إنه أعظم حدث اختفاء في الكون. فقد رُصدت نجوم زائفة (الكويزارات) –وهي منارات مضيئة تزودها بالطاقة ثقوب سوداء هائلة نهمة في قلب مجرات بعيدة– وهي تختفي، وأحيانًا تتلاشى في أقل من عام. بعد ذلك، تظهر مجرات اعتيادية وقياسية فيما يبدو من هذا الوهج المتضائل. وعلى الرغم من أن علماء الفلك يعرفون منذ وقت طويل أن أي نجم زائف سيغدو في النهاية خامدًا؛ نظرًا إلى أن ثقبه الأسود المركزي يستنفد بالكامل مواده الأولية من الغاز والغبار، فإن هذه الأجرام ضخمة جدًّا في حجمها، حتى إن هذه العملية ستستغرق حتمًا عشرات الآلاف من السنين. إذًا، كيف يمكن أن يحدث ذلك في أقل من عام؟

ثمة اقتراح بأن السحب الغبارية المارة أمام النجوم الزائفة ربما حجبتها عن الرؤية بشكل مؤقت. وذهب بعض المنظّرين إلى أن هذه الأجرام الغريبة ربما كانت شيئًا آخر تمامًا؛ فعندما يلتهم ثقب أسود هائل الحجم نجمًا، يمكن أن يسبب انفجارًا ساطعًا وجيزًا كافيًا. أو ربما تؤدي شمسٌ عابرة دور عدسة مكبرة سماوية، متسببةً بذلك في تضخيم الضوء فيما يشبه الوهج. ولكن استُبعدت معظم هذه الأفكار، وعوضًا عن ذلك، يقول علماء الفلك إن الأدلة تشير إلى أن النجوم الزائفة في حد ذاتها تتغير. وعلى وجه التحديد، فالسبب الحقيقي هو بعض التغيّرات الحادثة في قرصها النجميّ التراكميّ، تلك الحلقة من المواد الساخنة التي تحيط بالثقب الأسود المغذّي. والآن، تؤيد هذه النظرية دراسةٌ جديدةٌ في طبعتها الأولية، جرت مؤخرًا الموافقة على نشرها في دورية «بروسيدينجز أوف ذا ناشيونال أكاديمي أوف ساينسس يو إس إيه» Proceedings of the National Academy of Sciences USA. فقد ضاعف عالِم الفلك ماثيو جراهام وزملاؤه من معهد كاليفورنيا للتقنية عدد النجوم الزائفة «متغيرة المظهر» بمقدار ثلاث مرات تقريبًا -تُظهر جميعها بوضوح تغييرات شاملة في قرصها النجميّ التراكميّ. وهذه أكبر عينة من النجوم الزائفة تم جمعها على الإطلاق، وقد أتاحت لعلماء الفلك أخيرًا إلقاء نظرة خاطفة على تفاصيل أعمق وراء هذه التغيّرات الغامضة، والتي بدورها قد تساعد في الوصول إلى تفسيرات أفضل لآليات عمل الثقوب السوداء المغذّية والطرق التي تتطور بها مجرات مثل مجرة درب التبانة عبر الزمن الكوني.

ومنذ اكتشاف أول نجم زائف متغير المظهر معروف عام 2014، طفق علماء الفلك يبحثون بعناية عن المزيد من هذه الأجرام الغريبة التي بدا بعضها يلمع سريعًا بينما تتوهج إحدى المجرات فجأةً متحوّلةً إلى نجم زائف مضيء. ولقد بدا المقياس الزمني مستحيلًا في هذه الحالة أيضًا. ولذلك، راقب علماء الفلك هذه الأجرام عند جميع الأطوال الموجية المتاحة. ومؤخرًا، شملت تلك المقاربة كلًّا من الضوء المرئي والضوء تحت الأحمر -وهما طولان موجيان يسمحان للباحثين باستكشاف جوانب مختلفة من النظام الفيزيائي. وفي أي نجم زائف، ينبعث الضوء المرئي غالبًا من القرص النجميّ التراكميّ، بينما يأتي الضوء تحت الأحمر بالأساس من طارة أكبر نائية عن المركز، وهي حلقة تشبه كعكة الدونتس، وتتكون من الغبار الذي يطوّق القرص النجميّ التراكميّ. وقد كشفت هاتان الملحوظتان المتداخلتان عن تفاصيل جديدة لافتة للانتباه؛ فالتغييرات المرصودة في نطاق الضوء المرئي تقابلها تغييرات في الضوء تحت الأحمر. ونظرًا إلى أن القرص النجميّ التراكميّ الساطع يبعث ضوءًا نحو الطارة الأكثر ظلمة، حيث يُمتص ويعاد إطلاقه على هيئة أطوال موجية تحت حمراء، تُعتبر هذه المحاكاة بمنزلة دليل قاطع على أن نوعًا ما من التغييرات السريعة يحدث داخل القرص النجميّ التراكميّ نفسه. ويقول نيكولاس روس، المؤلف المشارك للدراسة الجديدة وعالِم الفلك بجامعة إدنبرة، في إسكتلندا: "أراهن بمبلغ كبير -ربما لا يرقى إلى مبلغ رهني العقاري أو مبالغ القروض الدراسية لطلابي- على أن التغييرات في معدل التراكم الصرف هي التفسير المرجح".

في ضوء هذا النموذج، راجع بعناية جراهام وروس وزملاؤهما البيانات المأخوذة من مشروع «ماسح السماء كاتالينا» Catalina Sky Survey، الذي يضم قياسات للمنحنيات الضوئية على نطاق عقد من الزمان (وهي قياسات لسطوع الضوء باعتباره دالة زمنية) من نصف مليار مصدر تقريبًا عبر السماء. أولًا: فحص الفريق بيانات كاتالينا بحثًا عن الأجرام المُصنفة نجومًا زائفة بناءً على أطيافها (الألوان المتنوعة لأضوائها المنبعثة). ثانيًا: حلّل الفريق منحنيات الضوء المرئي ليحددوا النجوم الزائفة التي أعتمت بمرور الوقت، وقارنوها بمنحنيات الضوء تحت الأحمر (باستخدام بيانات مأخوذة من القمر الصناعي «مستكشف الأشعة تحت الحمراء عريض المجال» Wide-Field Infrared Survey Explorer التابع لوكالة ناسا) ليعرفوا كيف حدث الإعتام لكل جرم عبر كلا النوعين من الضوء. وفي النهاية، درس الباحثون الطيف الصادر عن كل جرم بعد إعتامه مرةً أخرى؛ للتأكد من أن الجرم السماوي تحوّل إلى مجرة. ثم بحثوا عن المجرات التي تحولت إلى نجوم زائفة.

وإجمالًا، اكتشف الفريق 111 نجمًا زائفًا سريعة التغيّر، أُضيفوا إلى حوالي 60 نجمًا معروفة بالفعل. ولكن الأمر تجاوز مجرد إضافة مدخلات إلى فهرس، إذ تشكّل الدراسة الجديدة اختبارًا واقعيًّا متينًا لنموذج ناشئ للظروف الفيزيائية المسؤولة عن هذه الظاهرة الملغزة. ويقول إيريك مورجانسون، عالِم الفلك بجامعة إيلينوي في إيربانا-شامبين والذي لم يشارك في الدراسة: إن هذا الإنجاز يجعلها مَعلمًا على الطريق. وكل الغرائب الجديدة في علم الفلك –حتى النجوم الزائفة نفسها التي اكتُشفت في منتصف القرن العشرين– دخلت المجال لأول مرة من خلال أبحاث «مبهرة» تشير بالأساس إلى غرابتها. فعلماء الفلك يبدؤون ببضعة أمثلة تتركهم في حالة حيرة. ولكن بينما يسعون ويبحثون عن المزيد بأسلوب منهجي، فإنهم يكتسبون أيضًا فهمًا أعمق، ليصنعوا نماذج أفضل لما يعتقدون أنه يحدث بالفعل. وفي النهاية، يبدأ البحث العلمي مرحلةً جديدة، بحيث تنقِّح غالبًا الملحوظات النماذج الحالية وحسب بدلًا من ابتكار نماذج جديدة كليًّا. ويقول مورجانسون إن هذه الدراسة تمثّل نقطة تحوّل.

في العينة الجديدة، أظهر في البداية كل نجم زائف مُحدّد تغييرًا في نطاق الضوء المرئي، تبعه بعد ذلك تغييرٌ في نطاق الضوء تحت الأحمر. وهذا دليلٌ كافٍ -على حد قول القائمين على البحث- لاستنتاج أن التغيير المرصود متأصل في النجم الزائف بحد ذاته، وليس نتيجةً لحدث أو قوة خارجية. ومن ثم، يرى الفريق أنه بدلًا من وصف هذه النجوم الزائفة بأنها «متغيرة المظهر» من الأفضل أن توصف بأنها «متغيرة الحالة»؛ لتعكس الطبيعة الحقيقية لأصولها.

وبتنحية المصطلحات العلمية جانبًا، يظل جوهر اللغز قائمًا: كيف يمكن –تحديدًا- أن يُعتم نجمٌ زائف بأكمله فجأة؟ وكيف يمكن -تحديدًا- أن تسطع مجرةٌ فجأة؟ يفضّل الباحثون التفسير الذي يشير إلى التغييرات في درجة حرارة القرص النجميّ التراكميّ -بسبب الجبهات الغازية الباردة أو الساخنة، أو المجالات المغناطيسية المتحوّلة، أو مزيج من كلا الأمرين. وبغض النظر عن السبب الجذري، وضعت دراستهم نموذجًا لما سيبدو عليه القرص النجميّ التراكميّ كي تنتشر خلاله مثل هذه التغييرات بسرعة بالغة. وعلى وجه التحديد، اكتشف الفريق أن القرص يجب أن يكون غليظًا ودبقًا للغاية لتظهر عليه مثل هذه التغييرات السريعة. تقول كاثلين إي. سافيك فورد، عالِمة الفلك بالمتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي (AMNH) في مدينة نيويورك وكلية المجتمع في حي مانهاتن (BMCC) بجامعة مدينة نيويورك: "يمكنك أن ترسل موجةً عبر دبس السكر على نحوٍ أسرع من المياه". والأمر نفسه ينطبق على قرص أكثر سمكًا وانتفاخًا -شيء أشبه بكعكة الدونتس منه بالقرص المدمج. وتضيف سافيك فورد: "يمكنك أن تفكر فيه كالأنبوب؛ إذ تستطيع أن تنقل معلوماتٍ عبر أنبوب سميك أسرع من نقلها عبر أنبوب رفيع". إذًا، وبغض النظر عن ماهية التغيير، من المرجح أن يتطلب قرصًا منتفخًا ودبقًا.

يتعارض هذا الاستنتاج مع الرأي العلمي المتفق عليه بالإجماع منذ أمد طويل، والقائل بأن مثل هذه الأقراص لا بد وأن تكون رفيعة. إلا أن باري ماكيرنان -المؤلف المشارك في الدراسة وعالِم الفلك بالمتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي بمدينة نيويورك وكلية المجتمع في حي مانهاتن بجامعة مدينة نيويورك- يقول: إن النتيجة تتوافق مع النظريات الحديثة التي تشير إلى أن الأقراص النجمية التراكمية ربما تكون سميكةً جدًّا.

تظل آلية العمل الدقيقة في حالة النجوم الزائفة المختفية مجهولة. ويقول جون روان، عالِم الفلك بجامعة ماكجيل، والذي لم يشارك في الدراسة: ربما لا نكون مضطرين إلى اختيار آلية واحدة فقط في أي حالة. العبرة المستفادة من جميع الأمثلة الحديثة هي تنوُّعها الملفت للانتباه. فبعضها يبدو عليه التغيير التدريجي، في حين أن البعض الآخر يومض سريعًا. ويضيف روان: "لن أندهش مطلقًا إذا كانت النجوم الزائفة متغيرة المظهر تعود إلى أسباب متنوعة".