاريخ. وبطبيعة الحال، قلة قليلة فقط من البشر تمتلك مثل هذه القدرة البارعة على رواية القصص بشكل بصري، لكن هذا التعبير الإبداعي، حتى في صوره الأدنى، يُعَد أمرًا خاصًّا؛ إذ إن نوعنا وحده، نوع الإنسان العاقل (Homo sapiens)، معروف عنه اختراعه للحكايات الخيالية وتوصيلها عبر التصوير التمثيلي.

حاول علماء الآثار بنشاط الوصول إلى أصول سلوكنا الفني المميز لنوعنا. ولمدة طويلة، جاءت أمثلة الفن التشخيصي (في مقابل صُنع العلامات التجريدية) وتصاوير الكائنات الخيالية جميعها من مواقع في أوروبا عمرها يقل عن 40,000 عام. لكن في الأعوام الأخيرة، أماط باحثون اللثام عن أمثلة أقدم على الفن التشخيصي في جنوب شرق آسيا. والآن، عثر علماء الآثار العاملون على جزيرة سولاويسي في إندونيسيا على أقدم شكل للفن التشخيصي على الإطلاق. وفي ورقة نُشرَت في 11 ديسمبر في دورية Nature، أفاد ماكسيم أوبرت وأضحي أجوس أوكتافيانا وآدم بروم، وجميعهم في جامعة جريفيث في أستراليا، وزملاؤهم، بأن هذا الشكل الفني –رسم على جدران أحد الكهوف– يعرض فيما يبدو عددًا من الكائنات الخيالية الشبيهة بالبشر وهي تصطاد حيوانات واقعية. وإذا كانوا محقين، فمن الممكن أن يصبح هذا الاكتشاف أقدم سجل تصويري لرواية القصص والتفكير الخوارقي في العالم.

كان الفريق قد اكتشف رسمًا قديمًا عام 2017 في كهف يُعرف باسم ليانج بولو سيبونج 4 في منطقة ماروس-بانجكيب الجيرية جنوبي سولاويسي، والمنطقة عبارة عن مشهد فسيح من أبراج الحجر الجيري الناتئة والمنحدرات. وعلى الجدار الصخري الوعر للكهف، يواجه ستة صيادين صغار جاموسًا كبيرًا، ملوِّحين بحبال أو رماح. وعلى مقربة، يطارد صيادون آخرون مزيدًا من الجواميس، والخنازير كذلك. يبدو الصيادون أشبه بالبشر، لكنهم يمتلكون سماتٍ حيوانيةً غامضة؛ إذ يمتلك أحدهم ذيلًا، على سبيل المثال، ويمتلك آخر منقارًا. مثل هذه الكائنات تُسمى الكائنات الإنسانية الحيوانية، وهي تُعَدُّ مؤشرات على امتلاك القدرة على التفكير الروحي. ويقترح الباحثون أن الكائنات المتعددة –وكلها مرسومٌ بصباغ له لون الصدأ القديم– تُعَد جزءًا من المشهد ذاته، وأنها ربما تبيِّن إستراتيجية صيد تعاوُنية تُعرف باسم دفع الطرائد، وفيها تُدفع الطرائد إلى الخروج من مخبئها وتُقاد نحو الصيادين.

ومن أجل تحديد تاريخ الصور، قاس الباحثون التحلُّل الإشعاعي لليورانيوم الموجود في الرواسب المعدنية التي تكوَّنت أعلاها. وبعد أخذ عينات من أجزاء عديدة من المشهد، حصل الفريق على تواريخ دُنيا تتراوح بين 43,900 و35,000 عام مضت. وإذا كان عمر الرسم 43,900 عام على الأقل، كما يذهب أوبرت وزملاؤه، فسوف يكسر الرقم السابق لأقدم عمل فني تشخيصي –وهو رسم عمره 40,000 عام لحيوان شبيه بالبقرة عُثر عليه في أحد كهوف بورنيو– بعدة آلاف من الأعوام. كما أنه سيسبق تمثال «الإنسان الأسد» الذي عُثر عليه في ألمانيا، والذي يترواح عمره بين 39,000 و40,000 عام، والذي نال لفترة طويلة مكانةً شرفيةً باعتباره أول تجسيد للإنسانية الحيوانية، كما سيسبق الرسم مشهد الصيد الشهير في كهف لاسكو في فرنسا، والبالغ عمره 17,000 عام.

إن موقع الرسم المُكتشَف مثير للاهتمام؛ إذ يقع على ارتفاع 21 قدمًا من الأرض، في بقعة يصعب على الزوار المعاصرين الوصول إليها من دون سُلَّم أو معدات تسلُّق. كانت رسوم الكهوف المبكرة في أوروبا توجد عادةً في ممرات عميقة، حالكة الظلام، كان من الصعب بالتأكيد الوصول إليها والعمل فيها، وهو ما يشير إلى أن هذه الأماكن كانت تحمل على الأرجح معنًى خاصًّا للفنانين. يقول بروم إن التصاوير القديمة في سولاويسي موجودة بالأساس بالقرب من مداخل الكهوف والمآوي الصخرية، وبذا فهي توجد في مناطق مضاءة، وليست مظلمة. لكن كما في حالة رسم كهف ليانج بولو سيبونج 4، فقد صُنعَت هذه التصاوير في كهوف وأماكن عالية يصعب الوصول إليها في أبراج الحجر الجيري وأسطح المنحدرات. ويقول بروم: "بخلاف العمل الفني، لا تُظهر هذه المواقع أي دليل على سكن البشر بها، ونفترض أن البشر القدماء استخدموها فقط من أجل صنع الرسوم. لا نعلم سبب ذلك. لكن ربما كان لصنع فن الكهوف في تلك المواقع المتطرفة التي يتعذر الوصول إليها والمرتفعة فوق سطح الأرض مغزًى ثقافيٌّ ورمزيٌّ أعمق". كما يضيف أنه من أجل الوصول إلى هذه النقاط، تعيَّن على الفنانين على الأرجح أن يتسلقوا نباتات معرشة أو يستخدموا عصي الخيرزان، أو في بعض الحالات يشقوا طريقهم عبر شبكات ممرات الكهوف الواقعة داخل الأبراج الجيرية. لكن على الرغم من أن فناني سولاويسي القدماء ونظراءهم في أوروبا ربما صنعوا أعمالهم في أماكن ذات معنى، واستخدموا بعض الأساليب الفنية المتشابهة في تصوير موضوعاتهم، فإنه "من المستبعد تمامًا وجود أي رابطة تاريخية أو ثقافية مباشرة بين فن تصوير الحيوانات في العصر الجليدي في إندونيسيا وفي أوروبا"، وذلك وفق قول بروم.

وفي الواقع، على الرغم من أن الرسم المُكتشَف حديثًا يزيح إلى الوراء تاريخ أقدم صور الفن التشخيصي والإنساني-الحيواني والسردي، فإنه لا يكشف إلا القليل عن القوة المحرِّكة خلف ظهور مثل هذا التعبير الإبداعي. فعلى مدار عقود تَدبَّر الباحثون ما بدا وكأنه فترة تأخُّر طويلة بين نشأة البنية التشريحية البشرية وبزوغ السلوكيات البشرية الحديثة، مثل صناعة الفن. فبينما تطورت البنية التشريحية الحديثة منذ مئات الآلاف من الأعوام، تجمعت عناصر السلوك الحديث –كما تتضح من خلال الثقافة المادية المحفوظة في السجل الأثري– في وقت متأخر نسبيًّا. وقد اقترح البعض أن ثمة تحولًا معرفيًّا متأخرًا ربما يكون قد أطلق القدرات الإبداعية لدى أسلافنا. ويقترح آخرون أن ثمة عوامل ثقافية أو اجتماعية أو بيئية -أو مزيجًا منها– أذكت نيران الإبداع لديهم. وعن هذا يقول بروم: "مما يؤسف له أن هذا الفن الكهفي الذي حددنا تاريخه لا يقدم إجابةً مباشرةً عن هذا السؤال المثير للاهتمام!"، لكن استنادًا إلى الأدلة المتاحة، يظن بروم أن رواية القصص الخيالية ظهرت قبل هذا الرسم بفترة طويلة، "ربما حتى قبل خروج نوعنا من أفريقيا".

أما بشأن مَن رسم الأشكال في كهف ليانج بولو سيبونج 4، فلم يُعثَر على أي بقايا لهياكل عظمية في الكهف أو أي موقع آخر على جزيرة سولاويسي تنتمي إلى تلك الحقبة الزمنية. نحن نعرف أن أنواعًا بشريةً أخرى بخلاف الإنسان العاقل -تتضمن النياندرتال- صنعت فنًّا، على الرغم من أن هذا الفن، حتى وقتنا هذا، يبدو تجريديًّا بصورة حصرية. ونعرف أيضًا أن ثمة أنواعًا بشريةً أخرى استوطنت جنوب شرق آسيا في الماضي غير البعيد؛ فالنوع المعروف باسم "إنسان فلوريس" سكن جزيرة فلوريس الإندونيسية منذ 60,000 عام مضى، والنوع المعروف باسم "إنسان لوزون" عاش في الفليبين حتى 50,000 عام مضى، وخلصت دراسة وراثية إلى أن مجموعةً متأخرةً باقيةً من إنسان دينيسوفا ربما تناسلت مع الإنسان العاقل في إندونيسيا أو غينيا الجديدة منذ 15,000 عام وحسب. وحين سُئل بروم عما إذا كان أيٌّ من هذه الأنواع هو الذي رسم مشهد الصيد، قال: "بالنظر إلى الطبيعة المتقدمة للتصوير، تقضي فرضيتنا الأساسية بأن بشرًا حديثين –أناس لهم "البنية" المعرفية التي نمتلكها نفسها– هم مَن صنعوا فن الكهوف هذا. ويُعتقَد أن هؤلاء البشر استوطنوا سولاويسي كجزء من موجة الهجرة الأولية للإنسان العاقل إلى إندونيسيا منذ ما لا يقل عن 70,000 إلى 50,000 عام مضى".

غير أن الطبيعة المتقدمة للتصوير محل خلاف. إذ يوضح عالِم الآثار بول بيتيت -من جامعة دورهام في إنجلترا، وهو خبير في الفن المبكر، غير مشارك في الدراسة الجديدة- أنه على الرغم من أن أحد الحيوانات في المجموعة يبلغ عمره 43,900 عام على الأقل، فإن غالبية الأشكال الأخرى لم يُحدَّد تاريخها. وعن هذا يقول: "إن المشاهد نادرة للغاية في فن العصر الحديث الأقرب (البليستوسين). ولو كانت هذه الرسومات موجودةً في أوروبا أو أفريقيا أو أمريكا الشمالية، لما جرى تحديد عمرها بأكثر من [10,000] عام". ويذكر بيتيت أن الأشكال الإنسانية الحيوانية المزعومة لها أحجام غير متناسبة مع الحيوانات التي يقال إنها تصطادها. ويتساءل: "هل من الممكن أن تكون غير ذات صلة بالحيوانات؟"، أو أيمكن أن تكون قد رُسمَت بعدها بوقت طويل؟ ويقول: "نحن نعلم أنه في أوروبا تم تزيين "الكهوف ذات الرسومات" على مراحل متعددة، تفصلها آلاف الأعوام". ومن الممكن استخدام التحليل الجيوكيميائي للصبغات المستخدمة في التيقُّن من أن الصور الموجودة في كهف ليانج بولو سيبونج 4 صُنعَت بصورة متزامنة.

كما أن بيتيت ليس مقتنعًا بأن الصيادين هم كائنات إنسانية–حيوانية، أو حتى أنهم من أشباه البشر. ويؤكد قائلًا: "بعض الكائنات مبهمة وبالتأكيد مطروحة للتساؤل. وحتى أوضح الأمثلة من الممكن أن تكون كائنات رباعية الأقدام"، هكذا أضاف معلقًا على التصوير الأفقي لهذه الكائنات. كما أن الرماح المزعومة ما هي إلا "خطوط طويلة تمر وحسب على مقربة من بعض "البشر"، ولا يمكن اعتبارها أسلحةً تُمسَك بالأيدي". هكذا قال، مضيفًا: "وهكذا فإن مسألة ما إذا كانت هذه الأشكال تمثل بشرًا، وما إذا كان هذا مشهدًا للصيد، تظل غير محسومة".

ربما تحسم الأبحاث المستقبلية هذا الأمر. وقد تمخَّض المسح الذي أجراه فريق الاكتشاف في المنطقة عن المزيد من المواقع التي تحتوي على رسوم تشخيصية لم يجرِ تحديد أعمارها بعد. وربما تزودنا هذه المواقع بأدلة عن أصول العقل البشري الحديث الذي يصنع الصور ويروي القصص ويخترع الخرافات.