بصفتي أستاذًا جامعيًّا، يُشرفني تقديم النصائح للشابات والشباب وهم يتخذون قراراتهم بشأن اختيار المواد الدراسية، والمجالات الرئيسية للدراسة، واتجاهاتهم في الحياة. ومثل العديد من طلاب الجامعات في جميع أنحاء البلاد، يبحث الكثير ممن يطلبون مني النصيحة عن محتوى يثير اهتمامهم، ويكون مفيدًا وذا مغزى بالنسبة لهم؛ من أجل الالتحاق بالعمل الذي يُلبِّي تطلعاتهم ويحقق أهدافهم. ويتوق الكثير منهم إلى "البحث عن شغفهم".

ظاهريًّا، تبدو تلك الأهداف جديرةً بالثناء. فبدلًا من السعي وراء السلطة، أو المكانة الاجتماعية، أو الثروة الشخصية، لدى بعض الطلاب دوافع لاكتشاف اهتماماتهم وكشف الطريق الذي يثير حماستهم ويحفزهم. فهم يريدون مهنةً تشعل حماسهم. وقد يكونون متمسكين بالقول المأثور: "افعل ما تحبه ولن تعمل يومًا في حياتك للأبد".

غير أن بحثًا حديثًا أجراه باحثون في جامعتي ييل وستانفورد، أشار إلى أن هذا النهج قد يكون خطأً. فبدلًا من السعي نحو الوظيفة الواحدة أو المسار الوظيفي الذي يشعل شغفنا، يجب أن نستثمر استثمارًا هادفًا في اهتمامات مختلفة، وأن نعمل على ترسيخ الشغف في مجال أو أكثر. وانطلاقًا من وجهة النظر تلك، تنمو الاهتمامات بالرعاية والدعم مع مرور الوقت، لا أن تُكتشف بين عشية وضحاها.

السر هنا يكمن في أسلوب التفكير. إذ يتبنى البعض منهج "العقلية الثابتة" ويبحثون عن التطابق المُقدَّر في حياتهم. ويتوقعون أن يكون هذا التطابق دائمًا، ومملوءًا بالإثارة، ومُرضيًا إلى الأبد. وقد جرى رصد العقليات الثابتة في العلاقات الغرامية وفي مستوى الذكاء.

غالبًا ما يبحث الأفراد ذوو العقليات "المصيرية" في العلاقات الغرامية عن "الشخص المختار"، ويميلون للمضي في حياتهم عند مواجهة تحديات في تلك العلاقة. أما الأفراد ذوو عقليات "الذكاء" الثابتة فيعتقدون أن الذكاء مستمد من موهبة ثابتة ولا يمكن اكتسابه أو تنميته ورعايته من خلال التجربة. وفي جميع هذه المجالات، تميل العقليات الثابتة إلى تجنُّب فكرة أن الاستكشاف والصمود يمكن أن يؤديا إلى تغيير إيجابي.

وقد تكون العقلية الثابتة بشأن الاهتمامات مُقيدةً بطريقتين: أولًا، تُشير إلى أن اهتماماتنا ومواهبنا قد تكون محدودةً أو متخصصة. وبمجرد أن نجد مسارًا يثيرنا ويحقق لنا النجاح، ربما نكبح استكشاف الاهتمامات المحتملة الأخرى أو نتخلى عنها. ثانيًا، ربما نتوقع أن تكون ملاحقة شغفنا الحقيقي أمرًا سهلًا -فعلى كل حال، هذا هو المسار الذي سيوفر لنا دافعًا وإثارةً لا نهاية لهما، وسيحقق أكبر إنجاز. بالتالي، وبدلًا من إثبات القدرة على الصمود والمثابرة في ملاحقة هذا الشغف، قد نضطر إلى الانسحاب عند مواجهة فشل أو تحدٍّ بالغ. وقد يُنظر إلى الصعوبة على أنها مؤشر أننا اتخذنا المسار الخطأ ببساطة.

على النقيض من ذلك، يعتقد الأفراد ذوو "العقلية المتنامية" أن الاهتمامات أو مواطن الشغف يمكن تطويرها أو اكتسابها من خلال التجربة والاستثمار والنضال. لا يوجد مسار واحد "صحيح" يمكن اكتشافه أو الكشف عنه، وبدلًا من ذلك، يكون للعديد من الاهتمامات المختلفة مقوِّمات الاستمرار، حتى على نحوٍ متزامن. وفي العقلية المتنامية، لا يمنع النجاح في أحد المجالات استكشاف الاهتمامات الأخرى ولا يحد من ذلك، ولا تشير الصعوبة إلى الحاجة إلى تغيير المسار.

تشير الأدلة المستمدة من خمس تجارب إلى أن العقليات تؤثر تأثيرًا كبيرًا على ما نتوقع حدوثه عند ملاحقة اهتماماتنا، وكيفية تعامُلنا مع الاحتمالات والتحديات الجديدة. في إحدى الدراسات، حدد الباحثون في البداية ما إذا كان المشاركون من ذوي العقليات الثابتة أم المتنامية بشأن الاهتمامات، مستخدمين استبانةً بسيطة.

قاست الاستبانة مدى إدراك الأفراد للاهتمامات من حيث كونها دائمة وراسخة وثابتة (عقلية ثابتة) أو طيعة ومرنة وتتميز بفاعلية مستمرة (عقلية متنامية). ثم أجاب المشاركون عن عدة أسئلة مفتوحة تتعلق بتوقعاتهم بشأن النتائج عند ملاحقتهم لأحد اهتماماتهم. بالمقارنة مع المشاركين ذوي العقلية المتنامية بشأن اهتماماتهم، كان ذوو العقلية الثابتة أكثر ميلًا لتوقُّع تحفيز لا نهائي، وأدنى قدر من النضال عند ملاحقة شغف مؤكد.

كما أظهرت المزيد من الدراسات أن العقلية تؤثر على ما هو أكثر من التوقعات، وأن العقلية تغيِّر السلوك. في أحد النماذج، قرأ المشاركون مقالتين مختلفتين، إحداهما متطابقة مع أهدافهم الشخصية وتطلعاتهم، أما الأخرى فلم تكن كذلك. وقيّم المشاركون درجة اهتماماتهم بكل مقالة، وعندما تطابق محتوى المقالة مع تطلعات المشاركين، لم يكن لوجود العقلية الثابتة مقابل العقلية المتنامية أي أهمية؛ فقد اعتبر الجميع المقالة المتطابقة جديرة بالاهتمام. أما عندما لم يتطابق محتوى المقالة مع تطلعات المشاركين، فقد أفاد ذوو العقلية الثابتة بأن اهتمامهم بالمادة كان أقل بكثير من ذوي العقلية المتنامية. بعبارة أخرى، قلصت العقلية الثابتة من الفضول حيال المواضيع التي لا تتعلق مباشرةً بالتطلع الرئيسي للفرد.

وقد أثرت العقلية على النتائج عند مواجهة التحديات. في دراسة نهائية، شاهد المشاركون في البداية مقطعًا شهيرًا لأحد الأفلام العلمية الشعبية عن الثقوب السوداء، وقَيّموا درجة اهتمامهم بالمقطع، ووجده معظمهم جذابًا. إذ عبروا عن اهتمامهم الكبير بالثقوب السوداء بعد مشاهدة الفيلم، ومن ثم قرأوا تقريرًا فنيًّا معقدًا عن الثقوب السوداء. وقيّموا كلًّا من مدى صعوبة التقرير، وإلى أي مدى وجدوه ممتعًا. ومن بين أولئك الذين وجدوا صعوبةً في قراءة التقرير الفني، أبدى ذوو العقلية الثابتة، فيما بعد، اهتمامًا أقل بكثير بالثقوب السوداء من ذوي العقلية المتنامية. وتشير هذه النتائج إلى أنه عندما يتابع الأفراد ذوو العقلية الثابتة اهتمامًا جديدًا، فمن المرجح أن يفقدوا الاهتمام بهذا الموضوع في حال أصبح أكثرَ صعوبة.

على الجانب المشرق، قد يكون للعقلية الثابتة بشأن الاهتمامات فوائدها. إذ من شأن ذلك تعزيز وحدة الهدف والرؤية، مما يحد من التشويش ويشجع على إنجاز المهمة الموكلة. وبافتراض أن الفرد سيواجه الحد الأدنى من الإحباط عند ملاحقة شغفه، ستعزِّز العقلية الثابتة من حالة الرضا لديه، وستمنعه من النظر في أي اهتمامات بديلة لا حصر لها.

ومع ذلك، من المرجح أن تُشكل العقلية الثابتة بشأن الاهتمامات خطرًا، عندما تتطلب أوجُه التقدم في مجال ما تكاملًا مع مجموعات معرفية واسعة ومتنوعة، أو عندما تكون القدرة على الصمود ضروريةً لمواجهة عوائق جديدة.

لهذه الأسباب، سيكون من الحكمة أن يسجل طلاب الجامعات في مجموعة متنوعة من المقررات الدراسية ويبحثوا عن مجموعة من فرص التعلم التجريبية، بما في ذلك تلك التي تمتد خارج دائرة الأمان خاصتهم. وبدلًا من البحث عن شغفهم الحقيقي الوحيد، يجب أن يفهموا أن الاهتمامات، والخبرة، وحتى الشغف نفسه، يمكن اكتسابها من خلال التجربة والمثابرة والعمل الجاد.