على مدار عامٍ وفي حين كان العالم يحاول السيطرة على جائحة كوفيد-19، انشغل العديد من الناس بسؤالٍ آخر عن كيفية بداية الجائحة، وفي مقابلة مع شبكة "سي إن إن" أذيعت يوم 28 مارس، افترض أحد العلماء البارزين، دون دليل، أن الجائحة بدأت عندما تسرّب فيروس "سارس-كوف-2" SARS-CoV-2 من أحد المختبرات في مدينة ووهان الصينية التي شهدت ظهور الفيروس للمرة الأولى، قال روبرت ريدفيلد، عالِم الفيروسات والمدير السابق للمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها: "تلك وجهة نظري، إنه مجرد رأي".

بعد يومين، قدّم مؤيدو فرضية أخرى حول أصل الجائحة وجهةَ نظرهم، وهي انتقال الفيروس من الحيوانات البرية إلى البشر مع فيروس بدأ ظهوره بين الخفافيش في الصين، وقد ذكر تقرير مشترك صادر عن منظمة الصحة العالمية وحكومة الصين، دون دليل أيضًا، أن فيروسًا يصيب الخفافيش انتقل عن طريق حيوانات أخرى إلى أن وصل إلى البشر.

لم يعثر أحد في أي مختبر في مدينة ووهان على فيروس تاجي جعلته التجارب أكثر قدرةً على الانتشار إلى أن أصبح مطابقًا لفيروس "سارس-كوف-2" وأصاب أحد العاملين في المختبر، وبالمثل، لم يعثر أحد بين الحيوانات البرية على فيروس تاجي تحوَّر إلى أن أصبح مشابهًا لفيروس "سارس-كوف-2" في أثناء انتقاله إلى حيوانات أخرى، ليصيب البشر بعد ذلك، تفتقر كلتا الفكرتين إلى دليل في الوقت الحالي، وكلتاهما ممكنة الحدوث.

لكن الفكرتين ليستا على القدر نفسه من الاحتمالية؛ إذ تختلفان فيما بينهما في عدد الأحداث اللازمة لوقوع كل سيناريو منهما، تعتمد فكرة ريدفيلد القائلة بحدوث تسرُّب من المختبر على حدث واحد أو بضعة أحداث قليلة تتلخص في وقوع خطأ في المختبر، أما فكرة انتقال الفيروس من الحيوانات البرية إلى البشر فاحتمالات حدوثها بالملايين.

تقوم فرضية ريدفيلد على أن أي فيروس يأتي من الحيوانات ويصبح على هذا القدر من الكفاءة في إصابة البشر يجب أن يكون قد حصل على مساعدة مخبرية لتحقيق ذلك في نقلة واحدة سريعة، وهو افتراضٌ مبالغٌ فيه.

الواقع أن ريدفيلد نفسه قال في مقابلته مع "سي إن إن" إنه يعتقد أن الفيروس كان في حالة انتشار لعدة أشهر قبل أن نلاحظ وجوده، وهذه ليست نقلة سريعة، بل فترة زمنية ممتدة تعزّز الفرضية الثانية، المتعلقة بانتقال الفيروس من الحيوانات البرية إلى البشر.

تفترض هذه الفكرة أن هناك مليارات الخفافيش في الصين، وأن ملايين من عمليات الاختلاط تحدث أسبوعيًّا بين الخفافيش والحيوانات البرية الأخرى، وفي بعض الأحيان البشر، يتيح ذلك الكثير من فرص الانتقال أمام الفيروس، وعندما يكون الفيروس في صورته الأصلية، لا تكون لديه القدرة على التكاثر داخل جسم الإنسان، لكن تكون أمامه ملايين الفرص لتحسين قدراته حتى قبل أن يصيب أول إنسان؛ فالخفافيش تتحرك هنا وهناك بحثًا عن الطعام وتختلط مرات عديدة مع حيوانات أخرى مثل البانجولين والغرير والخنازير وغيرها الكثير، ويمكن لأي فيروس أن ينتهز الفرصة ويصيب هذه الحيوانات، تختلط فيروسات كورونا داخل مستعمرات الخفافيش، مما يهيئ أمامها الفرص لإعادة ترتيب جيناتها، بل إن هذه الفيروسات تختلط داخل الخفاش الواحد، إذ لوحظ أن أحد الخفافيش يؤوي مجموعةً مختلفةً من فيروسات كورونا.

تحظى هذه الفيروسات بما يكفي من الوقت، فهي لا تقوم بقفزة واحدة، بل تقضي عدة أشهر في الانتقال من عائل إلى آخر وتتحوّر في تلك الأثناء، وعندما يصل الفيروس إلى البشر، تزداد فرص التكاثر أمام نُسخ الفيروس التي تحتوي على طفرات تعزّز قدرتها على إصابة الخلايا البشرية، وسرعان ما تتطور قدرة هذه الفيروسات على إصابة الخلايا البشرية بحيث تظهر أعراض المرض الواضحة على الإنسان، وعندها نلاحظ ظهور مرض جديد، يحدث ذلك في الإطار الزمني نفسه الذي يقول ريدفيلد إن الفيروس كان منتشرًا فيه.

الواقع أننا نشهد حدوث هذه العملية الآن مع فيروس كورونا المستجد؛ فوفقًا للأبحاث التي أجراها أخصائي علم الأحياء الدقيقة التطوري فون كوبر، الذي يعمل في المركز الطبي بجامعة بيتسبرج، يكتسب الفيروس طفرات سريعة، يُطلق عليها E484K و501Y، تجعله أكثر قدرةً على الانتشار، وهو ما يحدث في سلالات بعضها مستقل عن الآخر على مستوى العالم، وفي تصريح لمجلة "ساينتفك أمريكان" Scientific American، قال آدم لورينج، عالِم الفيروسات بجامعة ميشيجان: إن هذا الأمر يحدث تلقائيًّا لأن حدوث ملايين الإصابات على مستوى العالم أتاح للفيروس ملايين الفرص لحدوث الطفرات، وهذا الأمر لا يحدث نتيجة تسرّبٍ من أحد المختبرات.

إذًا أيُّ سيناريو هو الأرجح في رأيك؟ فرضية حدوث تسرّب من أحد المختبرات التي طرحها ريدفيلد والتي تعتمد على حدث واحد مفترض؟ أم فرضية انتقال الفيروس من الحيوانات البرية إلى البشر والتي توجد نحو مليون فرصة لحدوثها؟

إذا كنت ستراهن على ورقة رابحة في لعبة البوكر، فهل ستضع أموالك على ورقة لديها فرصة واحدة للفوز؟ أم ورقة لديها ملايين الفرص؟ كلتا الفرضيتين واردة الحدوث، لكن احتمالية حدوث إحداهما أعلى من الأخرى بكثير.

لهذا السبب يرجّح معظم العلماء فرضية انتقال الفيروس من الحيوانات البرية إلى البشر، مثلما ورد في خطاب أُرسِل إلى مجلة "لانسيت" Lancet وأيضًا في التقرير الصادر عن منظمة الصحة العالمية، (صرح عدة باحثين آخرين لمجلة "أندارك" Undark أن فرضية حدوث تسرّب من أحد المختبرات لم تنل حقها من النقاش)، وهذا التساؤل عن أصل الفيروس ليس نقاشًا عبثيًّا، بل هو أمرٌ مهمٌّ للغاية، لأننا عندما نعرف كيف بدأت الجائحة الفيروسية سنتمكن من تكثيف جهودنا لتفادي التعرض لجائحة مشابهة، خصوصًا مع وجود الكثير من الفيروسات المسببة للأمراض حولنا، وهناك أهمية أخرى للبحث في هذا الأمر؛ فافتراض أن علماء صينيين مهملين قد تسببوا في إطلاق الفيروس دون وجود دليل على ذلك، مثلما كان شائعًا في ظل إدارة ترامب، قد أثار موجة عارمة من العنصرية ضد ذوي الأصول الآسيوية في الولايات المتحدة، وهو ما أسفر عن مئاتٍ من حوادث العنف وترويع المجتمعات.

مرةً أخرى، لا توجد أدلة مباشرة ترجّح أيًّا من الفرضيتين حول أصل الجائحة، لكن الأرقام تشير إلى استبعاد حدوث فرضية ريدفيلد.

هذه مقالة رأي وتحليل