يواجه أولياء الأمور الأمريكيون هذا الشتاء قائمةً من الأعباء الناتجة عن الجائحة تُعَد هي الأطول والأشد فوضويةً على الإطلاق؛ فالمزيد من الأطفال قد أصيبوا بفيروس كورونا المستجد، أو فيروس «سارس-كوف-2» وفق اسمه العلمي، وذلك بالرغم من تدابير السلامة الصارمة التي جرى اتباعها، وقعت أيضًا حالات تفشٍّ في المدارس ورياض الأطفال التي يعاني موظفوها من الإرهاق في ظل الضغوط الراهنة، في حين وجد كثيرٌ منهم أنفسهم مرغمين على العودة إلى العمل بنظام التعلم عن بُعد الذي لا يستسيغونه، وعلاوةً على كل ما سبق، لم يصدر بعدُ قرار يُصرِّح لأغلب الأطفال دون سن الثانية عشرة بتلقِّي الجرعات المعززة من لقاحات «كوفيد»، وما زال تلقيح الأطفال دون سن الخامسة غير مسموح به، أضِف إلى ذلك أنه من الصعب -إن لم يكن من المستحيل- الحصول على الاختبارات المنزلية اللازمة للكشف عن فيروس كورونا، كما أن النتائج المعملية لاختبارات «تفاعل البلمرة المتسلسل» (PCR) غالبًا ما تتأخر بشدة.

والمحصلة النهائية لكل ما سبق هو أن كثيرًا من أولياء الأمور، الذين أثقلت الأعباء كواهلهم بالفعل على مدار 22 شهرًا مضت، إن لم يكن أكثر، ينتابهم اليوم شعورٌ بأن حياتهم تخرج عن نطاق السيطرة، وهو الشعور الذي تدعمه نتائج توصلت إليها دراسة استقصائية جديدة؛ إذ تشير بيانات أولية إلى أن معدل الإجهاد النفسي الذي يعاني منه أولياء الأمور في الولايات المتحدة حاليًّا يُعَدُّ مماثلًا للمعدل الذي جرى رصده في مارس 2020، عندما تسبَّب فيروس كورونا في فرض الإغلاق العام لأول مرة.

وفي هذا الصدد تقول جيسيكا كالاركو، أخصائية علم الاجتماع بجامعة إنديانا بلومينجتون، التي جمعت معلومات من أولياء الأمور بشأن تجاربهم على مدار الجائحة: "يتلقى أولياء الأمور الضربات من جميع الجهات، ولا يملكون في كثير من الحالات فرصةً لالتقاط أنفاسهم"، مضيفًة أن "الظروف التي شهدناها في المراحل الأولى من الجائحة لم تتغير إلَّا من سيئ إلى أسوأ"، وذلك وفقًا لما توصلت إليه عبر المقارنة بين البيانات الاستقصائية التي جمعتها في ديسمبر 2020 والبيانات الجديدة التي بدأت في جمعها في ديسمبر 2021.

أبلغ 70% من الأمهات و54% من الآباء عن شعورهم بالارتباك الناجم عن كثرة الأعباء خلال الأسبوعين الماضيين، وذلك حسبما تشير آخر النتائج التي توصلت إليها كالاركو، وهي النتائج المستمدة من دراسة استقصائية محلية إلكترونية ما زالت مستمرة، ويشارك فيها ما يزيد على 2000 من أولياء الأمور الأمريكيين الذين جرى اختيارهم عشوائيًّا وتقل أعمار أبنائهم عن 18 عامًا.

ومن المرجح أن الإجهاد النفسي الذي تنِمُّ عنه هذه النتائج هو أمرٌ يُعزى إلى دخول موجة «أوميكرون»، وهي موجة «كوفيد» التي تسببت الأسبوع الماضي في تعطيل ما يقرب من 6300 مدرسة أمريكية، وفقًا للمخططات البيانية الصادرة عن شركة «بربيو» Burbio ضمن برنامجها لتتبُّع سير الدراسة بالمدارس، كما نجم عنها أكثر من 580 ألف حالة إصابة بـ«كوفيد» بين الأطفال، كان قد جرى الإبلاغ عنها مؤخرًا في الفترة بين 30 ديسمبر 2021 و6 يناير 2022، في زيادةٍ بلَغَت ثلاثة أضعاف الأرقام المسجلة قبل هذه الفترة بأسبوعين.

غير أن إحدى المشكلات الرئيسية هنا تكمن في أن الحكومات والمدارس لا تستجيب لهذه الموجة بما يتناسب مع حجم ما يعانيه أولياء الأمور من إجهاد نفسي وخوف، على حد قول كالاركو، التي تستطرد موضِّحةً أن ثمة "هوة عميقة" بين التوجُّه الذي يدعو إلى "سير الأمور على منوالها المعتاد" ويتبناه كثير من صانعي السياسات والمدارس وأصحاب الأعمال من جهة، ومخاوف أولياء الأمور وتجاربهم من جهة أخرى، وهذه الهوة "تُسهم في التوتر البالغ الذي يعيشه كثيرٌ من أولياء الأمور في وقتنا الحالي"، جدير بالذكر أن كالاركو حرصت على نشر نتائج عملها بصورة دورية عبر موقعها الإلكتروني ومواقع أخرى مخصصة لنشر الطبعات الأولية من الأوراق البحثية، وتشير إلى أنها عاكفة حاليًّا على إعداد هذه النتائج للنشر في الدوريات العلمية الخاضعة لمراجعة الأقران.

وليست كالاركو الوحيدة التي ترى مشكلةً في الاستجابة الرسمية لموجة «أوميكرون»؛ إذ يتفق معها في هذا الرأي أيضًا روبرت كوتو جونيور، الباحث والمحاضر في مجال التعليم في كلية ترينيتي في هارتفورد بولاية كونيتيكت، الذي تناول بالدراسة هو الآخر آثار الجائحة على أولياء الأمور، تضمنت الاستجابة الحكومية لهذه الجائحة حتى الآن تحركات كان أهمها توزيع اختبارات الكشف عن «كوفيد» والكمامات بالمجان من خلال المراكز المجتمعية المحلية أو المدارس (علمًا بأن نصيب الأسرة الواحدة من ذلك غالبًا ما يقتصر على بضعة اختبارات وكمامات فحسب، وأحيانًا ما يكون حصول الأسرة عليها مرهونًا باستيفاء شروط معينة)، ولكن كوتو يصف الاستجابة التي تُصدِّرها هذه التدابير بأنها "استجابةٌ ضعيفة المستوى للغاية"، وقد أعلن الرئيس جو بايدن الأسبوع الماضي أن الحكومة الفيدرالية بصدد شراء مليار اختبار منزلي للكشف عن «كوفيد» (وهو ما يزيد عن العدد المُعلَن عنه مسبقًا في ديسمبر الماضي بمقدار 500 مليون اختبار)، مُنوهًا بأنه يمكن للأمريكيين طلب الحصول على هذه الاختبارات الآن عبر موقع إلكتروني حكومي.

ومع ذلك، لم ينجح كثير من الأمريكيين ممن كانوا في حاجة ماسة إلى هذه الاختبارات في الحصول عليها بعد، الأمر الذي خلق مشكلةً تؤرِّق أولياء الأمور الذين كثيرًا ما يحتاجون إلى تقديم نتائج سلبية للمدارس قبل إرسال أطفالهم إليها مرةً أخرى عقب العطلات، أو بعد التعرُّض لفيروس كورونا، أو الخروج من فترات الحجر الصحي، أو الإصابة بأي نوع آخر من الأمراض، تقول ناتالي جوت -وهي أم لثلاثة أبناء، وتقيم في بلدية مون تاونشيب بولاية بنسلفانيا- إنها لمّا بدأت تعاني من أعراض «كوفيد» في التاسع والعشرين من ديسمبر عام 2021، توجَّه زوجها في الساعة السادسة والنصف صباحًا إلى متاجر «وولمارت» Walmart و«ولجرينز» Walgreens و«رايت آيد» Rite Aid المجاورة لهم، بحثًا عن اختبار منزلي سريع، لكنه عاد خالي الوفاض، وعندما بحثت جوت على شبكة الإنترنت عن مواعيد لإجراء الاختبار المعملي للكشف عن «كوفيد»، لم تجد موعدًا متاحًا قبل الأسبوع التالي، وتُعلِّق جوت على ذلك قائلة: "بالتأكيد كنت في حاجة وقتها إلى معرفة ما إذا كنا سنضطر إلى الخضوع للحجر الصحي قبل بدء الدراسة مجددًا"، عثرت جوت في نهاية المطاف على إحدى عيادات الرعاية الطارئة التي تُجري الاختبار المعملي، وأمضت ساعتين في طابور الانتظار إلى أن أتت نتائجها إيجابية، مؤكِّدةً الإصابة، قاد زوجها سيارته بعدها 30 ميلًا إلى أوهايو، بحثًا عن اختبارات سريعة لباقي الأسرة.

وبالمِثل، تروي لورين فاجا، التي تعيش في بلدة نيدهام بولاية ماساتشوستس، أنها انتظرت سبع ساعات ونصف في طابور انتظار السيارات برفقة طفلها ذي السنوات الأربع لإخضاعه لاختبار معملي عقب تعرُّضه لفيروس كورونا في روضة الأطفال، وعندما وصلا أخيرًا إلى مقدمة الطابور أخبرها القائمون على مركز الاختبارات أن الاختبارات قد نفدت، مما اضطرها إلى معاودة أدراجها.

تجدر الإشارة هنا إلى أن ما تتبنَّاه المدارس من سياسات واشتراطات للسلامة في ظل «كوفيد» يجعل من نقص الاختبارات تحديًا شاقًّا، وقد واجهت إلين هابر هذا التحدي في أثناء قضاء عطلة مع أسرتها، عندما تلقَّت من مدرسة ابنتها الابتدائية في لوس أنجلوس بريدًا إلكترونيًّا تعلن فيه عن ضرورة تقدُّم الطلاب بنتيجة سلبية لاختبار «كوفيد» المعملي قبل العودة إلى المدرسة في الأسبوع التالي، تقول هابر إنها أمضت أسبوعًا في بحث محموم عن موعد لإجراء الاختبار، وهو ما نجحت فيه أخيرًا قبل بدء الدراسة بساعات فقط.

وتلجأ بعض الأسر حاليًّا إلى الخروج بأساليب مبتكرة تمكِّنهم من الحصول على اختبارات «كوفيد»، يقول براد إم. جريفين، وهو أبٌ لثلاثة أبناء ويعيش في باسادينا بولاية كاليفورنيا، راويًا تجربته: "ما كان مني إلا أن أضفت الموعد الأسبوعي لتجديد مخزون الاختبارات لدى صيدلية «سي في إس» CVS إلى مفكرتي، لكي أضمن حصول أسرتي على الاختبارين المتاحين قبل نفاد كمية الاختبارات"، أمّا مجموعات فيسبوك المحلية التي دُشِّنت الشتاء الماضي لمساعدة الجميع في إيجاد مواعيد لتلقي اللقاح، فقد تطورت منذ ذلك الحين لتصبح مواقع للبحث عن الاختبارات؛ حيث يتبادل أعضاؤها –وكثيرٌ منهم من أولياء الأمور– النصائح حول الأمر، تضم إحدى هذه المجموعات، ومقرها في بيتسبرج، ما يقرب من 38 ألف عضو، وظهر عبر صفحتها أكثر من 400 منشور على مدار الشهر الماضي.

وتُعلِّق هينا طالب، طبيبة الأطفال بمستشفى الأطفال في مركز مونتيفيوري الطبي الكائن في حي برونكس بمدينة نيويورك، على هذا الوضع قائلة: "إنه لأمرٌ مؤسفٌ أن نسمع أن أولياء الأمور لا يمكنهم الحصول على اختبارات منزلية لأطفالهم رغم الجهود المُضنية المبذولة في تتبُّع مواعيد تجديد مخزون الاختبارات لدى الصيدليات وعلى المواقع الإلكترونية، يشعر كثيرٌ من أولياء الأمور الذين أتحدث معهم باليأس، وهذا أمرٌ غير مقبول".

وتنوِّه جيما زامارو -عالِمة الاقتصاد في جامعة أركنساس- بأن العثور على الاختبارات وشراءها يتطلب موارد مادية، لذا فإن الأسر التي تحصل على هذه الاختبارات غالبًا ما تكون من أصحاب المزايا الاجتماعية والاقتصادية الأكبر، وثمة طبعة أولية ظهرت في ديسمبر 2020 من دراسة لم تخضع بعدُ لمراجعة الأقران، ولكنها تناولت هذه القضية بالبحث؛ إذ أجرى القائمون على الدراسة مسحًا شارك فيه 316 أمريكيًّا، كانوا جزءًا من عينة عشوائية تمثيلية أُخِذَت من ولايات فلوريدا وإلينوي وماريلاند، وقالوا إنهم احتاجوا إلى البحث عن اختبار الكشف عن «كوفيد-19» خلال الأسبوعين الماضيين، وأفاد القائمون على الدراسة بأن احتمالات نجاح أصحاب البشرة السوداء، من بين من شملتهم العينة، في الحصول على الاختبارات كانت أقل بكثير من احتمالات نجاح غيرهم في الحصول عليها.

وبالنسبة لمَن ينجحون في إجراء الاختبار المعملي، فإنهم أحيانًا ما ينتظرون وقتًا طويلًا إلى أن تظهر النتائج، تقول هيذر أوستيرمن-ديفيس، وهي أم لطفلين، إنها خضعت لاختبار معملي في الرابع والعشرين من ديسمبر 2021 في أحد مراكز الاختبار التابعة لشركة «لابورك» Labworq في مدينة نيويورك، وهو المركز الذي كان قد وعد بتسليم النتائج سريعًا، لكن أوستيرمن-ديفيس تقول إن نتيجتها السلبية ظهرت بعد أسبوعين، وهو ما جعل الاختبار عديم الجدوى، وتفيد التقارير بأن شكوى أوستيرمن-ديفيس ليست الوحيدة من نوعها؛ ففي الثاني والعشرين من ديسمبر، أصدرت ليتيسيا جيمس -النائب العام لولاية نيويورك- تحذيرًا لمؤسسة «لابورك» لتكرار تأخُّرها في تسليم النتائج عن فترة الأربع والعشرين ساعة المُعلَن عنها من جانب الشركة حينها، يؤكد موقع الشركة الإلكتروني حاليًّا أن فترة الانتظار تتراوح بين يومين وخمسة أيام، وتجدر الإشارة هنا إلى أن «لابورك» لم ترُد على طلب إبداء التعليق الذي تقدمت به «ساينتفك أمريكان» حتى تاريخ نشر هذا المقال.

وتُعَدُّ الحاجة إلى إجراء الاختبارات واحدة من المشكلات العديدة التي تمثل عبئًا على الأسر في الوقت الحالي، غير أن حالة الغضب والسخط الأسري التي تعتمل في النفوس نتيجةً لذلك قادرة على أن تتخلل نسيج الحياة اليومية مهما طال كتمانها، وبالفعل، يعاني كثيرٌ من الأسر في الوقت الراهن من تكرار الخلافات وتفاقُم التوترات داخل المنزل؛ إذ كشف استطلاع الرأي المتواصل الذي تُجريه كالاركو عن أن 42% من الأمهات و35% من الآباء يقولون إنهم شعروا بالإحباط في التعامل مع شركاء حياتهم على مدار الأسبوعين الماضيين، كما يشكو نصف هؤلاء الشركاء –ونسبة الأمهات منهم تزيد قليلًا على نسبة الآباء– من أعراض القلق والاكتئاب، فضلًا عن أن نسبة مَن أفاد منهم بأنه يحصل على قسط من النوم يمنحه ما يحتاج إليه من الراحة لم تتخطَّ 15% من الأمهات و25% من الآباء.

وفي هذا الصدد، تقول كالاركو: "إن البيانات الأولية المتاحة حتى الآن تُسلِّط الضوء على اتجاهات صادمة ومقلقة فيما يتعلق بأنماط نوم أولياء الأمور وصحتهم النفسية وعلاقاتهم معًا، إن حالة عدم اليقين والضبابية فيما يتعلق بأوضاع الجائحة الراهنة وشدتها تُخلِّف خسائر حقيقية وفادحة لكثير من أولياء الأمور، ولا سيما الأمهات".

وتتردد أصداء هذا الجانب من نتائج كالاركو في النتائج التي توصلت إليها زامارو؛ إذ أظهر بحث زامارو أن الأمهات يحملن القسط الأكبر من رعاية الأطفال خلال الجائحة، وهو وضع كان ساريًا حتى في الأسر المكونة من والدين كلاهما يعمل، وفي بحث لم يُنشَر بعد، وجدت زامارو وزملاؤها أن 47% من الأمهات العاملات تحدثن عن وقوع الجزء الأكبر من المسؤولية على عاتقهن خلال خريف 2020 فيما يخص رعاية الأطفال ومساعدتهم في الأعمال المدرسية، بينما لم يقُل سوى 9% فقط من الآباء إنهم تحملوا هذه المسؤولية.

ويعني هذا العبء غير المتكافئ أن الأمهات هُنَّ على الأرجح الأشد قلقًا بشأن ما هو آتٍ؛ لكونهن الطرف الذي يتوقع منه المجتمع الاضطلاع بدور مقدم الرعاية الرئيسي في حال مرض الطفل، أو التخلف عن تقديم أحد الاختبارات المطلوبة، أو انتقال المدرسة إلى التعليم عن بُعد، وتُعلِّق زامارو على هذا الأمر قائلة: "يراودك خاطر يقول إننا ’سوف نحتاج في أي لحظة إلى إيجاد طريقة للتعامل مع الموقف [إذا طرأ أحد الظروف المذكورة سلفًا]‘، ومع ذلك، ترسل أبناءك إلى المدرسة قائلًا لنفسك: ’حسنًا، لندعهم يذهبون إلى المدرسة اليوم، ثم نرى ما سيحدث بعد ذلك‘، وفي ظل كل ذلك، تبذل قصارى جهدك في محاولة حمايتهم".