تُوجد حالة من عدم التيقّن بشأن موقف مصادم الجسيمات الكبير القادم.

في 7 من مارس، أعلن مسؤولون يابانيون أنهم مهتمّون باستضافة تجربة في علم الفيزياء تسمى المصادم الخطي الدولي (ILC)، ولكنهم قالوا إنهم لن يتعهَّدوا بتنفيذ المخطّط، وأنهم يسعون إلى الحصول على مساعدة من شركاء دوليين لتمويل المشروع.

سوف يُصادم هذا المصادم الخطي -خليفة مصادم الهدرونات الكبير (LHC) الذي يعمل حاليًا في أوروبا- الإلكترونات مع نظائرها في المادة المضادة على أمل العثور على جسيمات أو قوى جديدة من شأنها تفسير بعض أعمق الألغاز الكونية.

وفي اجتماع للجنة الدولية للمسرِّعات المستقبلية، أعلن ممثّل عن وزارة التعليم والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا (MEXT) بالحكومة اليابانية أن اليابان سوف تسعى للبدء في محادثات رسمية مع دول أخرى بخصوص التشارك في تكلفة المشروع المتوقعة التي تبلغ 7 مليارات دولار أمريكي. وفي حال وجدت اليابان شركاء على استعداد للمساهمة، سيكون بإمكانها التعهّد باستضافة المسرِّع خلال عام 2020.

يأتي الإعلان قبل شهور من «تحديث الاستراتيجية الأوروبية لفيزياء الجسيمات»، وهو تحديث على درجة كبيرة من الأهمية، ويتمثل في إجراء يُحدّد فيه علماء الفيزياء الأوروبيون المشروعات التي سيعطونها أولوية فيما يتعلق بالتمويل المستقبلي.

تقول بوشبا بهات، عالمة الفيزياء بمختبر المسرّعات الوطني "فيرميلاب"*: "قرار اليابان (...) مشجِّع". إلا أن باحثين آخرين يساورهم القلق لتأجيل صدور قرار رسمي سوف يثبّط الدعم الدولي، وربما يُفسَّر كـ"لا" من الناحية العملية، على حد تعبير عالم الفيزياء بجامعة أوكسفورد رايان بودنشتاين في تغريدة له على تويتر.

سوف يبني المصادم الخطي على الاكتشافات التي توصل إليها مصادم الهدرونات الكبير، بالأخص أبرز نتائجه المتمثلة في اكتشاف بوزون هيجز الذي طال السعي وراءه، كان فيزيائيو مصادم الهدرونات الكبير قد أعلنوا في عام 2012، من مقرهم في المختبر الأوروبي لفيزياء الجسيمات «سيرن» CERN، العثور على هذا الجسيم الذي سبق التنبؤ به قبلها بنصف قرن، وساعد العثور على جسيم هيجز في ترسيخ أفضل نظرية لدى علماء الفيزياء لوصف الجسيمات والقوى التي تُشكِّل كوننا، وهي نظرية تدعى "نظرية النموذج القياسي".

إلا أنَّ الفيزيائيين كانوا يأملون في ذهاب مصادم الهدرونات الكبير لما هو أبعد من هذا النموذج والمساعدة على الإجابة عن أسئلة لا تتناولها النظرية، مثل: ما الذي تتشكل منه "المادة المظلمة" التي تفوق المادة المرئية وزنًا بنسبة 5 إلى 1؟ أو هل الكون يحوي ما يُسمى بـ"الجسيمات الشريكة ذات التناظر الفائق" لأنواع الجسيمات المعروفة في الكون؟ حتى الآن، عجز مصادم الهدرونات الكبير عن حل هذه الأمور المحيرة، ولهذا يريد العلماء إجراء تجربة تكون إيذانًا بالجيل القادم من التجارب.

بحلول عام 2013، كان مشروع مشترك يتألَّف من عدة مئات من الفيزيائيين قد بدأ دعم خطة إنشاء مصادم خطّي جديد، هو المصادم الخطي الدولي، وخلاف ما عليه الأمر في مصادم الهدرونات الكبير إذ تدور البروتونات داخل حلقة تحت الأرض طولها 17 ميلًا فيما بين فرنسا وسويسرا، سوف تكون الجسيمات المتصادمة في المصادم الخطي إلكترونات تتصادم مع شبيهاتها من المادة المضادة، البوزيترونات، وتتحرك في خطوط مستقيمة.

ستُسرَّع الإلكترونات لدى عند إحدى نهايتي نفق طوله عدة أميال، وتُسرَّع البوزيترونات من النهاية الأخرى، ليلتقي كلاهما ويتصادما رأسًا برأس عند المنتصف، وتعتبر هذه التصادمات الإلكترونية البوزوترونية تصادمات "نظيفة" لأن كلا الجسيمين أوَّليٌ، بمعنى أنهما ليسا مُكوَّنين من أي شيء آخر، ولذلك يستطيع علماء الفيزياء بسهولة تحديد طبيعة ما ينتج عن اصطدامهما معًا.

البروتونات، من ناحية أخرى، مُكوَّنة من جسيمات أخرى -جلوونات وكواركات- لذلك رغم أن مصادم الهدرونات الكبير يمكنه إنتاج بوزونات هيجز، فإن الفوضى التي تنتج عن تصادمات البروتونات مع بعضها تجعل من الصعب رؤية ما يحدث بعد ظهور جسيمات هيجز.

يقترن بوزون هيجز بما يسمى مجال هيجز، الذي تقول النظرية إنه يتخلَّل الفراغ بأكمله، فيعطي الجسيمات الأولية الأخرى كتلة، ويقول هيتوشي موراياما، نائب مدير المشروع المشترك للمصادم الخطي وعالم الفيزياء النظرية بجامعة كاليفورنيا في بيركلي:"إنه الجسيم الذي يُبقي كل شيء آخر متماسكًا"، ويأمل بعض الفيزيائيين في أن يكون جسيم هيجز سببًا في التوصُّل إلى إجابات بعض ألغاز الكون التي لا تزال بلا إجابة، على سبيل المثال، إذا كان بوزون هيجز يعطي جسيمات المادة المظلمة كتلة، تمامًا كما يفعل مع نظائر هذه الجسيمات في المادة المرئية، ينبغي أن يكون الفيزيائيون قادرين على رؤية جسيم هيجز يتحلل إلى جسيمات غير مرئية من المادة المظلمة، وقد تكشف مثل تلك الأرصاد أخيرًا عن ماهية تلك الجسيمات المراوغة.

يخضع المصادم الخطي الدولي منذ اقتراحه لمراجعات من جانب المجلس الياباني للعلوم، وهي مجموعة استشارية مؤلفة من علماء متخصصين في مجالات عديدة، وفي ديسمبر الماضي، أصدرت المجموعة تقريرًا يعد اعترافًا بالإمكانات المتوقعة من المصادم الخطي، إلا أن التقرير يرى أن التفاصيل العلمية ليست "كافية لتبرير الجزء الأكبر المتوقع أن تتحمله اليابان من التكلفة الضخمة للمشروع".

بالنسبة لليابان، استضافة المصادم الخطي الدولي ليست مشروطة فقط بالحصول على تمويل من شركاء دوليين، بل أيضًا بتهدئة المخاوف في الداخل، إذ يحتاج المصادم الخطي -كجزء من رحلته نحو الحصول على موافقة رسمية في عام 2020- إلى الحصول على موافقة المجلس الياباني للعلوم، يقول موراياما: "هناك مخاوف من أن مشروعًا كبيرًا بحجم المصادم الخطي الدولي سوف يضر في النهاية بالموارد المتاحة للتخصصات الأخرى".

وفي مسعى لجعل المصادم الخطي أكثر استساغة بالنسبة لعلماء المجالات الأخرى الأعضاء بالمجلس الياباني للعلوم، اقترح بعض السياسيين استخدام تمويلات من خارج الميزانية التقليدية المخصصة للعلوم، حتى لا يأتي تمويل المصادم الخطي على حساب التمويل المخصص لأبحاث الأخرى، وتوجد مشكلة أخرى في ديون اليابان، التي تُقدَّر بما يقرب من 11 تريليون دولار أمريكي، أي ما يعادل تقريبًا ضعف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

ورغم هذه التحديات، يدعم إنشاء المصادم الخطي الدولي نحو 40% من المُشرِّعين في البرلمان الوطني الياباني بمجلسيه التشريعيين، وفقًا لموراياما، وأصدر اتحاد الأعمال الياباني، وهو تكتل من 1,300 شركة كبرى، بيانًا داعمًا لإنشاء المصادم الخطي الدولي.

سوف يساعد المصادم الخطي -بالإضافة لكونه هدية للعلم- على تعزيز دور اليابان كبلد رائد في فيزياء الجسيمات، ويعود بفوائد على المجتمع المحيط بالموقع المقرر إنشاء المصادم فيه بإقليم إيواتيه، تلك المنطقة الريفية الواقعة شمال شرق اليابان. إن جيولوجيا المنطقة رائعة لآلية حساسة كتلك التي ينطوي عليها المصادم الخطي، إذ إن وجود ركيزة جرانيتية مستقرة دون خطوط تصدع في الجوار، يعني أن المصادم سيكون محميًا -نوعًا ما- من الزلازل.

يقول جون ساساكي، المدير التنفيذي للمكتب العلمي في إيواتيه: "كانت منطقة شمال شرق اليابان المنطقة الأكثر تضررًا في أعقاب زلزال وتسونامي عام 2011، ونعمل بجدّ من حينها لإعادة بناء المنطقة". لهذا، قد يكون المصادم الخطي، الذي قد يتيح فرص عمل ويُعزِّز من الأنشطة الصناعية في المنطقة، عاملًا رئيسيًا في تدعيم أعمال إعادة البناء المستمرة في هذا الإقليم.

ولكن حتى الآن، لا يزال من المبكر الحُكم على ما إذا كانت أراضي إقليم إيواتيه الزراعية الوادعة ذات التِلال الصغيرة سوف تصبح يومًا ما قِبلة لعلماء فيزياء الجسيمات.

*ملاحظة من المحرر (11/3/2019): احتوت نسخة سابقة من هذا المقال على اقتباس من عالمة الفيزياء جوان هيويت، لم يعبّر بشكل صحيح عن موقفها من قرار اليابان. لقد نقلنا عنها أنها قالت إن القرار كان "خطوة إيجابية نحو الأمام"، ولكن المصادم الخطي الدولي نفسه هو ما كانت هيويت تعتبره خطوة إيجابية.