وصل الدبور الآسيوي العملاق Vespa mandarinia إلى أمريكا الشمالية، وقد ظهرت خلال الأيام القليلة الماضية، صورٌ ومقاطع فيديو تُبين مدى الشراسة التي هاجمت بها هذه الحشرة نحل العسل في مناطق أخرى من العالم، فهي تزحف إلى داخل خلايا النحل وتقطع رؤوس النحل بأعداد كبيرة. لذا، فإن لقب "الدبور القاتل" الذي أُطلق على هذه الحشرة نظرًا لخطورتها البالغة يُعد ملائمًا إلى حدٍّ يثير الانزعاج. هبَّت الهيئات الحكومية ومربُّو النحل المحليون في الولايات المتحدة للعمل أملًا في القضاء على الدبور الذي شُوهد حتى الآن في ولاية واشنطن وجزيرة فانكوفر المجاورة فقط، وذلك قبل أن يتمكن من تعزيز وجوده في أنحاء القارة. وربما يكمن نجاح هذه الجهود في الكيفية التي يحدث بها التفاعل بين المُفترس وفريسته في البيئات الطبيعية.

يُعد الدبور الآسيوي العملاق أكبر أنواع الدبابير حجمًا على مستوى العالم، فقد تنمو الشغَّالات ليصل طول الواحدة منها إلى نحو أربعة سنتيمترات (بوصة ونصف البوصة)، وتمتلك الحشرة أجزاء فم كبيرة مجهزة للعضِّ تُمكِّنها من بتر رؤوس فرائسها. وعادةً ما تصطاد الدبابير كأفراد، غير أن شغّالات الدبابير الآسيوية العملاقة قد يتحدن معًا في الفترة ما بين أواخر فصل الصيف وفصل الخريف لشنِّ هجمات جماعية على أعشاش الحشرات الاجتماعية الأخرى ولا سيما النحل. بل إن هذا السلوك يحمل اسمًا هو: مرحلة الذبح والاستيطان. يُوفِّر مُربُّو النحل الأمريكيون أعدادًا من نحل العسل تصل إلى ملياراتٍ كل عام، وذلك للإسهام في تلقيح ما لا يقل عن 90 محصولًا زراعيًّا، وينتابهم القلق من أن يؤدي هذا المُغير الجديد إلى تفاقم هذه الخسائر الفادحة أصلًا في المجموعات المهمة من المُلقِّحات.

الموطن الأصلي لهذا النوع من الدبابير هو قارة آسيا؛ إذ يسكُن في مناطق تمتد من اليابان وروسيا نزولًا إلى ميانمار (بورما سابقًا) وتايلاند. كانت الحالة الأولى المؤكدة عينة ميتة منه شُوهدت في ولاية واشنطن في ديسمبر الماضي، غير أنه في السابق كانت عدة دبابير من هذا النوع قد شوهدت في جزيرة فانكوفر في مقاطعة بريتيش كولومبيا في أواخر صيف وخريف عام 2019. لا أحد يعلم إلى الآن ما إذا كان هذا النوع من الدبابير يتخذ ساحل أمريكا الشمالية في الشمال الغربي للمحيط الهادي مُستقرًّا له أم أنه سينتشر من هناك. وإذا حدث وتقدَّم بالفعل، فإن ذلك قد يُثير المتاعب.

جلب المستعمرون الأوائل نحل العسل الغربي الشهير Apis mellifera إلى أمريكا الشمالية من أوروبا. ووفق التقديرات، يُسهم هذا النوع من النحل بنحو 15 مليار دولار كل عام في اقتصاد الولايات المتحدة بفضل ما يؤديه من خدمات تلقيح تفوق كثيرًا الأنواع الأخرى من النحل المُستأنس. وتُعَد آسيا موطنًا لحفنة من أنواع نحل العسل الأخرى، تتضمن نحل العسل الشرقي Apis cerana الذي يُعرف أيضًا باسم نحل العسل الآسيوي. يُستأنس نحل العسل الشرقي بغرض التلقيح جنبًا إلى جنب مع نحل العسل الغربي. ويبدو أن النوع الآسيوي لديه دفاعات أقوى بكثير في مواجهة جهود الدبور الآسيوي العملاق في الذبح والاستيطان.

جميع الأفراد العاملين من الدبور الآسيوي العملاق من الإناث. وبعد أن تعثُر إحدى الشغَّالات على هدف محتمل من مستعمرات النحل، تضع علامة فيرومونية عليها تعطي رسالةً مفادها: "هلموا إلى هنا يا أخواتي لمساعدتي في الفوز بالأشياء الجيدة". عندما توضع هذه الرائحة على إحدى خلايا نحل العسل الآسيوي، يتخذ النحل وضع الاستعداد في الداخل لمواجهة العدو. وإذا دخل أحد الدبابير العش، يُحيط به نحو 400 نحلة من الشغَّالات مشكِّلةً كرةً من الحشرات الطنانة. يهز النحل عضلات أجنحته، رافعًا بذلك درجة الحرارة إلى 45,9 درجة مئوية، كما ترتفع نسب ثاني أكسيد الكربون أيضًا داخل تلك الكرة. يتحمل النحل هذه الظروف القاسية، أما الدبور فتُهلِكه. إلا أنه إذا استجاب عددٌ كافٍ من الدبابير إلى النداء الموجه عبر الفيرومون، فيُمكنها حينئذٍ التغلُّب على دفاعات النحل. وعندما تفرغ الدبابير من مهمتها، يصبح لديها بنكٌ للطعام يتكون من نحلٍ صغير غير ناضج لا يزال داخل خلاياه الشمعية الصغيرة، مما يوفر مصدرًا ممتازًا للبروتين تتغذى عليه يرقات الدبابير الصغيرة.

وعلى النقيض من أقربائه الآسيويين، لا يستجيب نحل العسل الأوروبي لمؤشر الرائحة، كما أنه لا يُشكِّل كراتٍ من النحل، ومن ثم يصبح تحت رحمة الدبور الآسيوي العملاق ما لم يتدخل الإنسان. فمن الممكن أن يُنقذ مُربُّو النحل الموقف عن طريق تركيب فخاخ دخولٍ فوق مداخل خلايا النحل المُستأنس التي تكون فيها فتحات كبيرة تسمح فقط بمرور أفراد النحل بينما لا تسمح بمرور الدبابير. كما يمكن لمُربِّي النحل تركيب مصائد مزودة بطُعم لاستدراج الدبابير وقتلها. يقول جيف بِتيس، مشرف الأبحاث السابق بمختبر النحل التابع لوزارة الزراعة الأمريكية في بِلتسفيل بولاية ميريلاند: "يستخدم مُربُّو النحل في آسيا فخاخ الدخول. وإضافةً إلى ذلك، تكون العمالة في الأغلب رخيصة التكلفة، لذا يستخدم البعض وسائل ميكانيكية -في واقع الأمر، هم يستخدمون مضارب للتنس في معظم الأحيان- لضرب الدبابير الكبيرة وهي قادمة نحو خلايا النحل".

إحدى الوسائل الدفاعية الأمريكية المحتملة التي لا تتوافر في الوقت الحالي هي زيادة التنوع الجيني لنحل العسل المُستأنس. يعيش ما لا يقل عن 29 نوعًا من الأنواع الفرعية من نحل العسل في بيئته الطبيعية في أوراسيا وشمال أفريقيا. وينحدر معظم النحل الأمريكي من النوع الإيطالي الفرعي الذي يشتهر بلطفه وبقدرته على إنتاج العسل -وللأسف بعدم مقاومته لبعض المشكلات الشائعة التي تواجه نحل العسل. يقول براندون كينجزلي هوبكنز بجامعة ولاية واشنطن: إن مشكلات كتلك المتعلقة بالدبور الآسيوي العملاق تُبين لماذا يتعين على الدول أن تحافظ على التنوع الجيني لنحل العسل الأوروبي؛ إذ إن بعض الأنواع الفرعية لها القدرة على تشكيل كرات النحل.

إذا استقر المقام بالدبور الآسيوي العملاق في الولايات المتحدة، فإن ذلك سوف يُمثِّل مصدر ضغط جديدًا بالنسبة إلى المجموعات المهمة من نحل العسل الأوروبي في الوقت الذي يواجه فيه بالفعل طائفة من المشكلات: الطفيليات كعثة الفاروا التي تمتص ما يعادل كبد النحل، وما يزيد على 20 نوعًا من الأمراض الفيروسية وغيرها، فضلًا عن احتواء الطعام الذي يتغذى عليه النحل على مبيدات الآفات. وقد تعرَّض مربُّو النحل لخسائر سنوية في خلايا النحل تتراوح بين 29% و45% منذ عام 2012. ويُذكِّرنا الدبور الآسيوي العملاق أيضًا بأن هناك كائنًا مفترسًا أكثر إثارةً للقلق يقبع في آسيا وهو عثة الحَلَم الآسيوي Tropilaelaps التي تعيش في خلية النحل وتقتل بعض يرقاته وتُضعف أو تُشوِّه أفراد النحل الآخرين الذي يصلون إلى مرحلة البلوغ. وفي آسيا حيث يوجد كلا نوعي العثة، الفاروا والحَلَم الآسيوي، يُخشى من الأخيرة أكثر من الأولى. ولم تصل العثة إلى أمريكا الشمالية بعد. تقول دانيال داوني، المديرة التنفيذية لمشروع «أبيس إم» Apis mغير الهادف للربح: "تُشكِّل عثة الحَلَم الآسيوي خطرًا أكبر بكثير [من الدبور الآسيوي العملاق]، ويرجع ذلك في جزء منه إلى أنه يكون من الأصعب إبقاؤها خارج العش". ويتفق بتيس معها في الرأي.

يأمل مُربُّو النحل والمسؤولون الحكوميون في القضاء على الدبور الآسيوي العملاق قبل أن يُرسِّخ وجوده، فلا يوجد إنسان لديه الرغبة في التعامل معه أيضًا. إذا عقدنا مقارنةً، على أساس ملليجرام مقابل ملليجرام، نجد أن سُم الدبور أقل سُمِّيَّةً من السُّم الذي ينتجه نحل العسل، غير أن الدبور أكبر حجمًا بكثير، ومن ثم فإنه يُفرز جرعةً أكبر -ويمكنه أن يلدغ مرةً بعد أخرى. يصف الأشخاص الذين تعرَّضوا للدغة هذا الدبور التجربة بأنها أشبه بتعرُّض المرء للطعن بدبوس معدني ساخن. ويكون حجم الإبرة (أو الزُّبانى) كبيرًا بحيث يمكنها اختراق معدات الوقاية التي يرتديها مُربُّو النحل عادةً. تزعم مقالة حديثة نشرتها صحيفة «ذا نيويورك تايمز» The New York Times أن ما يصل إلى 50 شخصًا يلقون حتفهم سنويًّا في اليابان بسبب تعرُّضهم للدغات الدبور الآسيوي العملاق. يكمن مفتاح الحل في العثور على الأعشاش -التي تُبنى في الغالب تحت الأرض- وتدميرها.

وحتى مع افتراض أن الخبراء سيتمكنون من إيجاد وسيلة لحماية نحل العسل ومُربّي النحل، فإنه إذا لم يُقضَ على الدبور الآسيوي العملاق، سيصبح نحل العسل البري والحشرات الاجتماعية الأخرى -كالنحلة الطنانة التي لا تتمتع بأي آليات دفاعية- بمفردهم في مواجهة كائن مفترس جديد شديد الشراسة. تقول سو كوبي، الباحثة ومربية النحل في ولاية واشنطن: "سيكون الأمر بشعًا".