اقتربت بيريشيت -وهي مركبة فضاء إسرائيلية متواضعة ذات هدف جَسور، يتمثل في تنفيذ عملية هبوط سلس على سطح القمر- من تحقيق هدفها، غير أنها فشلت في نهاية المطاف يوم الخميس. فقد تحطم المسبار على سطح القمر بعد حدوث مشكلات في المحرك والاتصالات قبل الهبوط المخطط له على سطح القمر بفترة وجيزة. هذه المركبة -التي شيدتها مؤسسة إسرائيلية غير ربحية تدعى سبيس آي إل- كانت في سبيلها إلى أن تصبح أول مركبة خاصة تتمكن من الهبوط على سطح القمر، وكانت ستجعل إسرائيل الدولة الرابعة التي تُحقق هذا الإنجاز، بعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق والصين.

خلال بث حي لمحاولة الهبوط، علَّق موريس كان -رئيس مؤسسة سبيس آي إل- قائلًا: "حسنًا، لم يُحالفنا النجاح، لكننا حاولنا بالتأكيد. أعتقد أن وصولنا إلى ما وصلنا إليه هو إنجاز عظيم حقًّا، وأعتقد أن من حقنا أن نشعر بالفخر".

لم تكن المركبة بيريشيت التي تكلفت 100 مليون دولار مشروعًا تابعًا للحكومة الإسرائيلية، ولكنها شُيِّدت بتمويل من مؤسسة سبيس آي إل التي تولَّت تشغيلها أيضًا. كانت هذه هي المحاولة الأولى بين عدة محاولات ذات تمويل خاص للهبوط على سطح القمر، من المُزمَع تنفيذها خلال السنوات القليلة القادمة، وهي جزء من اندفاع دولي جديد محتمل نحو القمر؛ إذ تتسابق القوى العالمية والشركات الخاصة للوصول إلى الجار الأقرب لكوكب الأرض.

وقد قال بروس بيتمان، أحد متعهدي الأعمال لدى وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" ونائب الرئيس الأول ومسؤول العمليات الأول لدى جمعية الفضاء الوطنية، قبل محاولة الهبوط: "أعتقد أن الجميع أدركوا بصورةٍ ما أن هذه المهمة صعبة التحقيق، وأن محاولة تنفيذها تُمثل تحديًا كبيرًا للغاية. هناك فِرَق أخرى قطعت شوطًا كبيرًا على الطريق الموصل إلى ذلك الهدف، مدفوعةً بقدر كبير من الزخم، وكلٌّ منها ستتُاح له فرصته. ليس من الضروري أن تنجح المحاولات كلها. وآمل فقط أن تنجح واحدةٌ على الأقل من المحاولات قريبة المدى، أو بعبارة أخرى واحدة من تلك المحاولات الخمس أو الست التي من المفترض تنفيذها في المستقبل خلال فترة تتراوح بين 12 و18 شهرًا".

بداية بيريشيت

"بيريشيت كلمة توراتية، وهي الاسم العبري لسِفر التكوين"، على حد قول يوناتان وينتراوب، المشارك في تأسيس سبيس آي إل، في مقابلة سابقة. أضاف وينتراوب: "هذه الكلمة تعني أيضًا "في البداية". وقد اقترحها الجمهور واختيرت عبر تصويت قومي [في إسرائيل]. ويجسد الاسم جوهر المهمة: جهد شعبي من القاعدة إلى القمة يمثل البداية فحسب".

ورغم أن المركبة أُطلقَت في فبراير الماضي، وحُمِلَت على متن الصاروخ فالكون 9 التابع لمؤسسة سبيس إكس والذي كان يحمل كذلك قمرًا صناعيًّا إندونيسيًّا للاتصالات وحمولةً تابعةً للقوات الجوية الأمريكية، فإن البداية الحقيقية لرحلة بيريشيت تعود إلى ليلة مصيرية في عام 2010. كان هذا حين فكَّر ثلاثة من الشباب الإسرائيلي -وينترتاوب وياريف باش وكفير داماري- للمرة الأولى في إرسال مهمة خاصة إلى القمر، وذلك في أثناء احتسائهم الجعة في حانة خارج تل أبيب. شرع الثلاثة في تأسيس مؤسسة سبيس آي إل، كوسيلة للتنافس على جائزة جوجل إكس القمرية، وهي مسابقة انطلقت عام 2007. وعد القائمون على المسابقة صاحب المركز الأول بتمويل قدره 20 مليون دولار لأول مركبة إنزال روبوتية تصل إلى القمر ثم تُكمل سلسلةً من الأهداف منها اجتياز مسافة قدرها 500 متر وإرسال صور عالية الوضوح. وقد قرر المتفائلون الثلاثة أن لديهم فرصة للفوز. يقول وينترتاوب: "لم نكن نعلم الكثير وقتها. كنا جالسين في تلك الحانة في عام 2010 ونتخيل كم سيكون رائعًا الوصول إلى القمر".

وفي عام 2011، وبعد عرض تقديمي قصير قدمه مؤسسو سبيس آي إل بناءً على دعوة من وكالة الفضاء الإسرائيلية، تحدث معهم أحد الحاضرين لمشاهدة العرض. يقول وينترتاوب: "أتى هذا الشخص إلينا وقال: "هل تمتلكون المال؟" ونظر بعضنا إلى بعض، إذ كانت الإجابة بالنفي دون شك. فقال: "بإمكانكم الحضور إلى مكتبي، وسأمنحكم شيكًا بقيمة 100 ألف دولار". ومنذ ذلك الوقت أعطانا الكثير". كان هذا الشخص هو موريس كان، رائد الأعمال الإسرائيلي الملياردير، الذي صار لاحقًا رئيس مؤسسة سبيس آي إل. بفضل مساعدة كان، اجتذبت المؤسسة تبرعات إضافية ضخمة، كتلك المساهمة التي قدمها شيلدون أدلسون، الملياردير الأمريكي العامل في مجال الكازينوهات، إذ بلغت قيمتها 16.4 مليون دولار".

وقد قال موريس كان في وقت سابق: "استهداف القمر يُبرز أقوى قدرات إسرائيل. نحن لدينا الجرأة على أن نحلم؛ فالابتكار والرغبة والفضول والتعقيد جميعها جزء من حمضنا النووي، وهذا المشروع يشتمل على هذه الأمور كلها. أريد أن أُشعل الحماس والاهتمام لدى الجيل الأصغر سنًّا بشأن الفضاء، تمامًا مثلما فعل مشروع أبوللو في الولايات المتحدة". منذ البدايات الأولى للمشروع، كانت هذه الروح هي المحرك لعملية التخطيط لدى سبيس آي إل، تلك العملية التي انصب تركيزها -على حد قول أعضائها- على التعليم والتوعية، بدلًا من تحقيق الأرباح.

كانت المركبة بيريشيت البالغ طولها 1.5 متر تحمل كبسولةً زمنيةً صغيرة، اشتملت على قطع ومصنوعات ثقافية بهدف حفظها طويل المدى على سطح القمر شبه الساكن. كما اشتملت كذلك على عواكس مرجعية ليزرية مقدمة من ناسا، يمكن استخدامها من جانب مركبات فضائية أخرى في مدار القمر أو بالقرب منه من أجل تحديد النطاق الدقيق ولأغراض القياس. وفي طريق بيريشيت نحو سطح القمر، كان من المزمع أن يُنفِّذ مقياسٌ للمغناطيسية -صمَّمه معهد وايزمان للعلوم في مدينة ريهوفوت الإسرائيلية- عمليةَ مسح للمنطقة المقفرة أدناه، وأن يجمع بيانات جديدة عن المجال المغناطيسي للمشهد من شأنها أن تساعد في إماطة اللثام عن تاريخ القمر وأصوله العميقة.

ويستمر السباق

في نهاية المطاف، لم تتمكن مؤسسة سبيس آي إل -وجميع منافسيها- من الفوز بجائزة جوجل إكس القمرية، وقد أُلغيت الجائزة العام الماضي بعد أن فشل الجميع في تحقيق الهدف خلال الفترة الزمنية المحددة (عام 2014 في الأساس، ثم جرى تمديدها إلى عام 2018). ورغم أن المسابقة لم تمنح الجائزة التي قيمتها 20 مليون دولار لأحد، فقد أثارت سباقًا قويًّا بين المؤسسات الخاصة للوصول إلى سطح القمر، كما وزَّعت عددًا من الجوائز الأصغر تجاوزت قيمتها الإجمالية خمسة ملايين دولار. قالت تشاندا جونزاليس-مورر، نائبة رئيس مؤسسة إكس برايز، المعنية بعمليات الجائزة: "رغم عدم تمكُّن أي جهة من الفوز بجائزة جوجل إكس القمرية، فإن الجائزة حفَّزت عددًا متنوعًا من الفِرَق من كل أنحاء العالم؛ للسعي، ومواصلة السعي، وراء هذه الخطط الطموحة التي كانت تُعد مستحيلةً حين أطلقنا الجائزة للمرة الأولى".

لا يزال عددٌ من المتنافسين السابقين على الجائزة ملتزمين بإرسال مركبات الإنزال الروبوتية الخاصة بهم إلى القمر في المستقبل القريب، وبالأخصِّ فريقي أستروبوتيك ومون إكسبريس الأمريكيين، إضافةً إلى الشركة اليابانية آي سبيس. وتخطط شركة سبيس إكس لإرسال فنان ياباني وطاقم إضافي من ثمانية أفراد، قريبًا في عام 2023، للدوران حول القمر في كبسولة الفضاء دراجون التي طورتها الشركة. وثمة شركة ناشئة أخرى في مجال الفضاء الجوي، تُدعى بلو أوريجين، في خضم عملية تطوير مركبة إنزال تمتاز بقدرة كبيرة على التحمل. وفي عالم الدول القومية الأكثر رُقيًّا، تمتلك الولايات المتحدة وأوروبا والصين وروسيا والهند واليابان وكوريا الجنوبية برامج استكشاف قمرية تحقق تطورًا سريعًا وتدعمها عقودٌ سخية مع شركات كبرى في مجال الفضاء الجوي. (من جهتها، دخلت مؤسسة سبيس آي إل في شراكة مع شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية من أجل إنتاج نسخ شبه مطابقة للمركبة بيريشيت؛ لتقديمها للعملاء المهتمين بالرحلات المستقبلية الممكنة بين الكواكب).

يقول بيتمان: "إننا نمر بمرحلة تحوُّل في النموذج الفكري الخاص بعالم الفضاء الجوي. والأمر المثير جدًّا -والمخيف في نظر الكثيرين- هو أن قواعد اللعبة تشهد تغيرات جذرية. فالطريقة المعتادة لإنجاز الأمور -التي تقود في ظلها الحكومات الركب، ثم تتبعها الشركات- كل تلك القواعد آخذة في التغير جذريًّا، وهذا أمر رائع حقًّا، من وجهة نظري".