ظهرت حديثًا مزاعمُ تُفيد بأن جزيء الفوسفين رُصد في طبقات السُّحب في دوائر العرض المتوسطة لكوكب الزهرة، وقد أعادت هذه المزاعم فكرة البصمات البيولوجية الكيميائية مجددًا إلى صدارة الاهتمام في ظل جهودنا الرامية إلى العثور على دلائل لوجود حياة في أماكن أخرى من الكون. ووفقًا لهذا الرأي، فإنه من غير المتوقع على وجه العموم أن يُنتَج الفوسفين، أو يستمر في البقاء مدةً طويلة في البيئة الكيميائية المُنتفية الحياة (غير الحية) المتوقع وجودها في هذا الجزء من بيئة كوكب الزهرة. لكن يرتبط الفوسفين، على كوكب الأرض، بالمادة العضوية (فكر في غاز المستنقعات أو المجارير)، ويمكن الاعتقاد بأنه يمثل أحد الجزيئات الحيوية الواسمة أو البصمات البيولوجية الخاصة بكائناتٍ متطرفة معيَّنة، ربما يكون لها أقرباء، أو كائنات مكافئة تطورت على نحوٍ متضافر، تقبع في سُحب حمض الكبريتيك على كوكب الزهرة.

وليس من المُستغرب وجود كثير من المحاذير. كثير من المحاذير.

تتضمن القائمة التي وضعها المتشكِّكون صعوبة ربط أي جزيء بعينه -حتى وإن كان صغيرًا وبسيطًا كالفوسفين الذي فيه ذرة فوسفور واحدة وثلاث ذرات هيدروجين- بسِمة وحيدة معزولة للخط الطيفي. أو حقيقة أننا لا نعلم في واقع الأمر جميع الشبكات الكيميائية التي تؤدي دورًا في سُحب كوكب الزهرة (التي تختلط فيها قُطيرات الماء والغازات والكيمياء الضوئية بينما تندفع حول الكوكب بسرعات تتراوح بين 200 و370 كيلومترًا في الثانية)، وهي حقيقة أشار إليها كذلك الباحثون الذين يزعمون أنهم رصدوا الفوسفين. أو أننا لا نعلم حقًّا الكيفية التي تصنع بها الميكروبات الفوسفين على كوكب الأرض: أهو ناتج مباشر من نواتج عملية الأيض أم نتيجة مترتبة على اختلاط نواتج أيضية مع الكيمياء البيئية؟ بل توجد أمثلة على أن الحديد العادي، ذا الفوسفور الذي يحتوي على شوائب، يمكن أن يتفاعل مع حمض الكبريتيك وينتج كميةً وفيرةً من الفوسفين في درجة حرارة الغرفة، وهو خيارٌ مثيرٌ للاهتمام فيما يتعلق بالمادة النيزكية الغنية بالحديد التي تنهمر على السُّحب الحمضية.

لكن بصرف النظر عن حقيقة ما يحدث على كوكب الزهرة، فإن ذلك يطرح سؤالًا وتحديًا أكثر عمقًا أمام كامل فكرة استخدام الجزيئات الصغيرة كواسمات بيولوجية، لا سيما عندما لا يمكنك الذهاب بسهولة وإجراء القياسات في الموقع الأصلي.

والحقيقة مفادها ببساطة أن الكثير من العمليات الكيميائية تُنتج جزيئات صغيرة، بَيد أن إحدى السمات الأبرز التي تُميِّز الحياة عن غيرها من الظواهر تتمثل في أنها تستخدم الجزيئات المعقدة وتُولدها باستمرار. وهي تفعل هذا بطريقة يمكن القول بأنها تفوق أي شيء آخر في الكون لدينا علمٌ بشأنه.

لماذا إذًا لا نبحث حصريًّا عن الجزيئات الكبيرة المعقدة؟ الإجابة هي أنه من الصعب للغاية، إن لم يكن من المستحيل، فعل هذا عن بُعد. واختصاصيو الكيمياء الفلكية على دراية كبيرة بهذا التحدي. فإذا استكشفتَ السُّدُم البعيدة باستخدام التليسكوبات الراديوية أو معدات الرصد تحت الحمراء البعيدة، يمكنك بالتأكيد التقاط إشاراتٍ تخص عددًا كبيرًا من أنواع الجزيئات. وتكمن المشكلة في أن بصماتها الكهرومغناطيسية تكون فوضويةً للغاية؛ إذ تعاني من التداخل الشديد، ومن السمات المعقدة الناتجة عن حالات الطاقة الكمية الملتوية والاهتزازية والدورانية الخاصة بالذرات التي تربط بينها روابطُ تساهمية. كما أن تمييز سلسلة من ذرات الكربون عن أخرى أمرٌ بالغ الصعوبة؛ لأننا لا نعلم دائمًا بحقٍّ ما ينبغي أن تبدو عليه سماتها الطيفية.

الجزيئات الصغيرة أسهل كثيرًا في التعرُّف عليها (على الرغم من أن لفظة «أسهل» نسبية). وفي علم الكواكب الخارجية، بذل الفلكيون واختصاصيو علم الأحياء الفلكية جهودًا كبيرة في سبيل اكتساب فهم أفضل للكيفية التي يمكننا بها استخدام كميات وفيرة من المركبات مثل الأكسجين الجزيئي والأوزون والميثان وثاني أكسيد الكربون في الأغلفة الجوية الكوكبية البعيدة باعتبارها طرقًا يمكن من خلالها «تمييز» العوالم بأنها من المرجح أن تضم محيطًا حيويًّا. غير أن الباحثين أدركوا أيضًا أننا قد ننخدع في بيئات غير بيولوجية بالكامل تتلاطم فيها هذه المركبات في أخلاط غير متوازنة، بعيدة كل البعد عن توقعات التوازن الكيميائي القائمة على أكثر قواعد الديناميكا الحرارية بساطة.

من المؤكد أن هناك طرقًا للالتفاف حول هذه القضايا. ويساعد قياس النِّسب الدقيقة للعديد من الجزيئات الصغيرة في تحديد الاحتمالات الكامنة، كما هو الحال بالنسبة لمراقبة أي كوكب مع مرور الوقت، والبحث عن التغيرات الموسمية والديناميات المتذبذبة التي يتصف بها عمل المنظومات الحية فيما يبدو.

لكن في نهاية المطاف، الأمر بالغ الصعوبة. فحتى عندما يكون بوسعك الذهاب وجمع العينات بصورة مباشرة، كما في حالة المريخ والزهرة، يكون من الصعب للغاية رصد أي شيء بخلاف أبسط الجزيئات. وإذا كان النظام الإيكولوجي متناثرًا -وقد يكون الحال كذلك في طبقات السُّحب بكوكب الزهرة- فربما يتعين عليك قضاء الكثير من الوقت في عملية البحث. في حقيقة الأمر، استغرقنا هنا على الأرض وقتًا طويلًا للغاية كي ندرك على نحوٍ وافٍ وجود الحياة الميكروبية في الغلاف الجوي ودورتها، وذلك على الرغم من أن بمقدورنا حرفيًّا تسلُّق أحد الجبال وأخذ العينات مباشرة.

ربما يبدو كل هذا مثيرًا للإحباط فيما يخص سعينا من أجل العثور على حياة في الكون. لكنني أعتقد أن هناك شيئًا مثيرًا للاهتمام بقوة، يكمن في حقيقة أن كل هذا على تلك الدرجة البالغة من الصعوبة. فمن المذهل حقًّا أن يكون من الصعب للغاية العثور على الحياة، تلك الظاهرة اليومية المتفجرة والوافرة النشاط. وهذا ينطبق على العالم الميكروبي هنا على الأرض مثلما ينطبق على أي مكان آخر. ما الذي يجعل الحياة متألقةً وخفيةً في الوقت ذاته على هذا النحو؟

ربما تعيدنا الإجابة إلى العبارة التي ذكرتها سابقًا، وهي أن السمة الأكثر بروزًا للحياة هي أنها تستخدم وتبني أكثر الجزيئات التي نعرفها تعقيدًا، من الحمض النووي إلى البروتينات. فالجزيئات المعقدة بطبيعتها غنيةٌ بالمعلومات، وذلك بأصدق معنى موضوعي تقدمه نظرية المعلومات أو إنتروبيا شانون. غير أنها أيضًا، بالتبعية، عالية التشفير. ويقوم الحمض النووي داخل الخلية بـ«فك شفرته» الخاصة بمساعدة مجموعة كاملة من الأدوات البيوكيميائية المساعدة. وقد استغرقنا قرونًا كي نفهم كيف يعمل جزءٌ من هذا، ولا يزال أمامنا شوطٌ طويل حتى ننتهي.

نحن نعرف أيضًا أن البيانات المشفرة جيدًا وذات المحتوى المعلوماتي الثري تصير أكثر استعصاءً على تمييزها بصورة مطردة عن الضوضاء، وكذلك عن الركام العشوائي وغير المتوقع. بعبارة أخرى، عند النظر إلى الحياة نفسها من منظور شديد الارتفاع فإنها تبدو -بصورةٍ ما- أكثر شبهًا بالضوضاء منها بالبِنى البسيطة، التي يمكن التعرُّف عليها في الوقت ذاته، داخل الكون، سواء الميكروسكوبية أم تلك التي تُناهز الكواكب حجمًا.

ومن تداعيات ذلك أنه في حين قد يكون من العملي البحث عن الجزيئات الصغيرة، والواسمات المثيرة للاهتمام، فإن ما نبحث عنه حقًّا في نهاية المطاف هو الأشياء التي لا تخضع للتفسير بسهولة على الإطلاق، لكنها تُسبِّب اضطرابًا واضحًا في بيئتها. فنحن نبحث عن الضوضاء التي ليست ضوضاء بحق.