اتخذ جوبيتر -ملك الآلهة في الأساطير الرومانية- من الغيوم ستارًا أسدله على نفسه، بغية إخفاء حقيقته، لكن تلك الحيلة لم تَثنِ عزيمة زوجته، الإلهة جونو، التي لم تَدَع ذلك الستار يقف حائلًا بينها  وبين تدقيق النظر فيما وراءه، ومن ثَمَّ الكشف عن سلوك جوبيتر الصبياني المشين .

لا عجب إذًا في أن المركبة الفضائية التابعة لوكالة ناسا، التي تطوف الآن حول كوكب «جوبيتر» Jupiter (المعروف بكوكب المشتري في اللغة العربية)، سُميَت «جونو» Juno، تيمنًا باسم الإلهة الزوجة؛ فكلا الاسمين على مسمى، على غرار الإله جوبيتر، يحجب عنّا كوكب المشتري -ذلك العملاق الغازي- خباياه خلف ستار من الغيوم الكثيفة ذات المظهر المخملي، التي تتنوع أشكالها ما بين الحلزوني الذي يشبه الدوامة، والعريض الذي يلتف حول الكوكب كالوشاح ، وشأنها في ذلك شأن الإلهة جونو، تضطلع مركبة «جونو» المدارية بمهمة استكشاف ما وراء ذلك الستار؛ بحثًا عن أي خيوط  قد تقودنا إلى معرفة تفاصيل عن أصل ذلك الكوكب ومسار تطوره، فما الأسرار التي يخبئها كوكب المشتري تحت ستاره؟

تقيس أحدث النتائج الواردة من المركبة «جونو»، والمنشورة في دورية "ساينس" Science بتاريخ 28 أكتوبر، مدى عمق العواصف العاتية على كوكب المشتري، بما فيها البقعة الحمراء الكبرى (وهي دوامة تتخطى في مساحتها مساحة كوكب الأرض، ولا تزال رحاها تدور بلا هوادة منذ مئات السنين)، هذه النتائج، التي استعان العلماء في جمعها بمزيجٍ من عمليات رصد الأشعة الميكروية وقياسات الجاذبية، ستساعد العلماء في توصيف ديناميكيات طقس المشتري (أي فهم الدور الذي تؤديه حركة المياه والهواء في تحديد طبيعة الطقس على الكوكب ) ومعرفة كيفية انخفاض حرارته بمرور الزمن، ما سيتيح معلومات قد تزيل بعض الغموض الذي ما زال يكتنف مسألة نشأة الكواكب العملاقة الغازية داخل مجموعتنا الشمسية وخارجها.

وفي هذا الصدد يقول سكوت بولتون، عالِم الفيزياء الفلكية في معهد ساوث ويست للأبحاث، والباحث الرئيسي في بعثة مركبة «جونو»: "إن كوكب المشتري ليس جميلًا من الخارج فحسب"، ويُردف: "اليوم يمكننا، ولأول مرة، أن نرى الغلاف الجوي [لكوكب المشتري] على نحوٍ ثلاثي الأبعاد [أي من كافة جوانبه]".

وتعليقًا على ذلك، يذكر راكيش ياداف -اختصاصي علم الكواكب النظري في جامعة هارفارد، والمُشارك في تأليف إحدى الأوراق البحثية التي نشرتها البعثة- أن رؤية ما يعتمل أسفل طبقة السُّحُب الكثيفة لكوكب المشتري تُعد خطوةً مفصليةً في إطار سعينا لفهم ما يصاحب سريان الطاقة  من عمليات أعم مسؤولة عن نقل الحرارة من الكواكب العملاقة الغازية وبثَّها عبر الكون، ويضيف قائلًا: "لا يمنحنا هذا [التطور العلمي] معلومات عن حاضر هذه الكواكب بشكلها الحالي فحسب، بل ينبئنا أيضًا بأحداث يُحتمل أن تكون هذه الكواكب قد شهدتها في الماضي"، وفي حالة كوكب المشتري بالأخص، وهو الذي يُعَد أول وأكبر كوكب ينشأ حول شمسنا، من المؤكد أنَّ تفاصيل نشأته قد أدت دورًا كبيرًا في رسم ملامح بقية مجموعتنا الشمسية.

ينبعث قدرٌ كبيرٌ من حرارة كوكب المشتري الداخلية في صورة موجات ميكروية، ونظرًا إلى أن درجة حرارة الكوكب تزداد بزيادة عمقه، فإننا نجد أن ترددات هذه الانبعاثات تكون أعلى بالقرب من سطح المشتري، بينما تنخفض كلما اقتربنا من باطنه، ومن هنا تحمل المركبة «جونو» ضمن أدواتها مقياسًا لإشعاع الموجات الميكروية، وهو جهاز مُهيَّأ لرصد انبعاثات الموجات الميكروية الصادرة عن المشتري، وقياسها عند ستة ترددات مختلفة، بحيث تكون قيمة كل تردد منها مُناظِرة لدرجة مختلفة من درجات عمق الكوكب، ويصف بولتون طريقة عمل الجهاز فيقول: "الأمر أشبه بإقحام ترمومتر  في جوف الكوكب لقياس حرارته"، ويستطيع فريق المركبة «جونو» الاستعانة بمقياس الإشعاع في صنع خرائط حرارية لطبقات الغلاف الجوي لكوكب المشتري، ومن ثَمَّ التفتيش عن وجود أي معالم دائرية قد تومئ إلى وجود دوامة، وذلك على ارتفاعات مختلفة من الغلاف الجوي للكوكب، وهكذا وصل أعضاء الفريق إلى اكتشاف مفاده أن جذور البقعة الحمراء الكبرى تمتد مسافةً تبلغ 240 كيلومترًا على الأقل تحت قمم الغيوم، مع العِلم أن هذا أقصى عمق استطاع مقياس إشعاع الموجات الميكروية أن يصل إليه ويرصده. 

ولكي يستطيع الباحثون الاستكشاف على عمقٍ أكبر من ذلك، لجأوا إلى دراسة الانحرافات في مجال جاذبية المشتري، وهي انحرافات تظهر في أثر حركة المركبة «جونو» نفسها عندما يدفعها الكوكب ويجذبها، مُحدِثًا بذلك تغييرًا طفيفًا للغاية في سرعة المركبة واتجاهها بالنسبة لكوكب الأرض، إن البيانات التي تجمعها المركبة من كوكب المشتري يجري إرسالها إلى كوكبنا عبر إشارة راديوية ذات تردد معين، بيد أن تلك الانحرافات الطفيفة التي تُحدِثها جاذبية المشتري في مدار «جونو» ستؤدي بدورها إلى تغيير تردد تلك الإشارة، أي أن قيمة التردد ستنخفض عندما تبتعد «جونو» عن كوكب الأرض، ولكنها ستعاود ارتفاعها عندما تدفع جاذبية المشتري بالمركبة فتتحرك نحو كوكبنا مجددًا، ومن هنا، فإن قياس مثل هذه التغييرات الطفيفة في أثناء تحليق «جونو» فوق البقعة الحمراء الكبرى يمنح العلماء القدرة على القياس الدقيق لكلٍّ من مجال الجاذبية المحيط بالمركبة، والعمق الذي تمتد إليه تلك الدوامة الهائلة. 

وقد كشفت البيانات الناتجة عن مراقبة الجاذبية وقياسها  أن عمق "جذور" البقعة الحمراء الكبرى الضاربة في الغلاف الجوي للمشتري لا يزيد على 500 كيلومتر من أسفل قمم سُحُب كوكب المشتري، ومع ذلك يُرجِّح بولتون أن البقعة لا تختفي فجأةً عند هذه النقطة، بل يُحتمل أن الدوامة التي تدور في جوفها تتلاشى تدريجيًّا، وإن كان التحقق من ذلك سيتطلب قياس تغييراتٍ صغيرة للغاية في التردد، وهذه التغييرات حاليًّا تُعَد أصغر من أن تستطيع المركبة «جونو» تحليلها.

ومن ناحيته، يعتقد جوناثان لونين -اختصاصي علم الكواكب في جامعة كورنيل، والباحث المشارك في بعثة «جونو»- أن اكتشاف مدى عمق جذور البقعة الحمراء الكبرى قد يكون من شأنه طرح تفسير حول طول أمد العاصفة الهوجاء التي تعتمل بداخل  تلك البقعة، ويستطرد لونين قائلًا: إن الطاقة التي تتحكم في حالة الطقس على كوكب الأرض تصدر بشكل أساسي عن عملية تكثُّف بخار الماء عند قواعد السُّحُب، وهي العملية المسؤولة عن وقوع ظواهر مثل المطر والرياح والبرق، غير أن جذور البقعة الحمراء الكبرى تمتد إلى عمق كبير أسفل قواعد سُحُب كوكب المشتري، "لذا فهي ليست مجرد ظاهرة مناخية"، وفق قوله، بل إن دورانها بالأحرى يستمد طاقةً من طبقات أخرى من الغلاف الجوي، تتسم بكونها أعمق وأكثر كثافةً من نظيرتها.

وقد رصد جهاز مقياس إشعاع الموجات الميكروية عاصفتين أُخريين إلى جانب عاصفة البقعة الحمراء الكبرى، ولكن لم يصل أيٌّ منها إلى العمق الذي وصلت إليه البقعة الحمراء الكبرى، وذلك بالرغم من أن العواصف الثلاث تشترك في أن لها جذورًا لا ينتهي طولها عند قواعد السُّحُب فحسب، وفي هذا الصدد يقول تومي كوسكينن، وهو اختصاصي في علم الكواكب بجامعة أريزونا، ولم يشارك في البعثة: "يشير هذا إلى أن الآلية المسؤولة عن حركة البقعة الحمراء الكبرى تختلف عن الآلية التي تتحرك بها الدوامات الأخرى، إلا أن عمليات سريان الطاقة التي قد تدخل في عمل مثل تلك الآلية ما زالت غير معروفة بالضبط. نظريًّا، قد يتضح الأمر أكثر بإجراء دراسات تُقارِن بين ديناميكيات الغلاف الجوي لكوكب المشتري وديناميكيات الأغلفة الجوية للكواكب العملاقة الغازية التي تدور حول نجوم أخرى، مع أنَّ تلك الأخيرة تُعَد بعيدةً جدًّا عن متناول أي بعثات استكشافٍ مباشر كبعثة «جونو»، ومن ثَمَّ، يرى كوسكينن أنه إلى أن يحين الوقت الذي سيكون فيه استكشاف تلك الكواكب متاحًا لنا، يجب علينا أن نُبدي شيئًا من القناعة بعمليات الرصد المتبحرة في عالَم كوكب المشتري، "ذاك العملاق الغازي الموجود في فِنائنا الخلفي"، على حد وصفه. 

أمَّا بخصوص مصير البقعة الحمراء الكبرى، أي ما إذا كانت ستواصل دورانها لسنوات عديدة مقبلة أم أنها ستتقلص وتتلاشى تمامًا في نهاية المطاف، فما زالت الإجابة عن هذا السؤال مستترةً خلف غيوم المشتري، على أي حال، فالوضع حتى التو واللحظة هو أن وكالة ناسا قررت مدَّ مهمة بعثة «جونو» أربعَ سنوات أخرى، ومن ثَمَّ يتطلع العلماء المشاركون في الفريق إلى المرحلة التالية من التجربة، وياداف بالأخص متحمسٌ للحصول على مزيد من البيانات من أجل استخدامها كـ"ركيزة رصدية" في تحسين النماذج التي توضح كيفية تطور ديناميكيات الغلاف الجوي لكوكب المشتري بمرور الزمن، ويقول بولتون أيضًا إنَّ مدار «جونو» الذي يتغير ببطء هو الآن على وشك محاذاة القطب الشمالي لكوكب المشتري، حيث تقبع عاصفة عملاقة أخرى بانتظار مَن يستكشفها، وفي أثناء تحليق المركبة الفضائية فوق هذه الدوامة القطبية الواقعة خارج كوكب الأرض، سيتمكن فريق البعثة من قياس مدى استقرار الدوامة، وبنيتها، وعمقها أيضًا، ما سيمنحهم نقطة بيانات أخرى يُمكن مقارنتها بالبقعة الحمراء الكبرى.

ويقول لونين: "نحن بصدد عملية استكشاف للأجزاء المجهولة من كوكب المشتري"، وهي أول فرصة سانحة لرصد آليات عمل الطقس في الأغلفة الجوية التي تحيط بالكواكب العملاقة الغازية، وتتسم بكونها عميقةً إلى حدٍّ قد تنتفي معه إمكانية الوصول إلى قاعٍ ما، ويضيف قائلًا: "من المثير أن يستطيع المرء استخدام المركبة «جونو» في استكشاف كل ذلك".