لعل أكبر أربعة أقمار تدور في فلك كوكب المشتري تتحالف معًا للحفاظ على المحيطات الكامنة تحت سطحها. كما أن تلك المحيطات ربما تدين بوجودها لموجات المدّ والجزر الهائلة تحت السطحية، الناتجة عن تفاعلات الجاذبية بين تلك الأقمار، بالرغم من أنه كان يُعتقد لفترة طويلة أنها تنشأ من الحرارة الناتجة عن قوة سحب كوكب المشتري، التي تعمل على ثني قشرة سطحها وبسطها. ويمكن أن يقدم قياس موجات المدّ والجزر هذه أفكارًا جديدة حول أعماق تلك الهاويات القمرية، وهي بيئات ربما تتيح أفضل الفرص للعثور على حياة خارج كوكب الأرض في نظامنا الشمسي.

لطالما أشارت ملحوظات رصد الأقمار الجاليليّة التي تدور في فلك كوكب المشتري -وهي "يوروبا" Europa و"كاليستو" Callisto و"جانيميد" Ganymede و"آيو" Io- إلى وجود طبقات سائلة تحت سطحها. ويُعتقد أن ثلاثة من تلك الأقمار تتمتع بغطاء غني بالمياه، في حين قد يكون لدى القمر "آيو" بدلًا من ذلك محيطٌ من الصهارة التي تحفّز نشاطه البركاني الشديد. وفي أثناء دوران الأقمار حول الكوكب، تعمل قوى سحب جاذبية الكوكب لباطنها والحرارة الناتجة عن التحلل البطيء لعناصرها المشعّة على منع تجمّد تلك المادة السائلة.

ولم يحظَ تأثير سحب الأقمار لبعضها بالاهتمام الكافي، فكلُّ الأجسام في الكون تمارس تأثير السَّحب الجاذبي بما يتناسب مع كتلتها، التي تضعف عبر المسافات. فكوكب المشتري -على سبيل المثال- يسحب كوكب الأرض، ولكنه بعيد جدًّا بحيث يكون التأثير متواضعًا. ونظرًا لصغر حجم الأقمار الجاليليّة، ساد الاعتقاد لفترة طويلة أن سحبها بعضها مسألة غير ذات أهمية أيضًا.

وعندما عمل هايميش هاي -وهو طالب دراسات عليا بجامعة أريزونا- على مشروع جانبي يتناول قوى سحب المدّ والجزر للكواكب خارج المجموعة الشمسية، بدأ يطرح مزيدًا من الأسئلة عن الطريقة التي يمكن لطبقة المحيطات أن تغيّر بها الآليات المعهودة. فقرر هاي -الذي يعمل في الوقت الحالي باحثًا في مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا NASA- أن يدرس قوى المدّ والجزر للأقمار الجاليليّة الغنية بالمحيطات.

بَيدَ أنه فوجئ باكتشافه أنه عند اصطفاف مدارات الأقمار الطبيعية بالشكل الصحيح، يمكن أن تتضخم قوى سحبها البسيطة نسبيًّا بفعل سلوك محيطاتها. وفي ظل هذه الظروف الخاصة، المعروفة باسم ظاهرة الرنين، قد تزداد تأثيرات المدّ والجزر بشكل أكبر كثيرًا، حتى تتجاوز تلك التي ينتجها كوكب المشتري الأكثر ضخامة.

ويقول ميكائيل بويته، الذي يدرس المحيطات تحت السطحية في المرصد الملكي البلجيكي: "إنه أمرٌ بالغ الإثارة للاهتمام؛ لأن التأثيرات يمكن أن تكون قوية". وقد راجع بويته دراسة هاي، ولكنه لم يشارك فيها بشكل مباشر.

أعالي البحار تتوارى تحت السطح المظلم

عندما وصلت المركبة الفضائية "فوياجر 1" Voyager 1 التابعة لوكالة ناسا الفضائية إلى كوكب المشتري في عام 1979، رصدت نفثات بركانية تتصاعد من القمر "آيو" تشير إلى وجود محيط من الصهارة المدفونة تحت سطحه. كما أظهرت ملحوظات الرصد الإضافي من المركبة "فوياجر 1" والبعثات الأخرى شقوقًا كاشفة على سطح القمر "يوروبا"، مما يبيّن أن قشرة القمر الجليدي كانت أكثر نشاطًا وحركةً من التصوّر السابق، على الأرجح بسبب المحيط الذي يكمن تحت سطحه. وفي السنوات الأخيرة، جرى العثور على مثل هذه المحيطات في العديد من العوالم الأخرى -حتى إن كوكب بلوتو الصغير البارد قد يمتلك واحدًا منها. ويبدو أن عوالم المحيطات منتشرةٌ على نطاق واسع، ويعتقد الكثير من العلماء أن القمرين "جانيميد" و"كاليستو" يُؤويان طبقاتٍ داخليةً عميقةً من المياه.

وتختلف محيطات أقمار كوكب المشتري عن تلك الموجودة على كوكبنا. ففي حين يبلغ متوسط عمق محيطات الأرض حوالي 3.7 كيلومترات -وتهوي إلى 11 كيلومترًا عند أعمق نقطة لها في خندق ماريانا- يُعتقد أن أعماق محيطات الأقمار الجاليليّة تصل إلى مئات الكيلومترات. ويمنحها هذا الترتيب ميزةً تدعم تغييرات قوى المدّ والجزر. ويقول هاي معقِّبًا: "المحيطات كثيفة القوام [أو العميقة] ... يمكنها الاستجابة بسرعة كبيرة لتأثيرات المدّ والجزر".

ويتحكم عمق المحيط في سرعة موجاته؛ لأن خزّان السائل كثيف القوام يمكن أن يتغير بسرعة أكبر من الخزان رقيق القوام. يبدو الأمر غير منطقي، لكن المحيط الضحل يجب أن يدفع المياه من منطقة أوسع لتشكيل موجة تتمتع بالارتفاع نفسه كموجة أنشأتها منطقة أصغر في عالم المحيطات العميقة.

ومن خلال الاستعانة بالرنين، الذي يكون تأثيره إلى حدٍّ ما مثل طفل يعتلي أرجوحة، يمكن لدَفعة في اللحظة المناسبة في مسار التأرجح القوسيّ -أو في الواقع، عند النقطة الصحيحة من مدار القمر- أن تعزِّز التأرجح بدرجة أكبر كثيرًا من الدَّفعة الحادثة في وقت آخر. وستتخضخض الطبقة السائلة لكل قمر، مدفوعةً بظاهرة الرنين الناتجة عن قوى سحب جيرانه الجاليليّين له، بمعدل أعلى وأسرع مما يمكن أن يحدث تحت ظروف أخرى. وستتدفق موجات المدّ الناتجة تحت سطح هذا القمر، ولكنها لن تصطدم باليابسة مطلقًا، بل ستستمر بدلًا من ذلك في جبهة موجية دائمة تمتد عبر نصف محيط القمر الطبيعي.

سيبلغ الرنين الذي يسببه كوكب المشتري أعلى مستويات فاعليته في البحار التي لا يزيد عمقها على بضع مئات من الأمتار، وهو افتراض غير واقعي بالنسبة للمحيطات الجاليليّة. ومع ذلك، تستطيع الأقمار أن تحفّز ظاهرة الرنين في محيطات أعمق في أثناء دورانها في مداراتها، مما يجعل الموجات الناتجة أكثر عرضةً للجَيَشان إلى ارتفاع أعلى من تلك التي يسببها الكوكب نفسه.

وفقًا للباحث هاي، ينبغي أن يتجلى سحب المدّ الداخلي بأقوى صوره بالقرب من خط الاستواء لكل قمر جاليليّ، مما قد يسمح للمياه أو الصهارة بالاندفاع بسهولة أكبر هناك. وبالتالي، يمكن أن تكون أعلى مستويات النشاط الجيولوجي عند خطوط الاستواء إشارةً ممكنةً إلى موجات المدّ والجزر القوية التي يسببها أحد الأقمار على قمر آخر. وتدعم بالفعل ملحوظات الرصد هذا السيناريو مبدئيًّا، على الرغم من وجود الكثير من التفسيرات المحتملة الأخرى لتحسينات واضحة فيما يخص صعود مياه القاع إلى السطح عند خط الاستواء. ويبدو أن كثيرًا من النشاط البركاني للقمر "آيو" يحدث بالقرب من خط استواء القمر بدلًا من أقطابه، ولكن الباحث هاي يحذّرنا من أن ذلك المظهر قد يكون نتيجةً لتحيُّز الرصد؛ إذ تم تصوير المنطقة الاستوائية بوتيرة أكبر من القطبين. إن بعثة "جونو" Juno التابعة لوكالة ناسا الفضائية في طور تغيير هذا القصور، وينبغي أن توفّر مزيدًا من الأفكار الجديدة حول المناطق القطبية على القمر "آيو". ومن المتوقع أن تساعد هذه المعلومات في تحديد التواتر الحقيقي للبراكين وتوزيعها على القمر. ويبدو أيضًا أن القمر "يوروبا" يحتوي "تضاريس فوضوية" مختلطة بشكل خاص بالقرب من خط استوائه، يمكن أن يكون سببها المواد التي تعرضت للضغط إلى سطحه بفعل المدّ والجزر.

الغوص في الأعماق

ومع ذلك، ينبغي أن تكون القياسات النهائية لقوة موجات المدّ والجزر لأي قمر من الأقمار الجاليليّة مباشرةً، إذ إنه فوق الأمواج، ترتفع قشرة سطح القمر وتنخفض بعدة أمتار أيضًا، تمامًا مثل سطح السفينة المبحرة في بحر هائج. ويمكن أن تسمح هذه الحركة للمركبات الفضائية -مثل مستكشف الأقمار الجليدية لكوكب المشترى "جويس" JUICE التابع لوكالة الفضاء الأوروبية- بقياس الزيادات التي تسببها موجات المد والجزر المتأثرة بظاهرة الرنين.

ومع اقتراب نهاية مهمته التي ستستمر لسنوات في نظام كوكب المشتري، والتي من المقرر أن تبدأ في أواخر عام 2029، سيدور المستكشف "جويس" حول القمر "جانيميد" على أمل تحديد ما إذا كان القمر يحتوي على محيط سائل أم لا. ويخطط علماء البعثة بالفعل لقياس نسب مطال موجات المدّ والجزر في القمر "جانيميد" باستخدام أداتين من أدوات المركبة الفضائية، وهما "ثري جي إم" 3GM و"جالا" GALA. ويقول لوتشانو آيس، الباحث الرئيسي للأداة "ثري جي إم" والذي لم يشارك في دراسة هاي: "إذا كانت هناك موجات مدّ وجزر ديناميكية بسبب ظاهرة الرنين، فإن الإشارة الناتجة عن موجات المدّ والجزر القمرية ستكون أكثر قابليةً للاكتشاف". ويقول هوك هاسمان، الباحث الرئيسي للأداة "جالا" والذي لم يشارك أيضًا في الدراسة، إن أداته ينبغي أن تكون قادرةً على اكتشاف التغييرات التي تسببها الأقمار.

قد لا تتمكن مركبة الفضاء "يوروبا كليبر" Europa Clipper التابعة لوكالة ناسا، وهي بعثة أخرى مقررة لدراسة أقمار المشتري الجليدية، من مطابقة قياسات المستكشف "جويس". فوفق جريجور شتاينبروج -عضو فريق كليبر والجيوفيزيائي بجامعة ستانفورد- سيكون الرادار المخترق للجليد المزوّدة به المركبة الفضائية قادرًا على قياس تشوّهات المدّ والجزر الكبيرة التي يسببها كوكب المشتري، ولكنه سيجد صعوبةً في الكشف عن التأثيرات الأكثر دقةً والأسرع زوالًا لموجات المدّ والجزر الداخلية للقمر.

وإذا ما تمكنت إحدى البعثتين من قياس ارتفاع قشرة سطح أحد الأقمار الجاليليّة وانخفاضها بشكل صحيح، يمكن أن تساعد هذه البيانات في تحديد أعماق محيط ذلك القمر. ونظرًا لتغيُّر الرنين وفق كثافة قوام المحيط، فإن تواتر الموجات سيعطي تقديرًا تقريبيًّا. ويقول هاي إن قشرة سطح القمر التي تصل إلى قمة ارتفاعها بمعدل 20 مرة يوميًّا بتوقيت القمر "يوروبا" سيكون تحتها محيطٌ أخف قوامًا -على سبيل المثال- من القشرة التي ترتفع بمعدل 21 مرة يوميًّا.

ومن خلال استقصاء كمية مهمَلة غالبًا في دراسة الأقمار الجاليليّة، قدّم بحث هاي طريقةً جديدةً لتفحصُّها. ويقول بويته: "علينا أن نأخذ هذا في الحسبان، وأن نفعل شيئًا حياله"، مشيرًا إلى أن ذلك "يمكن أن يكون عاملاً مهمًّا" في فهم هذه الأقمار.