يُقدَّر عددُ مَن يَتعاطون الماريجوانا حول العالم بنحو 188 مليون شخص كل عام. وقد أصبح استخدام تلك النبتة المُخدِّرة في الأغراض الترفيهية مُقنَّنًا في إحدى عشرة ولاية أمريكية، وربما يُقنَّن استخدامها على مستوى جميع الولايات الأمريكية. وفي مسحٍ أجرته مؤسسة «جالوب» Gallup الصيف الماضي، قال 12% من الأمريكيين البالغين إنهم دخَّنوا الماريجوانا. وكان 22% من هذه النسبة أشخاصًا تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا. تلك هي الإحصائيات، أما تبعات استخدام الماريجوانا فتظل غامضة.

مع ازدياد إمكانية الحصول على الماريجوانا -إلى جانب ازدياد درجة قبول هذه النبتة المُخدِّرة وتراجُع درجة الاقتناع بأضرارها- من الأهمية بمكانٍ التفكير فيما يمكن أن تُحدِثه من آثار ضارة طويلة المدى، لا سيما بالنسبة للأشخاص الذين يبدأون في استخدامها في سنٍّ مبكرة. ومن الآثار المترتبة على تعاطي الماريجوانا والتي حظيت بتوثيقٍ جيدٍ تأثيرُها قصير الأجل على الذاكرة. فالنبتة المُخدِّرة تزيد من صعوبة استيعاب الذاكرة للمعلومات وبالتالي الوصول إليها، كما تُسبِّب الجرعات الأكبر منها مزيدًا من المشكلات على نحوٍ تدريجي. لكن مسألة ما إذا كان للماريجوانا أي آثار دائمة على القدرات المعرفية لم تحظَ بالقدر نفسه من التوثيق. من الضروري التوصل إلى إجابة عن هذا السؤال. فبناءً على حدة هذه الآثار واستمراريتها، يمكن أن يكون لتعاطي الماريجوانا انعكاساتٌ سلبيةٌ خطيرةٌ على التعليم وسوق العمل والأداء الوظيفي والدخل.

ثمة أسبابٌ وجيهة تقف وراء احتمالية أن تكون أدمغة المراهقين أكثر عُرضةً للآثار الناجمة عن تعاطي الماريجوانا. فمركبات الكانابينويد الطبيعية تؤدي دورًا جوهريًّا في حركة خلايا المخ وتطورها بدءًا من المرحلة الجنينية فصاعدًا. كما أن المراهقة تُعد مرحلةً حاسمةً في اكتمال تشكيل المخ وتكاثر المادة البيضاء. فالحُصَيْنان -وهما زوجان هيكليان يقع كلٌّ منهما في فصٍّ صدغي، وهما مسؤولان عن تشكيل الذكريات الجديدة- يحتويان على الكثير من مستقبِلات الكانابينويد. ومادة «رباعي هيدرو كانابينول» المعروفة اختصارًا باسم (THC) هي المكون الرئيسي المُسبِّب لحالة النشوة. وهذه المادة تُؤثر على مستقبلات الكانابينويد في المخ لمحاكاة بعض آثار مركبات الكانابينويد الداخلية في الجسم مثل «الأنانداميد» Anandamide. لكن آثار المركب أكثر استمراريةً وغير فسيولوجية، وربما تؤدي إلى الإخلال بتوازن عمليات طبيعية مهمة.

صدر تقريرٌ مهمٌّ بشأن الماريجوانا في عام 2012 عن مجموعة بحثية تتبَّعت نمو 1000 شخص في نيوزيلندا وُلدوا في مدينة دانيِدن بداية سبعينيات القرن العشرين. وبعد تقييم مقاييس المعرفة ومعدل الذكاء IQ بدايةً من سن الثالثة، سجَّل الباحثون استخدام المشاركين في البحث للنبتة المُخدِّرة في وقتٍ مبكرٍ من سنوات مراهقتهم وصولًا إلى ما بعد سن الثلاثين. وفي الوقت الذي أظهر فيه مَن لم يتعاطوا الماريجوانا قَط من المشاركين زيادةً بسيطة في معدل ذكائهم بمرور الوقت، فإن مستهلكي الماريجوانا أظهروا انخفاضًا مستمرًّا في معدل الذكاء يتناسب مع مدى طول مدة تعاطيهم لها. فعند وصولهم سن الثامنة والثلاثين، ظهرت لدى المشاركين الذين كانوا قد بدءوا تعاطي الماريجوانا في سنٍّ مبكرة مشكلاتٌ أكثر تتعلق بالتفكير الذاتي، ووصفهم أصدقاؤهم المقربون بأنهم يعانون صعوباتٍ في الانتباه والتذكُّر. أما المشاركون الذين دخنوا الماريجوانا بكثافة في سنين المراهقة ثم أقلعوا عنها لاحقًا، فإنهم لم يستعيدوا قَط حالتهم السابقة على نحوٍ كامل. وقد شمل تأثير الماريجوانا كل الجوانب الإدراكية، بدايةً من تذكُّر قوائم الكلمات إلى معالجة المعلومات وحل المشكلات وتركيز الانتباه. وظهر لدى الـ36 مشاركًا الذين تعاطوا الماريجوانا على نحو متواصل أكثر من غيرهم انخفاضٌ عامٌّ في معدل الذكاء يترواح بين ست نقاط وثماني نقاط. وهذا أمرٌ خطير. لذا ربما تقول لنفسك: «انتهى الأمر. تعاطي هذا المُخدِّر يُصيب المرء بالبلادة». لكن لا تقفز إلى النتيجة بهذه السرعة.

ففي عالم يديره علماءٌ أشرارٌ، فإن تحديد آثار الماريجوانا على معدل الذكاء قد يكون أمرًا بسيطًا: سيتعرض نصف العينة المُقرَّر عشوائيًّا في مرحلة المراهقة للمُخدِّر، أما النصف الآخر فسيحصل على دواء وهمي. ويمكن للعلماء المقارنة بين النتائج المعرفية للخاضعين للتجربة قبل تعاطي الماريجوانا وبعده، وسرعان ما تحصل على إجابتك. لكن للوصول إلى مثل هذه الإجابات على أرض الواقع، نعتمد على ما يسمى بعلم الأوبئة، وهو فرع من العلوم يتصدى لمسائل تتعلق بالعينة ككلٍّ من الناحية الأخلاقية. هناك إستراتيجيتان طوليتان مهمتان للفصل بين السبب والنتائج، وهما الدراسات الحشدية واسعة النطاق والدراسات التوأمية. ميزة الإستراتيجية الأولى -كما استُخدمت في دراسة دانيِدن- أن كل مشارك يتصرف باعتباره المجموعة الضابطة لنفسه. وبالنظر إلى أن كل طفل يبدأ بمعدل ذكاء مختلف، فمن السهل قياس ما إذا كان معدل ذكاء جوني أو جاني يتناقص أو يزيد على مدار الوقت بالنسبة لاستهلاكهما للماريجوانا (وهذا يُقاس عن طريق الحسابات الفردية للكمية المستهلكة، ومعدل الاستهلاك، ومدته).

أما الإستراتيجية الثانية، فتنبثق من منطق مختلف. فالتوأمان يكبُران بالخلفية العائلية نفسها، وهما متشابهان جينيًّا إلى حدٍّ بعيد (هذا ينطبق على نحوٍ يكاد يكون تامًّا في حالة التوائم المتماثلة)، ولذا فإن كلًّا منهما يُمثل مجموعة ضابطة تجريبية مثالية للآخر. فإذا دخَّن التوأم الأول القنّب في حين لم يُدخِّنه الثاني، فإن الباحثين لديهم تجربة مصغرة، يمكن التحكم فيها بإحكام شديد يساعدهم في استبعاد العوامل المُربكة، مثل وظيفة الأب أو تاريخ إدمان الكحول لدى عائلة الأم. وفيما يخص دارسات التوائم الخاصة بالأوبئة، فإنه يكون بمقدور الباحث فحص عينة كاملة وتلخيص كل الآثار المتعلقة بها.

هذا ما فعله الباحثان نيكولاس جاكسون من جامعة كاليفورنيا الجنوبية وويليام إياكونو من جامعة مينيسوتا؛ إذ عملا مع زملائهما على فحص بيانات مستقاة من دراستين طوليتين لتوأمين في سن المراهقة في ولايتي كاليفورنيا ومينيسوتا. قاس الباحثان معدل ذكاء التوأمين في الفترة ما بين التاسعة والثانية عشرة من عمرهما قبل أي تعاطٍ للمُخدِّر، ثم أعادا قياس معدل ذكاء التوأمين في الفترة ما بين السابعة عشرة والعشرين. وكما في دراسة دانيدن بالضبط، فإن مستهلكي الماريجوانا أحرزوا نقاطًا منخفضة في اختبارات الذكاء وأظهروا انخفاضًا ملحوظًا في معدل الذكاء. بيْد أنه في تحليل جاكسون وإياكونو، لم يكن ثمة ارتباطٌ على الإطلاق بين تعاطي الماريجوانا ومعدل الذكاء، وانخفضت قياسات معدل الذكاء على نحوٍ متساوٍ لدى كلٍّ من مستهلكي الماريجوانا والممتنعين عنها. وقد عزَّزت دراسات التوائم التي أُجريت لاحقًا -ومن بينها دراسةٌ أجراها فريق دانيِدن استنادًا إلى بيانات من المملكة المتحدة- هذه النتائج التي تُفيد بعدم وجود أي علاقة بين تعاطي الماريجوانا وانخفاض معدل الذكاء.

كيف يمكننا تفسير هذا التباين؟ أولًا، تزداد كثيرًا احتمالات أن يتعاطى مستهلكو الماريجوانا من الشباب الكحوليات والمُخدِّرات المحظورة الأخرى إلى جانب الماريجوانا. وعندما يأخذ علماء الأوبئة عوامل الإفراط في تعاطي الكحوليات والنيكوتين والمُخدِّرات الأخرى بعين الاعتبار في نماذجهم البحثية، فإن آثار الماريجوانا على القدرات الإدراكية تتلاشى. بالتالي، فإنَّ تناقُص معدل الذكاء يرتبط فيما يبدو ارتباطًا غير محدد بتعاطي المُخدِّرات والكحوليات بوجهٍ عام. لكن هذه الملحوظة لا تُفسر سبب تناقص معدل الذكاء أيضًا لدى التوائم الذين لم يُدخِّنوا القنّب. أشار جاكسون وإياكونو وزملاؤهما إلى أنه من البداية وقبل تعاطي أي مواد مُخدِّرة، فإن مستهلكي الماريجوانا المستقبليين الذين خضعوا لإحدى الدراستين الحشديتين تبين بالفحص أنهم يملكون بالفعل معدلات ذكاء منخفضة على نحوٍ ملحوظ. بمعنى آخر، فإن نبات القنّب لم يكن سببًا في انخفاض معدل ذكائهم، بل كان المعدل منخفضًا من البداية.

كشف الباحثون، بعد ذلك، النقاب عن عوامل ضعف كامنة تُفسر كلًّا من تعاطي الماريجوانا وانخفاض معدل الذكاء. على سبيل المثال، فإن السمات السلوكية مثل الاندفاع والتهوُّر كانا عاملَين مهمين للتنبؤ بتعاطي المُخدِّر وانخفاض معدل الذكاء، والأمر نفسه ينطبق على نشأة الفرد وسط عائلة لا تُقدِّر التعليم. فقد حصل الأطفال الجانحون على درجات دراسية منخفضة بسبب ميلهم إلى الهروب من المدرسة وتعاطي المُخدِّرات. لذا فإن تناول القنّب لم يكن هو السبب في التدهور الإدراكي. وبدا أن مزيجًا من العوامل البيئية والموروثة يُفسر كلا الأمرين.

كيف يمكننا اتخاذ قرار في ظل وجود مجموعتين من النتائج متضادتين ومقنعتين في الوقت ذاته؟ كان المشاركون في دراسة نيوزيلندا -والذين كانوا في بداية مرحلة منتصف العمر- قد تعاطوا القنّب على مدار فترة زمنية تزيد كثيرًا عن الفترة التي تعاطاه فيها توائم مينيسوتا الذين كانوا في أواخر مرحلة المراهقة. لعل تعاطي القنّب في مرحلة المراهقة ليس له أثر إدراكي يمكن كشفه إلا عند استهلاكه بكميات كبيرة جدًّا و/ أو على مدار سنوات عديدة. يتوق الباحثون، في الوقت الراهن، إلى البيانات المُستقاة من دراسة انطلقت حديثًا، تتناول بالبحث والفحص أدمغة المراهقين والنمو الإدراكي، وتُعرف اختصارًا باسم (ABCD). تتتبع الدراسة 11 ألف طفل أمريكي في سن العاشرة كعينة وبائية وطنية، باختبار متسلسل لمعدل الذكاء، وتصوير للدماغ؛ بهدف رصد المسار الطبيعي لنمو الدماغ وتطور معدل الذكاء قبل تعاطي أي موادّ مُخدِّرة، وبهدف توثيق أي تبعات طولية تترتب على تعاطيها. تملك هذه الدراسة القدرة على حسم مُعضلة العلاقة بين تعاطي الماريجوانا في مرحلة المراهقة وحدوث تغيرات في الإدراك. وسوف يبدأ العلماء في رصد نتائج مهمة وذات دلالة خلال السنوات القليلة القادمة، عندما يصل الخاضعون للدراسة إلى منتصف سن المراهقة.

في العام الماضي، حذر سكوت جوتليب -المفوض السابق لإدارة الغذاء والدواء الأمريكية- من الضرر المحتمل الذي يكمن في «التجربة الطبيعية الكبرى التي نُجريها في هذا البلد بإتاحة مادة «رباعي هيدرو كانابينول» على نطاق واسع». يعيدنا قلقه هذا إلى جوهر القضية. فالأطباء والمُشرِّعون يحتاجون إلى فهم أكثر دقةً لما لمادة «رباعي هيدرو كانابينول» من تأثيرات على عقول المراهقين؛ حتى تتسنى للآباء والمعلمين والمخططين الاجتماعيين الاستجابة الاستباقية لتعاطي المراهقين للماريجوانا. فإذا تبيَّن أن تأثيرات الماريجوانا طويلة الأمد على الوظائف الإدراكية حقيقية فعلًا، فإن هذه النتيجة لا بد أن تتبلور في صورة خطط ملائمة؛ للحد من تعاطيها عبر تعزيز الجهود التربوية وفرض عقوبات قانونية صارمة. وعلى الجانب الآخر، إذا كانت الآثار الإدراكية عابرةً أو تُقدِّم لها الظواهر الاجتماعية تفسيرًا أفضل، فيمكننا جميعًا التوقف وتوجيه مجهوداتنا ومواردنا في قنوات أخرى.