منذ بداية تسعينيات القرن العشرين، عكفتُ أنا وزملائي على دراسة العبء الاقتصادي الناشئ عن إصابة البالغين بالاضطراب الاكتئابي الكبير، وقد تتبَّعنا، على مدار تلك الفترة، التحولات التي شهدتها معدلات انتشار ذلك المرض، والتغيرات التي تطرأ على الجوانب العضوية والنفسية للمصابين به، والتطورات التي تحدث في طبيعة علاج كلٍّ من المرض نفسه ومجموعة العلل المصاحبة له، ومنها الألم واضطرابات القلق، ثم اتخذنا من هذه البيانات أساسًا لتقدير العبء الاقتصادي الإضافي الذي يُشكِّله البالغون المصابون بالاضطراب الاكتئابي الكبير، ونقصد بهذا التكاليف الإضافية التي يمكن تتبُّعها لدى المصابين بالمرض فيما يتعلق بالعلاج الطبي له وتأثيراته على الإنتاجية في موقع العمل.

وقد نُشرت للتو أحدث دراسة لنا في عددٍ خاص من دورية "فارماكوإيكونمويكس" PharmacoEconomics (وقد شاركتُ أيضًا في تحريره)، ويُسلِّط هذا العدد الضوء على الأبحاث الجديدة التي تتناول اقتصاد الاضطراب الاكتئابي الكبير، وقد انصبَّ تركيزنا في التحليل الذي أجريناه على عامٍ واحد من أعوام الكساد الكبير (2010) وعامٍ آخر بعد فترة طويلة من التوسع الاقتصادي الكلي (2018)، ومن ثم فهو يُقدم لمحةً مفيدة عن الآثار الاقتصادية المتغيرة التي نجمت عن هذا المرض بالغ الضرر وواسع الانتشار، ونسوق تقديراتنا الأخيرة التي تُبيِّن أن العبء الاقتصادي الإضافي الذي يُشكِّله البالغون المصابون بالاضطراب الاكتئابي الكبير بلغ 326 مليار دولار في عام 2018، أي بزيادة قدرها 38% مقارنةً بعام 2010.

لكن أهداف جهدنا البحثي أعمق من مجرد إعطاء تقديرات اقتصادية؛ فهذه الدراسة تُقدم منظورًا متعدد الجوانب، يمكننا من خلاله تعزيز فهمنا للكيفية التي تتجلى بها التأثيرات العديدة الناجمة عن هذا المرض.

وتجدر الإشارة إلى أننا وجدنا أن 11% فقط من العبء الإجمالي الناتج عن المرض يُعزى إلى التكاليف الطبية المباشرة لعلاج الاضطراب الاكتئابي الكبير نفسه، بينما بلغت تكاليف علاج الاعتلالات المرضية المصاحبة له 24% من هذا الإجمالي، كما أن نسبةً قدرها 4% هي تكاليف مرتبطة بالانتحار، في حين أن 61% من العبء الإجمالي في عام 2018 نتجت عن مزيجٍ من زيادة معدل التغيب عن العمل من ناحية والحضور مع انخفاض الإنتاجية بسبب المرض من ناحية أخرى، وهذه الحالة الصارخة من اختلال التوازن بين النفقات الطبية لعلاج الاضطراب الاكتئابي الكبير أو العلل المصاحبة له من ناحية، والتكاليف المرتبطة بموقع العمل من ناحية أخرى، جانبٌ واحدٌ من القصة التي شهدت تغيرًا دراماتيكيًّا منذ عام 2010، عندما كانت التكاليف الطبية مساويةً للتكاليف المرتبطة بموقع العمل.

فقد شهدت عدة أشياء أخرى تغيرًا كبيرًا في أثناء تلك الفترة، فأولًا، أحدثت جائحة "كوفيد-19" تغيرًا واضحًا في عالمنا منذ بدايات عام 2020، وفي حين سيظل فهمنا لتأثيرات الجائحة على الاضطراب الاكتئابي الكبير قاصرًا لبعض الوقت، فإن متوسط معدل انتشاره، وفق تقديرات مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) في الولايات المتحدة، بلغ 27% خلال الجائحة، أي ما يَعدِل ثلاثة أمثال معدل انتشاره في عام 2019، إذ كان يبلغ 7%، وبطبيعة الحال، لم يتضح حتى الآن إلى أي مدى ستستمر هذه المعدلات المرتفعة بشدة بعد انحسار الجائحة، لكن الزيادة غير المسبوقة في أعداد المصابين بالاضطراب الاكتئابي الكبير ستؤدي على الأرجح إلى زيادة العبء الناتج عن المرض، حتى وإن لم نعرف بدقة مقدار هذا العبء وتفاصيله لفترة من الوقت.

ثمة تغيرٌ كبيرٌ آخر نوثقه في دراستنا الأخيرة، وهو أن انتشار المرض يشمل الآن عددًا من الشباب أكبر بكثيرٍ من أي وقتٍ مضى؛ فمن بين 15.5 مليون مصاب بالاضطراب الاكتئابي الكبير في عام 2010، تراوحت أعمار 5.4 ملايين (35%) بين 18 و34 عامًا، وفي المقابل، من بين 17.5 مليون مصابٍ بالاضطراب الاكتئابي الكبير في عام 2018، كان 8.3 ملايين (47%) ضمن هذه الفئة العمرية، ومن المرجح أن تترتب على هذا التحول إلى مزيجٍ عمري أصغر سنًّا أعباءٌ إضافية في العمل والمنزل والمدرسة، ونظرًا إلى أن الإصابة بالاضطراب الاكتئابي الكبير تبدأ عادةً عندما يصبح الشخص شابًّا بالغًا، ودون تدخلٍ فعالٍ في الوقت المناسب، تصبح حياة هؤلاء الأشخاص عرضةً أكثر من غيرهم لأضرار محتملة، منها التسرب من التعليم في المرحلة الثانوية أو الجامعية، والإنجاب في سن المراهقة، وغياب الاستقرار في الحياة الزوجية أو العمل.

وهناك اتجاهٌ رئيس ثالث يرتبط بتباطؤ معدل علاج الاضطراب الاكتئابي الذي شهدناه بمرور الوقت؛ فبرغم تضاعُف معدل العلاج من 28% عام 1990 إلى 56% عام 2018، ظل هذا المعدل قريبًا من مستواه الحالي على مدار الـ15 عامًا الماضية، ومع عجز قطاع الرعاية الصحية عن الوصول إلى 44% من المصابين بالاضطراب الاكتئابي الكبير، لم يُلبَّ إلى الآن جزءٌ كبيرٌ من الاحتياجات العلاجية، وإذا كان توسيع نطاق وصول الرعاية الصحية وابتكار أساليب أكثر فاعليةً في توفير الرعاية يمكن أن يُسهما في تحويل المزيد من النفقات الطبية المباشرة إلى علاج الاضطراب الاكتئابي الكبير نفسه وليس الاعتلالات العضوية والنفسية المصاحبة له، فهذا تغييرٌ مرحبٌ به تمامًا.

وأما الاتجاه الثالث الذي نرصده فيركز على ظروف العمل الأكثر ملاءمةً في عام 2018 مقارنةً بعام 2010؛ ففي مراحل دورة الأعمال، يكون الارتباط بسوق العمل أكثر تقلقلًا بكثير بالنسبة للأشخاص المصابين بالاضطراب الاكتئابي الكبير؛ ففي حين تزداد إمكانية تعيينهم، لا سيما في أوقات الازدهار الاقتصادي، يتأثر المصابون بالاضطراب الاكتئابي الكبير سلبًا أكثر من نظرائهم في أوقات الركود الاقتصادي (خاصةً مَن تتجاوز أعمارهم 50 عامًا).

ومن بين التبصُّرات المتكررة التي توصلنا إليها من خلال بحثنا واستقصائنا، وجود تفاعُل معقد بين معدلات انتشار الاضطراب الاكتئابي الكبير وشدته وعلاجه ومعدلات توظيف المصابين به عبر مراحل دورة الأعمال، ونتيجةً لهذه الديناميكية، ثمة توترٌ متأصل بين المصالح المجتمعية ومصالح أرباب العمل كلٍّ على حدة، حول الطرف الذي يجب أن يتحمل تكاليف الإدارة المُثلى لمرضى الاضطراب الاكتئابي الكبير، وهذا يُشكِّل تحديًا مستمرًّا حتى في ظل أفضل الأوضاع الاقتصادية الكلية.

وبوجهٍ عام نقول إن العبء الاقتصادي لأي مرض يرتبط بمدى انتشاره في المجتمع، وإلى أي مدى يُسبِّب ضعفًا بالنظر إلى الضرر الذي يلحق بالمصابين به، ومدى قدرة القطاع الطبي على الوصول إلى المصابين وعلاجهم، وتستمر النتائج البحثية المحدَّثة التي نصل إليها في تعزيز فهمنا لكلفة هذا المرض، غير أنه نظرًا إلى أن تأثيرات الجائحة على الاضطراب الاكتئابي الكبير لم تتضح بعد، فسوف يستغرق جمع البيانات ذات الصلة التي يمكنها تسليط الضوء على الكثير من هذه الديناميكيات المعقدة أعوامًا عديدة.

هذا مقال رأي وتحليل.